مع اختتام أعمال مؤتمر حوار الأديان التي تواصلت في نيويورك على مدى يومي الأربعاء والخميس الماضيين، ربما تكون فكرة الحوار على هذا المستوى - الديني - قد اكتسبت قدرا من الزخم على طريق تبنى المجتمع الدولي لهذه القضية بما يعزز تحولها إلى إحدى القضايا الأساسية على أجندة المجتمع الدولي ممثلا في الأمم المتحدة التي عقد المؤتمر في إطارها.

ورغم أنه قد يكون من السابق لأوانه محاولة استخلاص الدروس المستفادة من المؤتمر، في ضوء عدم تكشف كل الجوانب المتعلقة بما توصل إليه، باستثناء ما جرى خلال، إلا أنه يمكن الإشارة إلى أن المؤتمر على النحو الذي عقد به يثير الكثير من التساؤلات على نحو يتجاوز ما كان ينتظر منه أن يقدمه من إجابات بشأن العديد من القضايا الملحة التي كان من المفترض أن تمثل مجالا للتناول والتداول خلال أعماله. الملاحظة الأساسية على مجريات أعمال المؤتمر يمكن تلخيصها بأنها تمثلت في أنه كان ساحة للحوار حول كل شيء، باستثناء القضية التي من المفترض أنها تمثل موضوعه الرئيسي وهي الأديان، والتي لم يتم التطرق إليها بشكل مباشر وعلى النحو المتوقع، بما يفرض السؤال عن دلالة الاسم الذي اختير للمؤتمر. ومن هنا قد يكون الاسم الذي أشارت الأنباء إلى تفضيل الأمم المتحدة له هو الأكثر صحة وهو«ثقافة السلام» وليس «تعزيز الحوار والتفاهم بين الأديان والثقافات من أجل السلام». ولعله مما يؤكد ذلك حديث رئيس الجمعية العامة ميغويل دي ايسكوتو بروكما لدى افتتاحه أعمال المؤتمر، من أن الاجتماع ليس تجمعا للحديث عن الدين وإنما هو منبر «للتعهد بأن نضع أنفسنا وقدراتنا الأخلاقية في خدمة أهداف منظمة الأمم المتحدة».

أجندات متقاطعة... من العنوان إلى المضمون، نشير إلى أن المؤتمر جاء على خلفية أجندات مختلفة ومتقاطعة تعكس رؤية كل دولة أو مجموعة إقليمية للهدف من المشاركة فيه، وهو ما جعله أشبه بمناسبة للعلاقات العامة أو تجمع دبلوماسي اجتماعي حسب توصيف بان كي مون، وهو ما تحول معه المؤتمر إلى فرصة للتلاقي والخوض في قضايا مختلفة تعكس الاهتمامات العامة للأطراف المشاركة فيه. وبعيدا عن الجدل حول تكلفته المعنوية والمبدئية المتمثلة في شبهة التطبيع التي أثارها البعض، يمثل نجاحا للدبلوماسية السعودية خاصة لجهة المشاركة المكثفة والحاشدة من قبل زعماء ورؤساء حكومات عدد كبير من دول العالم، على النحو الذي يعزز مسعى المملكة لتقديم ما نراه خطاب ديني رسمي جديد ومعتدل يتوافق مع الرؤية الغربية، ويقوض الصور النمطية التي تم رسمها عن السعودية في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، نظرا لكون عدد من خاطفي الطائرات من السعوديين.

فمن خلال المؤتمر، ومن خلال مجموعة من السياسات على الصعيد الداخلي والخارجي كذلك، تعززت صورة العاهل السعودي كإصلاحي يملك رؤية انفتاحية تجاه الأخر خاصة إزاء تعدد المبادرات التي قدمها في هذا الصدد. وهنا نشير إلى أن المؤتمر يعد الثالث في إطار سلسلة مؤتمرات دولية للحوار بين الأديان أطلقت بمبادرة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبدالعزيز.

وعقد الأول في مكة المكرمة والثاني في مدريد، فيما عقد الثالث، الذي نتناول أعماله بالتعليق، في إطار الأمم المتحدة والتي تمثل أعلى منصة دولية لتناول القضايا العالمية. ولا شك أن تناول الموضوع من خلالها يكسبه، كما أشرنا، زخما يرتقي به إلى مصاف القضايا الحيوية بغض النظر هنا عن النتائج النهائية من أعمال المؤتمر.

برنامج عربي لحوار الأديان

يمكن القول إن المشاركين العرب هم الوحيدون الذين تطرقوا إلى موضوع المؤتمر حسب أجندته الرئيسية، وهو ما انعكس من خلال نصوص الكلمات العربية التي ألقيت، فيما يمكن اعتباره برنامج عمل مبدئيا للحوار بين الأديان.

الأمر الذي أشارت إليه كلمة الكويت التي ركزت على تحويل ثقافة الكره إلى حوار وتعايش، وتعهد عالمي باحترام الأديان وعدم التعرض أو التهجم على رموز تلك الأديان، وكذلك في كلمة الإمارات التي أكدت على ضرورة التوصل إلى خطة عمل محددة قابلة للتنفيذ تساهم في التقارب بين الأديان والحضارات ونشر ثقافة وتطبيقات السلام ما بين الشعوب والدول. وقد يمثل تبني هذه الرؤية التي عكستها المواقف العربية بداية لحوار حقيقي بين الأديان.

أما على الصعيد الإسرائيلي، فيمكن القول إن مشاركة تل أبيب أفسدت أعمال المؤتمر وصرفته عن هدفه الرئيسي. صحيح أن تلك المشاركة جاءت في إطار اجتماعات تشرف عليها الأمم المتحدة ويصعب على الطرف العربي استبعاد طرف أو آخر منها، إلا أن تل أبيب بفعل جهود «الثعلب الماكر» الرئيس شيمون بيريز قفزت بالمؤتمر خطوة إلى الأمام على طريق الإيحاء بوجود خطوات للتطبيع مع العرب.

وللأسف فقد عمل بيريز على استغلال أجواء المؤتمر لتحقيق هذا الهدف حتى أنه راح يزايد على المبادرة العربية للسلام التي قدمها الملك عبد الله، واصفا إياها بعبارات إطراء لا تعبر عن حقيقة الموقف الإسرائيلي، ما دعا البعض في معرض التعليق على كلمة بيريز إلى القول إنها تعكس كلمات رمزية في ضوء أنها لا تعني شيئا لعملية السلام في الشرق الأوسط، ما لم يتم الإعلان عن قبولها صراحة ومن دون تحفظات.

وكان من قبيل تجاوز القواعد البروتوكولية في هذا الصدد، توجيه بيريز حديثه إلى الملك عبد الله مباشرة خلال إلقاء كلمته على نحو يكشف مسعى إسرائيل الحميم للترويج لفكرة الحوار المباشر مع العرب.

تساؤلات عن أداء كي مون

ولعله مما زاد من حجم اللغط حول هذا الجانب، أداء الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وهو الأداء الذي يثير التساؤلات بشأن طبيعة دوره وفهمه للهدف الحقيقي من المؤتمر. وهنا فإنه من الأمور التي تبدو مثيرة للدهشة والحيرة عدم تواني بان كي مون عن الإعلان وبلغة صريحة عن تصوره أن الاجتماعات توفر فرصة نادرة للقادة العرب والإسرائيليين لكي يجتمعوا. وعزز كي مون هذا التصور الموحي بالمنحى التطبيعي بالإعراب عن أمله أن يساعد الاجتماع في خلق بيئة تشجع على معالجة القضايا السياسية.

وكان لتصريحات الأمين العام للأمم المتحدة المتعلقة ببروتوكول العشاء، واللبس الذي أثاره عن احتمال جلوس الملك عبد الله على الطاولة ذاتها مع بيريز، دورا في إثارة المزيد من اللغط حول الجانب التطبيعي في المؤتمر، ما استدعى توضيحا سعوديا يؤكد أن المؤتمر لن يكون بحال من الأحوال مجالا للتطبيع مع الإسرائيليين، فيما بدا محاولة للدبلوماسية السعودية الحفاظ على القدر من النجاح الذي حققته من المؤتمر وعدم السقوط في فخ التطبيع الذي تنصبه لها إسرائيل.

وبعيدا عن هذه الجوانب المتعلقة بسير الاجتماعات فإن السؤال هو: إلى أي مدى نجح مؤتمر حوار الأديان أو ثقافة السلام في الدفع بموضوعه قدما إلى الأمام؟

قد يمثل المسعى القائم على متابعة قضية حوار الأديان من خلال أعمال مستقبلية وتشكيل لجنة خاصة في جنيف أحد الجوانب الإيجابية التي نتجت عن المؤتمر وهو ما يعزز وضع القضية ضمن الاهتمامات الدولية. غير أن أحد المآخذ على المؤتمر عدم النفاذ إلى صلب القضايا التي تمثل جوهر حوار الأديان، باستثناء إشارات المشاركين العرب.

ووصل حجم التشوه في التعاطي مع الموضوع إلى أنه حتى لدى تطرق كي مون للقضية في حديثه فإنه راح يقدم «معاداة السامية» باعتبارها قضية تدخل في إطار الظواهر التي تكشف عن التطرف المعاصر على قضية «الإسلاموفوبيا»، رغم أن مظاهر ومعدل انتشار هذه الأخيرة يفوق الحصر، فيما تكاد مظاهر «معاداة السامية» أن تنقرض لأسباب عديدة لا مجال لتفصيلها هنا.

هجوم مضاد

وهنا نشير على سبيل المثال إلى أن الرصد الدقيق لاتجاهات البعد الديني في علاقات المسلمين مع الغرب، يكشف عن أن التفاعل السلبي المليء بالإساءة يكاد ينبع ويسير في خط واحد من الغرب إلى الشرق أو الإسلام والمسلمين بمعنى أصح. الأمر الأكثر خطورة أنه على العكس وبدلا من أن يتبنى المؤتمر قضايا تمثل مشاكل حقيقية في علاقات الأديان التي تمثلها الدول والتجمعات الإقليمية المشاركة في المؤتمر.

على شاكلة قضية الإرهاب التي ينسبها الغرب إلى العالم الإسلامي والإساءات الدينية التي ينسبها المسلمون إلى الغرب، فإنه على صعيد المناقشات الهامشية على صعيد المؤتمر، يبدو لنا وجود محاولة لصرفه عن هدفه في وجهة أخرى ليست سياسية هذه المرة، وإنما مناقشة قضايا تمثل نوع من الهجوم المضاد على العالم الإسلامي، تتعلق بصفة عامة بوضع الأقليات الدينية في العالم الإسلامي.

ومع أنه من الطبيعي إدراج هذه القضايا على مائدة حوار الأديان، إلا أنه من غير الطبيعي أن يأخذ الحوار على هذا الشكل اتجاها واحدا يصب فيما على العالم الإسلامي من حقوق دون البحث فيما له من حقوق تجاه أصحاب الديانات الأخرى، وهو منحى خطير. والأخطر أن يشهد هذا الاتجاه تصاعدا في المقبل من الأيام بفعل حوار بدأ من قبل المسلمين أنفسهم، ما يفرض وجود حالة من التيقظ وعدم التعاطي بما أشرنا إليه بحسن النوايا فقط، وإنما على أسس تستند إلى الوعي بما تفكر فيه الأطراف الأخرى.

رؤية

في كلمته التي وجهها إلى المؤتمر أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة التي وصفها بأنها ضمير العام أن الأديان ينبغي أن لا تحول إلى أسباب شقاء البشر وأن الإنسان نظير الإنسان في الخلق وشريكه على هذا الكوكب، فإما أن يعيشا في سلامة وصفاء، وإما أن ينتهيا بنيران سوء الفهم والحقد والكراهية.

وأكد أن الإرهاب والإجرام عدوا كل دين وكل حضارة وما كانا ليظهرا لولا غياب مبدأ التسامح والضياع الذي يلف حياة كثير من الشباب وكان طريقا للمخدرات والجريمة، لم ينتشر إلا بعد انهيار روابط الأسرة التي أرادها الله عز وجل ثابتة قوية. وأضاف إن حوارنا الذي سيتم بطريقة حضارية كفيل بإذن الله بإحياء المثل العليا السامية وإعادتها إلى الشعوب والأمم. وأن ذلك سوف يمثل انتصارا باهرا لأنبل ما في الإنسان على أسوأ ما فيه.

فشل

في إجاباته على أسئلة الصحافيين وفيما يتعلق بما أثير حول لقاءات عربية إسرائيلية أثار الأمين العام للأمم المتحدة قدرا كبيرا من اللبس حيث إنه رفض إبلاغ الصحافيين ما إذا كان القادة العرب سيجلسون على طاولة واحدة أم لا قائلا إنه لا يستطيع الكشف عن مسائل بروتوكولية وقال إنهم سيجلسون لتناول العشاء دون تقديم تفاصيل. واصفا الحدث بأنه إيجابي ومشجع للغاية معربا عن أمله أن يساعد هذا النوع من المشاركة والتجمع الدبلوماسي الاجتماعي في تعزيز تفهم الدين وخلق مناخ موات لحل القضايا السياسية.

وقد شارك في الاجتماع ممثلون من جميع أعضاء الأمم المتحدة وعددهم 192 دولة بينهم رؤساء الولايات المتحدة وفنلندا وباكستان ولبنان وإسرائيل ورؤساء وزراء بريطانيا وقطر والمغرب وجيبوتي كما حضر وفود أخرى ممثلة للرؤساء ورؤساء الوزارات ووزراء خارجية، ما أضفى على التجمع قدرا كبيرا من الأهمية على صعيد كثافة المشاركة.

حوار الأديان .. المفهوم ومضامينه

رغم ما قد يبدو عليه مفهوم حوار الأديان من بساطة إلا أنه يعكس في حقيقته الكثير من القضايا المعقدة والمركبة التي يجب التعاطي معها بدقة وتأن ،حتى يمكن تحقيق النتائج المرجوة حال الانتقال بالحوار إلى أرض الواقع. وعلى هذا فإن من الجوانب الأساسية التي يجب تحديدها في هذا المجال ماهية الأديان التي سيقوم هذا الحوار بينها.

وهل هي الأديان السماوية أم أنه سيتم توسيع المفهوم ليشمل جميع الديانات بما في ذلك تلك التي توصف بأنها ديانات أرضية. وكذا فمن القضايا الرئيسية في الحديث عن حوار الأديان تحديد أهداف هذا الحوار وبدقة وما إذا كانت ستتطرق إلى الجوانب اللاهوتية أم لا، وهل تشمل محاولات التقريب العقائدي أم أنها تستهدف التوصل إلى مبادئ مشتركة تعكسها الأديان موضوع الحوار، من أجل مواجهة تحديات عامة تواجهها البشرية سواء على صعيد العلاقات فيما بينها أو على الصعيد الكوني.

ليس من المفترض ولم يكن من المتوقع، بالطبع، أن تكون هذه قضايا مجال الخوض فيها من قبل الزعماء والقادة السياسيين المشاركين في أعمال قمة حوار الأديان التي اختتمت أعمالها في نيويورك، غير أنها تبقى جوانب أساسية لم يكن لتغيب حتى ولو من خلال أعمال لجان تمهيدية قبل المؤتمر ليتم على أساسها صياغة الإعلان الختامي.

قد يشير البعض إلى أن هذه القمة تأتي استكمالا لمؤتمر حوار الأديان في مدريد، والذي طرحت فيه مثل هذه القضايا، غير أن مستوى هذه القمة وتحولها من نطاق لقاء فكرى على شاكلة ما جرى سواء في مكة أم مدريد إلى مستوى لقاء سياسي منوط بالمشاركين فيه اتخاذ قرارات وليس توصيات كان يقتضى مثل هذا الجانب.

ومع كل التقدير للجهود المبذولة في هذا الصدد فما نراه يعكس جوانب صراعية تستلزم حوارا للأديان، إنما يتمثل في نمط العلاقات القائمة بين الإسلام والغرب، باعتبار هذا الأخير يمثل قطاعا للدين المسيحي وليس كل قطاعاته. ولعل من أبسط الجوانب التي تشير إلى ذلك افتقاد قائمة الحضور لكثير من الممثلين للبوذية والهندوسية مثلا.

كما أن الحضور اليهودي ممثلا في شمعون بيريز وتسيبي ليفني كان حضورا سياسيا وليس دينيا ليس من منطلق التمثيل وإنما من منطلق ما جرى طرحه على النحو الذي سنشير إليه في الموضوع المنشور على هذه الصفحة. كما يمكن القول أنه لا توجد مشاكل تذكر بين الإسلام والمسيحية الأرثوذكسية الشرقية والذي تعكس روسيا بشكل رئيسي كتلته الرئيسية. قد يساعد هذا الفهم في تضييق مجال التباين ويدفع نحو حوار أديان أكثر نفعا وجدوى.

دبي ـ مصطفى عبد الرازق

mostafa1962@yahoo.com