قوبل قرار الرئيس السوداني المشير عمر البشير بوقف إطلاق النار في دارفور بارتياح بالغ في الأوساط الرسمية والشعبية في العالم العربي والقارة الإفريقية حيث اعتبره الكثيرون قراراً مسؤولاً يساهم في إخماد نار الحرب، كما طالب خبراء وسياسيون الحركات المسلحة بالاستجابة لنداء العقل وتفويت الفرصة على الجهات الخارجية التي تستهدف بلادهم بالوصول إلى حل سوداني سوداني، فيما اعتبرته الحركات المسلحة في دارفور «خداعاً سياسياً»، ومحاولة للكسب السياسي ليتناسى المجتمع الدولي ملف محكمة الجنايات الدولية وأعلنت تلك الحركات رفضها للقرار.
ورغم رؤية الطرفين حول القرار إلا أن اغلب المحللين منذ بداية أزمة دارفور أكدوا أن أهم المعضلات في هذه القضية هي عدم وجود أي أرضية من الثقة بين الطرفين، خاصة أن الحكومة السودانية أصرت في بداية الأزمة على حلها عسكرياً من دون الالتفات إلى أراء أخرى من قيادات المنطقة بأن الحل العسكري قد يعقد المشكلة، ويدفع بالمتمردين للبحث عن السلاح وهو متاح جدا في هذه المناطق من خلال الأوضاع التي خلفتها الحروب التشادية التشادية عبر سنوات طويلة. غير أن الحكومة بعد تصعيد المشكلة وتدويلها بدأت مرحلة جديدة من محاولات الاستقطاب وتقسيم الحركات بوسائل عديدة لإضعافها مما كان لذلك أثر سلبي على مستقبل القضية، حيث بلغت أعداد الحركات تزيد على الأربعين حركة مسلحة يصعب جمعهم في مائدة واحدة للحوار.
كل ذلك أدى إلى رواسب عميقة أدت إلى عدم الثقة في الحكومة مطلقا، فضلا عن استخدام الحكومة لمليشيات تابعة لها للقيام بالعمليات نيابة عنها عند كل قرار بوقف إطلاق النار. كل هذه التداعيات ومن بينها رهن العديد من الحركات قرارها لجهات أجنبية، جعلت قرار وقف إطلاق النار من جانب الحكومة هشا لعدم الثقة المتبادلة بينهم. ويبقى الترقب هو سيد الموقف حيال قرار الرئيس البشير وقف إطلاق النار فوراً في دارفور. ويقول في هذا الشأن نائب رئيس البعثة الدبلوماسية بفي سفارة السودان لدى القاهرة السفير إدريس سليمان إن قرار وقف إطلاق النار في دارفور «قرار جاد، ويجيء على رأس التوصيات المتعلقة بحل مشكلة دارفور ضمن مجموعة التوصيات التي تمت مناقشتها في مبادرة أهل السودان التي أطلقها البشير مؤخراً لتوحيد الصف الداخلي السوداني».
ويضيف سليمان أن زيارة الرئيس المصري حسني مبارك أخيراً إلى السودان كان لها دور كبير في ذلك حيث تناقش الرئيسان مبارك والبشير حول السلام والاستقرار في دارفور والوحدة في السودان.
ولكن سليمان ينفي أن يكون لهذا القرار أي علاقة بقرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف البشير كما حاولت بعض قيادات التمرد أن تشيع ذلك أو أن القرار جاء من أجل الحشد السياسي لكي يغض الرأي العام النظر حول قرار المحكمة. وأكد على أن الحكومة السودانية لم تطالب بتأجيل القرار لمدة عام كما اقترح الصادق المهدي رئيس حزب الأمة بل طالبت بشطبه نهائياً لأن المحكمة الجنائية ليست لديها ولاية على السودان.
غموض الرؤية
من جانبها، رأت الخبيرة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية د. أماني الطويل أن الموقف المتشدد للحركات المسلحة في دارفور وعدم رغبتها في التواصل مع الجهود السلمية التي تطرحا الحكومة السودانية لتسوية الأزمة يرجع إلى عدم وضوح رؤية الإدارة الأميركية الجديدة لملف السودان.
وتوقعت الطويل عدم تجاوب الحركات المسلحة حتى تحدد الولايات المتحدة الأميركية سياستها في المنطقة وحجم الدعم الذي يمكن أن تقدمه.
وترى أن الغريب في الأمر أنه في نفس الوقت الذي رفضت فيه حركة العدل والمساواة قرار البشير بوقف إطلاق النار أرسلت الحركة وفدا إلى الدوحة للتباحث حول الوصول لحل سلمي تحت سقف المبادرة القطرية التي نتوقع على ضوئها أن يتم فتح قنوات اتصال ممتدة مع الإدارة الأميركية حول هذه التسوية، رغم أنه من المعلوم أن توصيات مبادرة أهل السودان ستكون الورقة الرئيسية للتفاوض. وأكدت على ضرورة ألا تتوقف الجهود فقط على المبادرة القطرية والإفريقية بل تمتد لفتح باب الحوار مع الرئيس الأميركي المنتخب حول أزمة دارفور قبل أن يتولى مهمته مطلع العام المقبل.
وكشفت الطويل عن أن هناك علاقة بين زيارة مبارك الأخيرة للسودان وقرار البشير باعتبار أن الموقف المصري كان يدعم فكرة التفاعل إيجابياً مع مطالب الحركات المسلحة في ما يتعلق بإقليم دارفور، بالإضافة لفتح الباب لوجود صندوق فردي لتعويض المتضررين من الحرب بدارفور، وفتح أفق الحوار والتسوية السلمية، كما أن الموقف المصري الاستراتيجي يهدف إلى الحفاظ على وحدة السودان واستقراره والحفاظ على الأمن الإقليمي بما تمثله أزمة دارفور من مهددات خطيرة للأمن القومي للبلدين.
نوع من الخداع
ولكن الناطق الرسمي لحركة العدل والمساواة أحمد حسين اعتبر قرار البشير بوقف إطلاق النار فيه نوعا من الخداع، مدللاً على ذلك بأن هذه ليست المرة الأولى التي يقول فيها البشير إنه سيوقف إطلاق النار في دارفور فقد قال ذلك في أكتوبر الماضي، وفي اليوم الثاني قام بضرب المعسكرات في دارفور.
وأضاف أن البشير قال «سأوقف إطلاق النار دون شروط» وفي نفس الوقت وضع ثلاثة شروط أولها تحديد مواقع القوات، والثاني إيجاد جسم قادر على المراقبة، أما الثالث فهو إحلال شرطة محل الجيش هناك.
وفي نفس سياق النقد لهذه المبادرة، أكد الناطق الرسمي باسم حركة العدل والمساواة رفض حركته لقرار البشير واعتباره مجرد كسب سياسي ليتناسى الرأي العام قرار المحكمة الجنائية بتوقيف البشير.
وقال الناطق إن حركة العدل والمساواة لن تقبل أي قرار إلا بعد جلسة مفاوضات بين الحكومة والحركة في ظل تواجد وساطة مشتركة كطرف ثالث لهذه المفاوضات لحل أزمة دارفور.. وهو ما ينبئ بطول طريق حل قضية دارفور.
عيون
مبادرة تحتاج التزاماً ومثابرة
شهد السودان الأسبوع الماضي تطورات متسارعة أعادته إلى دائرة الاهتمام وركزت عليه الأضواء، ولكن أهمها كان قرار الرئيس عمر البشير الامر بوقف فوري لإطلاق النار في إقليم دارفور.
هي ليست المرة الأولى، ولكن ربما تكون الأولى في أهميتها. فهذه المرة لا بد من الالتزام.. حيث الكل، عرب وغرب يراقبون.. ومدعي المحكمة الجنائية لويس مورينو أوكامبو يتربص.
القرار، إذن، كان إشارة من الخرطوم إلى الصفقة التي جرى عليها التفاوض خلال الشهور الأربعة الماضية: فرض الهدوء في دارفور مقابل تجميد اتهامات أوكامبو. وقبل ذلك، كان إعلان الخرطوم أنها ستحيل علي قشيب زعيم إحدى الميليشيات المسلحة في دارفور إلى المحاكمة.
نحن لسنا مع الاعتداء على سيادة السودان، ولكننا لسنا مع الجرائم التي ترتكب في ذلك الإقليم حتى لو كانت هناك مبررات.. والأهم أن ما يجري في دارفور يعطي مبررات لقوى راغبة في فرض الهيمنة على القرار والمقدرات السودانية.
السلطات السودانية اتخذت أكثر من خطوة لملاقاة المطالب الدولية، لكن ما يثير الشبهات هو تكاثر المطالب والضغوطات على الخرطوم، فبعد كل خطوة تضع الجهات الغربية مطالب جديدة تعطي التأكيد وراء التأكيد على أن الهدف ابعد من سلام في دارفور. ومع ذلك، لا يبدو من سبيل أمام السودان سوى المضي قدما في الحل السياسي في موازاة استكمال اتفاقية السلام في الجنوب حتى لا يغلق صندوق دارفور ويفتح عليه أبواب جحيم التفتت وتحول السودان إلى سودانين.
وأمام هذه الاستحقاقات الملحة، يبدو السودان مضطراً لأن يكون مبادراً، وألا تكون قراراته ردات فعل لاتهامات وأجندات ومخططات هدفها الأوحد جر السودان إلى المزيد من المزالق.
والتحدي الأهم أمام السلطات السودانية ليس إجبار الأطراف المتصارعة على وقف إطلاق النار بل هو نزع سلاح الميليشيات على لا تعود دوامة العنف.. في موازاة تعزيز التنمية التي يخلق غيابها العنف والتمرد.. هذا هو التحدي، وهنا يكون الانجاز، عبر قطع الطريق على محاولات الاستفراد بالسودان ووضع اليد على ثرواته، وعلى سيادته واستقلاله.
المطلوب التعاون حتى تنأى الحكومة بنفسها عن تهم الخداع والتسويف التي يطعنها بها خصومها ومساندو خصومها، والخطوة الأولى هي تمكين قوة حفظ السلام المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي تأمين منطقة دارفور فالمطلوب هو الأمن، ومن مجريات السنوات الخمس الماضية بات جلياً أن الثقة باتت مفقودة بين الدارفوريين وقوات السلطة.
نضال حمدان


