لم يتمكن النسر الذي أطلقه الرئيس الأميركي عام 2001 في جبال «الهندوكاش» من قنص الطرائد الأفغانية التي كانت عنوانا للحرب الأميركية على الإرهاب، غداة اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر.
ورغم التقدم الملحوظ على خطى بناء الدولة الأفغانية ومؤسساتها بعد نحو نصف قرن من التفتت وتفتيت المفتت، تمر تسع سنوات على بداية هذه الحرب الجديدة مع قناعة باتت واضحة لدى أطرافها بأنها ما تزال تراوح مكانها وبات المستنقع الأفغاني أشد أتساعا وتعقيدا من الخطط المعلنة من قبل القيادة الأميركية، ولعل تصاعد وتيرة العنف واتخاذه اتجاها تصاعديا خطيرا. فرض على جانبي الصراع إمكانية عقد مباحثات سلام، وهو ما تجلى في طلب رسمي صريح من الرئيس الأفغاني حامد كرزاي من الرياض التدخل لرعاية هذا الحوار، الذي أكده وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل، معبرا عن استعداد المملكة رعاية حوار مشروط بنبذ الإرهاب وبتغليب مصلحة الشعب الأفغاني على المصالح الأخرى.
الإشارات تكررت وأصبح موضوع المحادثات مع حركة «طالبان»، الذي كان مستبعدا تماما في وقت من الأوقات، موضوع الساعة الذي يتناوله المسؤولون الغربيون والأفغان والمحللون وقادة القبائل. رغم اعتراف من كلا الجانبين بوجود عوائق في الطريق تتلخص في الشروط التي وضعها كل من طرفي الصراع فيما يتعلق بالموضوعات التي سوف تتم مناقشتها. فحركة «طالبان» تشترط خروج القوات الدولية، وهو أمر لا يمكن تلبيته في الوقت الحالي، فيما تتجه الحكومة الأفغانية إلى تقديم تنازلات كانت في الماضي من المستحيلات، وهي إمكانية القبول بدخول عدد من القيادات المعتدلة في الحركة في الحكومة الأفغانية.
ومنح الحركة وضعية تمكنها من المشاركة في الحياة السياسية، خاصة وأن البلاد على أعتاب انتخابات في السنة القادمة، إلا أن المعضلة الكبرى تكمن في ما يعتبره كل جانب في الصراع أنه يحظى بتأييد الشعب الأفغاني في قتاله ضد الطرف الآخر، ولكن بغض النظر عن حسابات كلا الجانبين، فإن لكليهما أهدافا قوية من التحول إلى المباحثات بدلا من الاستمرار في الحرب المنهكة بلا هوادة.
والتي لا تبدو لها نهاية في الأفق، وقد كشفت مؤسسة آسيا عن استطلاع أجرته أفاد بأن الشعب الأفغاني يشعر بالتشاؤم حيال مستقبله. هناك مساحات كبيرة من البلاد تقع تحت سيطرة «طالبان»، كما أن السفر عبر الطرق البرية يعتبر مخاطرة بالأرواح. وفي العاصمة أصبحت عمليات الخطف والهجمات الانتحارية مسألة شبه يومية.
هذه القناعة تدعم موقف الرئيس حامد كرزاي المؤيد بقوة للمصالحة، مستندا إلى أصوله البشتونية للتأثير على مجلس القبائل «اللويا جريغا» لدعم حوار باركه زعماء القبائل .
دوليا أعلن القائد البريطاني السابق في أفغانستان، اللواء مارك كارلتون سميث، خلال الشهر الماضي أنه لا يمكن تحقيق نصر عسكري في الحرب الدائرة في أفغانستان، كما اقترح عقد مصالحة لأنها السبيل الوحيد لإحلال السلام.
وقد انتقد القائد الأميركي لقوات الناتو في أفغانستان، وهو الجنرال دافيد ماكيرنان، ذلك التصريح، معتبرا إياه أكثر المواقف انهزامية. وقد قلل المتحدث باسم «طالبان» من شأن فكرة مباحثات السلام، على الرغم من إجراء اتصالات في الشهر الماضي في المملكة العربية السعودية بين ممثلي الحكومة الأفغانية وعدد من قادة «طالبان» السابقين ممن على صلة وثيقة بالحركة.
كما برزت قناعة باتت راسخة بان حركة «طالبان» تشهد في بنيانها الحالي جدلا فكريا وعقائديا بين متشددين يرون في دعم تنظيم «القاعدة» واجبا دينيا ونصرة لما يصفونهم بالمجاهدين، وبين الجيل الأصغر داخل «طالبان» من الأفغان الذين لا يعتنقون فكرة الجهاد الديني ضد الغرب «الصليبي».
فالمتشددون يعتبرون بأنه لا يمكن الفصل بين «القاعدة» و«طالبان» التي لم تتخل عن أسامة بن لادن، تحت أقوى الضغوط الممكنة. فلماذا تنفصل عن «القاعدة» الآن، وهو ما يمنح فريقا في الحكومة الأفغانية مبررا قويا لرفض فكرة الحوار من أساسها، بل ويذهب البعض إلى الرفض المطلق للجلوس مع بعض القيادات المتشددة.
إلا أن هذه التباينات في المواقف تصب في اتجاهات دعم الحوار الذي بات مطلوبا في ظل تغير المعطيات السياسية، وخارطة التحالفات في البلاد، إلا أن الموقف الإيراني المتشدد والذي لم يكن مفاجئا في رفض الحوار استنادا إلى تجربة إيرانية سيئة مع طالبان السنية، من شانه أن يدفع وبقوة الاتجاه السني في أفغانستان لتسريع هذا الحوار.
في ظل مخاطر إيرانية باتت واضحة من خلال تسرب إيران وبقوة إلى العمق الأفغاني بدعوى مساندة الأقلية الشيعية خاصة في غرب البلاد، وهو ما يشكل ضغطا على الحكومة الأفغانية لأنه يمنح كل من الملا عمر وقلب الدين حكمتيار مبررات إضافية لمواصلة القتال.
وإن كانت المؤشرات المتوفرة لدى الحكومة الأفغانية وقوات التحالف لا تجد دليلا قويا على قدرة الملا عمر وحكمتيار على التحكم في كافة الفصائل ميدانيا، نظرا لتشعب المشهد ودخول مليشيات جديدة من تجار المخدرات ومهربي الأسلحة على الخط. وعلى الرغم من عدم وجود شك في التفوق العسكري لحلف شمال الأطلسي على «طالبان».
إلا أن بعض المراقبين يعتقدون أن المقاتلين سيسعون إلى تقوية مركزهم في المفاوضات، وذلك بتحقيق أعلى قدر من الانتصارات التي يمكنهم إحرازها الآن بضربات موجعة تستهدف المدنيين والمصالح الحكومية، والتي بلغت ذروتها في تفجير مبنى وزارة الإعلام في قلب العاصمة كابل، فيما يرى مسؤولون عسكريون غربيون إن مثل هذه الأحداث لا تزيد عن كونها تظاهراً بالشجاعة.
تخفي اعترافا في أعماق «طالبان» بأنه من المستحيل لهم التغلب عسكريا على أكثر من 000 .65 جندي من قوات التحالف، والذين من المقرر أن يزيد عددهم في الشهور المقبلة، وهو ما عبر عنه العميد الكندي ريتشارد بلانشيت، المتحدث الرسمي باسم قوة المساعدة الأمنية الدولية في حلف الناتو بالقول: «نحن أقوياء جدا عسكريا، والعدو يعرف هذا».
ميدانيا أيضا أقدم بعض عناصر الحركة على إعدام أكثر من من عشرين رجلا خارج إحدى الحافلات، وخرجت قريتهم في مظاهرات عامة، وهتف أكثر من 000 .1 شخص: «الموت لطالبان!» وهي الوحشية التي ارتبطت بحركة «طالبان»، والتي بدت واضحة في حالة التذمر في عدد من المناطق من بينها إقليم هلمند في الجنوب الذي أشارت التقارير إلى إقدام عناصر «طالبان» على اقتلاع عين مزارع أمام زوجته وأبنائه السبع.
على ما يبدو لاشتباههم في أنه يساعد الحكومة أو القوات الغربية». وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس صرح علنا أن الوصول إلى تسوية متفاوض عليها ممكن، إن لم يكن حتميا وقال غيتس، أمام وزراء دفاع الناتو في بودابست في المجر الشهر الماضي «يجب أن نصل في النهاية.
وأؤكد على «النهاية»، إلى مصالحة تكون جزءا من النتائج السياسية المترتبة على ذلك. فهذه في الأساس هي إستراتيجية الخروج لنا جميعا». واشترطت وزارة الدفاع الأميركية ألا يكون زعيم «طالبان» الملا عمر طرفا في جهود المصالحة الأفغانية رغم تجدد الاهتمام بإجراء محادثات مع أعضاء في الحركة الإسلامية، وجاء هذا الرفض على لسان السكرتير الصحفي للبنتاجون جيف موريل الذي قال: «لا نعتقد كحكومة أن الملا عمر شخص يمكن التصالح معه».
واضاف موريل للصحفيين أن «ايدي الملا عمر ملطخة بدماء آلاف الأميركيين بالنظر إلى الدعم الذي قدمه لأسامة بن لادن». وهذا القول يتباين مع دعوة من الرئيس الأفغاني حامد كرزاي أطلقها الشهر الماضي مناشدا الملا عمر العودة إلى الديار والعمل من اجل السلام.
وايا تكن الحسابات الحكومية لكابل والتي قد لا تتطابق مع حسابات الإدارة الأمريكية أو الجوار الإقليمي لأفغانستان، فإن تغييرا كبيرا بات حاصلا وهو القبول بإمكانية الجلوس مع حركة مطرودة بالقوة الدولية من نظام قدته بالحديد والنار وغذته بالنصوص الدينية في سياق تحولات خطيرة باتت تعصف بالمنطقة.
وهو ما يجعل أطرافا عدة ترحب بعودة طالبان في ثوب مدني وتلبس اللبوس الرسمي، بدلا عن التحرك بحرية دون رقيب أو حسيب في الجبال، فباكستان الجارة التي وقفت وراء نشأة هذه الحركة وتطورها منذ التسعينيات، تجد نفسها اليوم في حاجة ملحة إلى تحقيق استقرار في أفغانستان.
لتبريد الجبهة الساخنة في وزيرستان، والتي بدت فيها «طالبان» الباكستانية تسير على خطى «طالبان» الأم، وفي صورة تحقق هذه المصالحة داخل الأراضي الأفغانية، فإن الحكومة الباكستانية ستجد مجالا واسعا لتهدئة الأوضاع وسد الذرائع أما القبائل البشتونية المتحالفة والداعمة لـ «طالبان» بغياب مبررات الحرب.
أما الإدارة الأميركية الجديدة فإن الحوار سيفتح أمامها الطريق أمام استكمال بناء مؤسسات الدولة الأفغانية والشروع في استكمال مسلسل الإعمار الذي توقف رغم استعداد المانحين في مؤتمر باريس التدخل وبقوة وبالمليارات لإعادة بناء البلد بالكامل إقليميا.
ستتضح الصورة بفصل «القاعدة» عن «طالبان» وبالتالي ستتخذ الحرب على الإرهاب مسارا جديدا يتركز في مطاردة مقاتلي القاعدة بعد قطع طرق الإمداد عنهم وهو ما سيجعلهم مكشوفين أمام قوات التحالف والقوات الحكومية الأفغانية، إقليميا أيضا تحتاج المنطقة إلى أفغانستان مستقرة وآمنة.
تأشيرة زيارة
الحوار المشروط
بعد تسع من السنوات العجاف، اتجهت الحكومة الأفغانية ومباشرة بلا مقدمات إلى الحوار مع حركة «طالبان»، وجاء الطلب الأفغاني الرسمي من المملكة العربية السعودية وأطراف أخرى لرعاية حوار بات السبيل الوحيد للخروج من دوامة العنف التي تعصف بالبلاد منذ نحو نصف قرن رغم تعاقب الحكومات والأنظمة وتعددها من ملكية وشيوعية وفوضوية وإسلامية وديمقراطية، فالحل في بلاد الأفغان لا يكون إلا أفغانيا وإن طالت رحلة اقتتال الإخوة الأعداء.
رحلة متشعبة ومتشبعة بالدم الأفغاني، في أفغانستان المستعصية على القادم من بعيد، وإن تغيرت مسمياته واتجاهاته، شرقية كانت أو غربية، وأفغانستان الجديدة التي تتململ حكومتها اليوم رغم الدعم الدولي الذي تحظى به.
تدرك جيدا أن لا سبيل لوقف حمام الدم الذي ارتفعت وتيرته في الآونة الأخيرة سوى حوار مع جانب من الأفغان لم تفلح محاولات قتاله وإقصائه من تغييب صورته عن المشهد الأفغاني، فحركة «طالبان» التي تمكنت في سنوات قليلة من نشأتها من السيطرة على نحو ثمانين بالمئة من البلاد الموجوعة لتقيم نظاما قيل الكثير حول أساليب إدارته للحكم، ولم يسلم من الانتقادات القاسية لممارساته التي طالت البلاد والعباد.
لا أحد اليوم يستطيع الدفاع عن خيار قيادتها السابقة في إيواء ورعاية تنظيم «القاعدة» وزعيمه أسامة بن لادن، الذي كان بمثابة الشوكة في الجرح الأفغاني، وكان مع تنظيمه محور محاولات مفاوضات سابقة، وإشارات أرسلت بها عام ثمانية وتسعين مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة في إدارة الرئيس بيل كلينتون الديمقراطية.
أولبرايت حينها عرضت على «طالبان» الحوار والاعتراف الدولي مقابل تسليم أسامة بن لادن حيا أو ميتاً، وسعت الإدارة الأميركية في أوج أزمة تماثيل «بوذا» في ابريل عام 2001 إلى القبول بزيارة وفد حكومي ثقافي من «طالبان» إلى نيويورك للإطلاع على المعالم الثقافية في أميركيا. ليس هذا فحسب، فإشارات الحوار كانت مباشرة وواضحة في أكثر من مناسبة، وعبر سفير «طالبان» السابق في باكستان عبد السلام ضعيف، إلا أن تسارع وتيرة الأحداث وبلوغها خط اللا رجعة في سبتمبر 2001.
وضعت إدارة الرئيس بوش الجمهورية أمام خيار واحد، وهو اقتلاع هذا النظام من جذوره أو على الأقل هذا ما كان معلنا، وبدا أنه لم يتحقق إلى اليوم، بعد سنوات من وجود القوات الأميركية وقوات التحالف في أفغانستان، ورحلة شاقة في تعقب فلول «القاعدة» التي انتشرت في الأرض بعد أن وجدت في بؤر إقليمية أخرى أسباب الحياة، وبدت «طالبان»، الحكومة المطاحة والقيادة المطاردة، سببا للتوتر الذي لم يتوقف عند الحدود الأفغانية، بل تمدد نحو الجارة باكستان التي باتت لها «طالبانها».
اليوم تدرك جميع الأطراف بما فيها الولايات المتحدة الأميركية التي ستستقبل إدارة ديمقراطية لها سابقة في رغبة الحوار مع طالبان أن الجلوس مع المعتدلين في الحركة أمر ممكن، كما يدرك جانب كبير من الجيل الطالباني الجديد أن طريق الإرهاب بات مسدودا، وأن قراءة جديدة في أدبيات الحركة التي تقوم على النص الديني المعزول عن الواقع أمر لا مفر منه.
محمد الهادي الحناشي


