يرى الكثير من خبراء الإستراتيجية العالمية أن حروب الأسلحة في طريقها للانقراض، وأن الحروب الآتية في العالم ستكون حروب معلومات، وحتى منها الحروب العالمية.

كما يرون أن حرب المعلومات ربما تكون أكثر قسوة وضراوة من الحروب التي عرفناها على مر التاريخ، وأن حرب المعلومات ممكن أن تؤدي إلى انهيار دول وتغيير أنظمة حاكمة وتغيير سياسات الدول داخليا وخارجيا. وأسوأ ما في حروب المعلومات أنها لا تخضع لأي قوانين أو اتفاقيات دولية كالتي خضعت لها حروب الأسلحة والجيوش في وقت السلم والحرب، كما أن جرائم حروب المعلومات ستكون أكثر ضراوة وخطورة لأنها ستنصب في الغالب على هوية وثقافات وقيم وثوابت وتقاليد الشعوب، الأمر الذي يحتاج لعقود وأجيال وتضحيات وجهود كبيرة لإعادة إصلاحه إن أمكن.

الحملة على الإرهاب

لقد عاش العالم خلال العقدين الماضيين نماذج من حروب المعلومات ربما لم نشعر بضراوتها وشراستها مثل حروب الأسلحة والجيوش، على الرغم من أنها غيرت مجرى التاريخ البشري بشكل جذري، لكننا لم نكن نعلم أنها حرب دائرة بخطط وإستراتيجيات موضوعة مسبقا للتنفيذ وفق قواعد الحرب المعلوماتية، ومن أمثلتها انهيار حلف وارسو العسكري الذي كان يضم دول الكتلة الشرقية في مواجهة حلف الناتو الغربي، ومن بعده انهيار الاتحاد السوفييتي الذي مازال الجدل قائما حتى الآن حول أسباب انهياره.

وأيضا انهيار سور برلين، هذه الأحداث التي غيرت الجغرافيا والتاريخ البشري هي في الأساس نماذج من حروب المعلومات، علما بأن أسلحة هذه الحرب الحديثة وأدواتها تطورت خلال العقدين الماضيين تطورا يعجز العقل البشري عن تصوره واستيعابه مع التطور المبهر لتقنية المعلومات.

ربما نلاحظ استخدام أساليب حرب المعلومات الحديثة في الحملة الأميركية على الإرهاب الدولي.. هذه الحملة التي استخدمت فيها أحدث أدوات حرب المعلومات في الهجوم على الدين الإسلامي وتشويهه وتصويره على أنه دين التطرف والإرهاب، وقد غطت الحملة الكرة الأرضية كلها حتى بات مقتل أكثر من مليون عراقي وتهجير أكثر من خمسة ملايين آخرين وعشرات الآلاف من القتلى والجرحى في أفغانستان لا يحرك ساكنا في مختلف أنحاء العالم، وكأن هؤلاء المسلمين ليسوا بشرا ولا يستحقون الحياة ولا تشملهم حقوق الإنسان الدولية.

إنها حرب المعلومات التي أقرها الكونغرس الأميركي عام 1997 ضمن تقريره المطول الذي تناول أهمية وسائل الإعلام والفضائيات وشبكة الإنترنت كسلاح أقوى بكثير من الأسلحة النارية الحديثة.

أجهزة الحرب الحديثة

حرب المعلومات شنتها الولايات المتحدة باعتبارها الدولة التي تفوقت على العالم كله في تقنية المعلومات الحديثة، ولديها أجهزة مخصصة لإدارة هذه الحرب، ومن أشهر هذه الأجهزة في واشنطن جهاز يسمى «المجمع المدني»، وهو المجمع الذي صرح الرئيس الأميركي بوش أثناء زيارته لجمهورية جورجيا في يونيو عام 2005 بأنه مسؤول عن نشر الديمقراطية الأميركية في مختلف أنحاء العالم.

واعترف بوش في كلمته أمام الشعب الجورجي في العاصمة تبليسي بأن الرئيس الجورجي ميخائيل سكاشفيلي تعلم في أحد معاهد هذا المجمع المدني، وهو المعهد الوطني الجمهوري الذي يقوم ؟ باعتراف بوش ؟ بإعداد القادة الديمقراطيين الذين سيحلون محل الأنظمة الديكتاتورية في وسط اسيا والقوقاز والشرق الأوسط.

وأشار بوش إلى الثورات الملونة التي اندلعت في عدة دول مثل«الثورة الوردية» في جورجيا 2003 و« الثورة البرتقالية» في أوكرانيا 2004، و« ثورة السوسن » في قيرغيزيا 2005، واعترف بوش أثناء زيارته لجورجيا بأنها من تدبير المجمع المدني الأميركي.

إلى جانب المجمع المدني انشئت مؤسسة أخرى في واشنطن تحت اسم «مؤسسة رد الفعل السريع». وينتشر نشاط هذه المؤسسة في العديد من دول العالم من خلال منظمات وجمعيات غير حكومية وشخصيات بارزة في مختلف المجالات الحياتية في المجتمعات يتم استقطابهم من قبل السفارات الأميركية والمعاهد والجامعات والمؤسسات الأميركية.

وتشير صحيفة «فريميا نوفوستي»الروسية إلى أن رموز اليمين المحافظ أمثال ديك تشيني ورامسفيلد وكوندوليزا رايس وغيرهم لهم مناصب محددة في هذه المؤسسة وفي المجمع المدني، وأن زوجة نائب الرئيس ديك تشيني تتولى إدارة المعهد الجمهوري الذي يعد قادة الدول الأخرى داخل المجمع المدني وأن الوزيرة رايس مرشحة لرئاسة هذا المجمع العام القادم.

دور الإعلام

لقد استخدمت واشنطن حرب المعلومات هذه في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في التسعينات من القرن الماضي أثناء حكم الرئيس الراحل يلتسين، وكان هدفها الرئيسي تحطيم الاقتصاد الروسي وتفتيت روسيا لدويلات صغيرة، واستخدمت وسائل المعلوماتية من الفضائيات والانترنت والسينما وغيرها لتحطيم الروح والشخصية الروسية وطمس ثقافات وقيم ومبادئ المجتمع الروسي والنزعة الوطنية لديه، وأغرقت المدن الروسية بكافة المغريات الغربية الأميركية، وأغرقتها أيضا بالمخدرات التي لم يكن لها أي وجود في الحقبة السوفييتية.

وكادت هذه الحرب المعلوماتية أن تأتي ثمارها كاملة لو كان استمر حكم يلتسين سنوات قليلة أخرى، ولكن شاء القدر أن تبقى روسيا وتنهض من جديد وتدرك المخاطر التي تهددها وتواجهها بصرامة وشدة في ظل نظام الرئيس الروسي السابق بوتين.

الآن تغير تكتيك الحرب المعلوماتية ضد روسيا من الداخل إلى الخارج، حيث تشن وسائل إعلام أميركية محددة بعينها حملات هجومية وانتقاديه ضد روسيا، ومنها على سبيل المثال قناة« خخ »و مجلة «وول ستريت» الأسبوعية التي لا يصدر منها عدد واحد لا يتضمن مادة ضد روسيا في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، ويصفونها بأنها دولة غير ديمقراطية تنتهك حقوق الإنسان وذات طموحات إمبراطورية استعمارية وتستغل مصادر الطاقة لابتزاز جيرانها والدول الأخرى، وغير ذلك من الانتقادات.

إنها ليست«الحرب الباردة» كما يعتقد البعض، بل هي حرب معلومات طويلة الأجل ضد روسيا ضمن مخطط لتحطيمها وتفتيتها لدول صغيرة، وقد حذر رئيس الوزراء الروسي بوتين منها قائلا «إن روسيا تواجه حربا جديدة من نوع جديد تماما، وهي حرب صعبة وتحتاج لأسلحة من نوع اخر تماما غير المتعارف عليه، إنها حرب المعلوماتية الحديثة التي لا تقل ضراوة وخطورة عن الحربين العالميتين السابقتين».

العرب يتصدرون الضحايا

رز العرب في بؤرة الاهتمام الدولي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وأصبحوا محل اهتمام العالم كله بعد انطلاق الحملة الأميركية على الإرهاب الدولي.

ورغم أن الحملة استهدفت الإسلام والمسلمين ككل إلا أن العرب نالوا منها النصيب الأكبر، فالحملة التي بدأت في أفغانستان بعد الأحداث مباشرة كانت ربما لها ما يبررها باعتبار أن هناك موطن تنظيم القاعدة وحركة طالبان الآوية والداعمة له، بينما الحملة على العراق سقطت كل مبرراتها وأسبابها في مستنقع الأكاذيب، ومع هذا نجد الفارق كبيرا جدا بين ما حدث في أفغانستان وما حدث في العراق، على الأقل في عدد الضحايا والدمار والنهب للثروات.

وبينما تصمم قوات الاحتلال على البقاء في العراق إلى أجل طويل غير مسمى، نجدها تفكر في الخروج من أفغانستان وتسمح لطالبان بالعودة هناك لأن قوات التحالف الأجنبي غير قادرة على مواجهتها.

لقد أوهمونا نحن العرب بأننا خطر على أنفسنا أكثر من أعدائنا، وأن كل ما يهددنا موجود داخل مجتمعاتنا وعقولنا وثقافتنا ولا ذنب لأي أجنبي فيه، واستخدموا معنا أحدث أساليب الحرب الحديثة، حرب المعلومات، فبتنا لا نعرف من العدو ومن الصديق، وأصبحت مشاكلنا ونزاعاتنا وحروبنا كلها بيننا أنفسنا مع بعضنا، وانقسمنا شيعا ومذاهب وطوائف وفرقا وفصائل متناحرة ومتقاتلة، وأصابنا الشك في ديننا ومعتقداتنا.

وأصبحنا نهدم ثوابتنا بأيدينا، وأصبح التفكير أو الحديث عن وحدة عربية دربا من التخلف والجهل والرجعية، وبات الحديث حول القومية العربية مدعاة للسخرية والتهكم الشديد، وأصبحنا لا نعرف من تاريخنا إلا الهزائم والفشل والفضائح المشينة، وكأننا أمة لم تر في تاريخها انتصارات ولم تحقق أية إنجازات.

وأصبح أعداؤنا الصهاينة مجرد«آخر» يجب التحاور معه والسماع لرأيه والسعي للتطبيع معه، وبينما العالم كله يهرب من واشنطن وكوارثها وأزماتها، حتى حلفاؤها الأوروبيون، نهرول نحن العرب نحوها نلتمس منها الرضا والسعي لتحقيق السلام على أراضينا وتصفية خلافاتنا مع بعضنا.

لقد رفعوا لنا نحن العرب كارت أحمر لم يرفعوه لغيرنا في العالم كله، إنه كارت «نظرية المؤامرة».. هذه النظرية التي لا يعرفها أحد غيرنا في العالم، وذلك لأنهم أغرقونا بالأكاذيب والخدع والمؤامرات ولا يريدون لنا أن نعمل عقولنا ونتشكك فيما يحدث، وإذا انتابك شيء من الشك اتهمت بأنك من أنصار فكر المؤامرة.

إنها «حرب المعلومات»الموجهة نحو العرب منذ أعوام، والتي تستخدم فيها أحدث تقنيات المعلومات ووسائل الإعلام، وخاصة الفضائيات وشبكة الانترنت، وأيضا مؤسسات المجتمع المدني التي تعمل لحساب أعداء العرب، وإذا كنا من قبل نشتري أحدث الأسلحة لنخوض الحروب ضد أعدائنا، فمن أين لنا الآن بأسلحة هذه الحرب الحديثة التي لا تشترى.

د. مغازي البدراوي

elmoghazy@hotmail.com