يعد الفصل الأخير من هذا الكتاب، الذي يحمل عنوان «المئة يوم الأولى»، هو الفصل الأكثر أهمية بامتياز، حيث يتركز الاهتمام فيه على استشراف آفاق المستقبل القريب في حياة أميركا والعالم، ويحرص المتحاورون على أن يقدموا ما يمكن وصفه بقائمة اقتراحات تكفل النجاح في الأداء للرئيس الأميركي في المئة يوم الأولى من ولايته.

حيث يتم التشديد على ضرورة اختيار شخصية وثيقة الصلة بالرئيس الأميركي لشغل منصب مستشار الأمن القومي وبلورة أسلوب مختلف للعمل يستند إلى جهاز فعال كذلك الذي كان موجودا في الخمسينات للقيام بمهام التخطيط الاستراتيجي و الاعتماد على تشكيل فرق عمل للتوجه نحو إنجاز مهام محددة. ويتم استخدام الأسلوب نفسه في التعامل مع قضية الشرق الوسط وبلورة أسلوب للتعامل مع أوروبا ولإشراك بلدان مثل اليابان وكوريا الجنوبية في بعض المهام التي يقوم بها «ناتو» لا بهدف ابتلاع هذه البلدان وإنما من أجل الوصول إلى نوع من الشراكة التي من شأنها تعزيز مساهمة (ناتو) في استقرار العالم . ويتوج هذا كله بمجموعة من النصائح الموجهة إلى الرئيس الأميركي المقبل وفي مقدمتها ضرورة التخلص من جو النفاق والملق الذي يهيمن على البيت الأبيض والمبادرة بإغلاق معتقل غوانتانامو وإبداء المزيد من الاهتمام بالتركيز على حقوق الإنسان.

لأمر ما تبدو الثقافة الغربية شغوفة بالرقم مئة.. يتجلى هذا الغرام مثلا في حولياتهم التاريخية ومنها مثلا: حرب المئة سنة. تلك التي اشتعلت بين فرنسا وانجلترا على مدار قرن كامل وأكثر ما بين عامي 1340 و1450 للميلاد، ولم تكن قتالا متواصلا كما قد نتصور بقدر ما كانت سلسلة من الصراعات والمعارك التي تهدأ أحيانا ثم لا تلبث أن تعود من جديد إلى الاندلاع. وهناك حكم المئة يوم وهي الفترة الفاصلة بين هروب الإمبراطور الفرنسي نابوليون بونابرت من منفاه الأول في جزيرة (ألبا) واستوائه على عرشه في باريس وبين معاودة اعتقاله وإبعاده إلى منفاه الأخير في جزيرة سانت هيلانة. وتقع هذه الأيام المئة تحديدا بين يومي 20 مارس و28 يونيو من عام 1815.

وكان طبيعيا أن ترث الثقافة السياسية الأميركية هذا الشغف بالعدد مئة ومن ثم تستخدمه بوصفه محك الاختبار الأول لأي رئيس أميركي ينجح في انتخابات الرئاسة. وتعني بها الأيام المئة الأولى من ولاية الرئيس الجديد في مكتبه بالبيت الأبيض.

لم يكن صدفة إذن أن يختار الكاتب الصحفي ديفيد اجناتيوس هذا العنوان للفصل الختامي وربما كان الفصل الأكثر أهمية من فصول الكتاب: المئة يوم الأولى.

هو فصل بالغ الأهمية لأنه على عكس الفصول السبعة السابقة التي عنيت بداهة بمحاولة استيعاب دروس التاريخ القريب ومحاولة تحليل أحداث الحاضر المعاش، من هنا يتحول الحوار الذي يتولى تحريكه وتنظيمه الكاتب اجناتيوس، بين كل من البروفيسور بريجنسكي والجنرال سكوكرفت إلى استشراف آفاق المستقبل القريب إن لم نقل الوشيك من حياة أميركا والعالم.

ولقد نضع أكثر من خط للتشديد على حكاية أميركا والعالم بحكم ما آلت إليه تطورات الأحداث في المنظومة المالية ـ المصرفية بأميركا بكل ما تردد ولا يزال يتردد من أصدائها السلبية في معظمها في أرجاء شتى من عالمنا وفق ما تعرفه مصطلحات علم السياسة لنظرية الدومينو بمعنى سلسلة الآثار المترتبة والمتوالية.

يضاف إلى ذلك أيضا النوعية الفريدة للسباق الرئاسي في أميركا الذي شهد تنافسا محتدما ومحموما أيضا بين مرشحيْ الجمهوريين والديمقراطيين.

وأيا كان الأمر فالكتاب في هذا الفصل الأخير يحاول أن يلتمس ما يصفه بلغاء لغتنا العربية الكلاسيكية بأنه براعة الاستهلال (المئة يوم الأولى) بعد أن شبعت أميركا والعالم من سوء الختام (على مدار 8 سنوات من إدارة جورج بوش ـ الابن). خاصة وأن الإدارة ـ الجمهورية ـ القديمة أو المنصرفة ودعت بلادها والعالم وقد أوصلته ـ كما بات معروفا ومحسوسا إلى شفير هاوية من الشظف الاقتصادي ومن التهديد بخطر وخطورة إفلاس مؤسسات التمويل والاستثمار بما يعنيه ذلك من ضياع فرص العمل وتفاقم أحوال المعيشة للملايين في طول الدنيا وعرضها.

(الأمر في كل حال بحاجة إلى تغييرات جذرية سواء في الهيكل القائم أو في نهج التفكير السياسي المتبع حاليا في الولايات المتحدة) بهذه العبارة يبدأ الحوار الجنرال برنت سكوكرفت مستشار الأمن القومي لدى الرئيس بوش الأب.

لماذا؟في معرض الجواب يوضح الرجل ما يقصد إليه على النحو التالي:إن معظم هذه الهياكل، وأغلب أنماط وأساليب التفكير كانت تتصل بفترة الحرب الباردة. وأكثر من هذا فأغلب هذه الهياكل والطرائق تم بناؤها ورسم معالمها وفق دروس مستفادة أو كانت مستفادة من صراعات الحرب العالمية الثانية.

ما رأي البروفيسور بريجنسكي إذن؟

أرى أن الرئيس الأميركي الجديد لابد وأن يبدأ باختيار مستشار للأمن القومي يكون على معرفة وثيقة وعميقة بشخصية الرئيس بل ويرتاح إليه في المقام الأول بحيث تقوم دورة من التواصل الفكري والتفاهم بين الطرفين. ثانيا أقول لرئيسنا الجديد (في أميركا) أن الأمر بحاجة إلى آلية فاعلة وفاهمة ومستنيرة تتولى أمور التخطيط الاستراتيجي لأميركا ودورها في عالمها وعصرها، لا أقصد وزارة الخارجية لأن لها أجندة دبلوماسية، ولا وزارة الدفاع وقضاياها المتصلة بالجانب العسكري، بل أقصد جهازا فعالا وكفؤا من ذلك النوع الذي كان موجودا أيام الرئيس أيزنهاور (في عقد الخمسينات) وكان متخصصا في أمر التخطيط الاستراتيجي.

يواصل بريجنسكي طرح رؤيته موضحا أهمية تجنب الركون إلى المكاتب والدوائر البيروقراطية التي يزيد عدد موظفيها فيما يقل مستوى أدائها وكفاءتها.. بدلا من ذلك يقترح أستاذ علم السياسة الأخذ بأسلوب فرقة العمل (تاسك فورس) بمعنى مجموعات من أهل العلم والاختصاص يختارون بعناية وتنطلق جهودهم على أساس مبدأ معروف في مضمار الإدارة الحديثة وهو: التوجه نحو انجاز مهمة محددة.

في هذا الخصوص يضرب بريجنسكي مثلا بقضية باتت تزداد خطرا وخطورة مع الأيام: تلك هي قضية البيئة وما يرتبط بها من تغير المناخ وتهديد أساليب الحياة فوق سطح الكرة الأرضية.

يقول بريجنسكي في ثنايا الحوار الذي دار يوم 3 ابريل عام 2008:

في حالة فوز الديمقراطيين.. فمن الواضح أن آل جور سيكون هو الشخصية النموذجية لرئاسة فرقة عمل معنية بقضية المناخ والبيئة. وهذا الفريق أو مجموعة العمل يتمتع رئيسها بسلطات عليا مستمدة من الرئيس (الجديد) شخصيا ومن ثم يظل قادرا على أن يستعين بما يشاء من الموارد والكفاءات المتاحة لسائر وزارات الدولة وهيئاتها وبوصفه مندوبا مفوضا لرئيس الجمهورية.

نفس الأسلوب ـ الديناميكي كما قد نسميه من جانبنا ـ يقترحه بريجنسكي أيضا لمعالجة اثنتين من أهم القضايا التي يؤكد على أهمية التطرق إليها خلال المئة يوم الأولى من عمر الإدارة الجديدة الحاكمة في البيت الأبيض وهي أيضا استهلال عام 2009.

القضية الأولى في رأيه لها عنوان بات مأهولا من فرط التكرار: الشرق الأوسط.

يقترح البروفيسور زبجنيو بريجنسكي (ص257) تعيين مندوب سياسي رفيع المستوى يتولى رئاسة فرقة عمل تعني بتدارس القضايا المتشابكة التي يقول بريجنسكي أنه ناقشها مع قرينه الجمهوري برنت سكوكرفت في حوارات هذا الكتاب.. فالمسألة في رأيه لا تحتمل الانتظار وليس لدينا وقت نضيعه كما يقول.

هنا يسأله الصحافي اجناتيوس:

هل يقتصر التركيز على النزاع العربي ـ الإسرائيلي؟ أو أن هذا المسؤول الرئاسي الرفيع المستوى سيتعامل أيضا مع قضيتي إيران والعراق؟

ربما يتعامل مع القضايا الثلاث معا فكلها مترابطة.

ثم ماذا عن الموضوع الثاني بخلاف الشرق الأوسط؟

اقترح أيضا أن تشهد المائة يوم الأولى فرقة عمل ثالثة تعالج أمر علاقات التحالف بين أميركا وأطراف شتى من العالم الخارجي.

مثلا: كيف تتعامل مع أوروبا؟

وكيف تشرك بلدانا مثل اليابان أو كوريا الجنوبية في بعض المهام التي تضطلع بها المحالفة الأطلسية(!) ليس معنى هذا أن (نبتلع) هذه الأقطار ضمن إطار الناتو الأطلسي.. بل الهدف هو نوع من الشراكة التي من شأنها تعزيز مساهمة الناتو في استقرار العالم.

سؤال صريح آخر يوجهه الكاتب الصحافي:

ألا يفضي هذا النهج إلى نوع من تحجيم وزير خارجية أميركا المقبل؟

يعاود بريجنسكي الإجابة على السؤال: حسنا، وزير الخارجية مسئول عادة عن العالم كله. لكن من الناحية العملية أصبح الأمر من الصعوبة بما يستعصى على تدبير شئون العالم بأسره.. أنظر مثلا الى الشرق الأوسط.. لقد حاولت كوندوليزا رايس أن تُوليه اهتمامها.. ورغم أنني أراها مخطئة في بعض سياساتها هناك إلا أن الأمور تجاوزت إمكاناتها بكثير.

يوافق الجنرال سكوكرفت بشكل عام على هذا التشخيص للأمور مؤكدا على ميزات مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض وأهمها سرعة الحسم واتخاذ القرار بعيدا عن بيروقراطية مسئولي الإدارات والدوائر والوزارات.

من ناحيته أيضا يحذر بريجنسكي الرئيس الجديد من الجو الذي عايشه شخصيا أيام وجوده في البيت الأبيض ـ ويصف هذا الجو بأنه كان مشبعا بالنفاق والملق والزلفى. وكله كان موجها بالطبع إلى الشخصية رقم واحد في المقر الرئاسي.. فما بالك ولو كنا خلال الأيام المائة الأولى من الإدارة الفتيّة الجديدة.

ثم تبحر سفينة الحوار في محيط الصراحة حين يتطرق خبيرا الأمن القومي إلى دور نائب الرئيس في إدارة دفة الأمور ويشيران إلى ما لاقته وزيرة الخارجية رايس ومستشار الأمن القومي هادلي في ولاية بوش الأخيرة من مشاكل ومتاعب وحساسيات لأن نائب رئيس الدولة، السيد تشيني، كان يتصرف أحيانا وكأنه مستشار الأمن القومي للرئيس بحكم الأمر الواقع. ولهذا فالنصيحة هي أن تشهد المئة يوم إياها عدم التداخل بين مكتب نائب الرئيس وبين مستشار الأمن القومي.

عند نهايات الحوار، يلفت الصحافي نظر شريكيه إلى أن الرئيس الجديد سوف يستهل عهده (عام 2009) بينما يشتعل العالم غضبا إزاء أميركا (ص276).. فماذا هو فاعل؟

يجيب زبجنيو بريجنسكي على الفور:يستطيع أن يغلق أبواب (معتقل) غوانتانامو. يستطيع تجريم ممارسة التعذيب.يستطيع أن يولي مزيدا من الاهتمام بالتركيز على حقوق الإنسان. يستطيع أن يقول: علينا أن ندفن هذه الثقافة القائمة على الخوف أو التخويف وأن نزن بكل دقة وفهم حجم التهديدات التي تواجهنا.

ويجيب برنت سكوكرفت قائلا:أتصور أن أول ما يجب أن يعلنه الرئيس الجديد هو: أن الولايات المتحدة بلد قوي، ولكننا لا نملك إجابات على كل أسئلة المشاكل التي تواجه العالم.. لذلك فنحن بحاجة إلى المساعدة.. نحتاج مساعدة كل حكومة حصيفة وصريحة في العالم.

على مجمل هذه الحوارات التي احتوتها صفحات كتابنا يعلق ميشكو كاكوتاني ـ ناقد نيويورك تايمز (عدد 23/9/2008) قائلا:برغم أن كلا منهما يأتي من جانب سياسي متعارض مع الجانب الآخر.. إلا أن كلا من بريجنسكي وسكوكرفت أثبتا أهمية اعتماد نهج مفيد من الواقعية السياسية يقضي بأن تتبع الولايات المتحدة أسلوبا يكفل التعاطي مع ظروف عالم متغير بحيث لا تتصرف أميركا إزاءه بمنطق التربّص أو المواجهة.

المؤلفون في سطور

ــ البروفيسور زبجنيو بريجنسكي أستاذ العلوم الإستراتيجية والمفكر السياسي ومستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر وهو حاليا أستاذ في جامعة جون هوبكنز.

ــ الجنرال ـ طيار برنت سكوكرفت الذي كان مساعدا عسكريا للرئيس نيكسون ثم عمل مستشارا للأمن القومي مع الرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش الأب ويتولى حاليا رئاسة بيت للخبرة والمشورة في شؤون المال والأعمال الدولية.

ــ ديفيد اجناتيوس هو كاتب العمود نصف الأسبوعي في جريدة «واشنطن بوست» الواسعة النفوذ، وقد أمضى أكثر من 30 سنة في بلاط صاحبة الجلالة صحافيا في جريدة «وول ستريت» ثم رئيس التحرير التنفيذي لجريدة «هيرالدتربيون» الدولية.

الصفحات: 290(متوسط)

الكتاب: حوارات حول أميركا والعالم

الناشر: بيسك بوكس،نيويورك،2008

عرض ومناقشة: محمد الخولي