الحيرة التي تواجه المرء في اختيار السبيل الموصل إلى عوالم محمود درويش تظل قائمة بكل التباساتها، خلال الجهد الذي يبذله القارئ الشغوف لسيرة ولمسيرة هذا الشاعر الكبير. غير أنني، إذ أزعم أنني أعرف محمود درويش منذ البدايات، حتى قبل أن تربط بيننا صداقة عميقة وحميمة على امتداد ما يقرب من أربعين عاماً، فإن محاولتي هذه ستظل محاولة ناقصة، ومع ذلك فإن لمحمود عليّ واجب الوفاء، ليس للصداقة التي ربطتنا وحسب، بل الوفاء خصوصاً للدور الذي لعبه في حياتنا الثقافية العربية، والوفاء لتراثه العبقري الذي تركه لنا.
وأول ما يبدو لي ضرورياً الوقوف عنده بين عوالم محمود درويش المشار إليها هو عالم المنفى، بالمفرد وبالجمع، وفي الواقع فإن محمود قد عاش في حياته، قبل أن يغادر الحياة في منتصف الطريق إلى نهايتها، نوعين في المنافي، استكملت بالمنفى الأخير الذي انتهت إليه وفيه حياته العامرة.
المنفى الأول
كان وطنه الأصلي، وطنه المفترض المتخيل، هو منفاه الأول. إذ ما كاد يفتح عينيه على الحياة حتى وجد نفسه، مع عائلته، ومع تاريخها وتاريخ شعبه، في وطن آخر، يحمل اسماً آخر غير الاسم المعتاد والموعود للوطن، وهما وطن واسم لا صلة لهما بتاريخ فلسطين وبالثقافة الوطنية لشعبه الفلسطيني.
وجد الفتى نفسه يحمل جنسية غير جنسيته الأصلية، وجواز سفر غير جواز سفره الأصلي، واكتشف فجأة، أنه يحمل جنسية الذين اغتصبوا أرضه وتاريخها، واغتصبوا حلمه وحلم شعبه في وطن حر وسيد ومستقل، أسوة بسائر الأوطان على وجه البسيطة، قبل الفتى صاغراً، مثلما فعل أهله.
ومثلما قبل جميع الأهل الآخرين، الذين تحول وإياهم إلى مجموعة أفراد كثيرين، من بقايا شعب بلا أرض ولا وطن، يعيشون في المنفى داخل وطنهم المستلب، ولم يكد يبلغ سن الرشد، بل حتى قبل أن يصل إلى تلك المرحلة من عمر شبابه، حتى تفجرت عنده ينابيع الإبداع الشعري، من دون أن يكون على موعد واع معها، فكانت تلك الينابيع من موهبة كامنة اختارته ليمارس بالشعر، وهو يستعد للانتقال إلى عمر الرجال، كفعل المقاومة، تأكيداً لهويته الوطنية.
أولاً، وتأكيداً لهويته الإنسانية، في الوقت عينه، وظل يكبر الرشد عنده، وهو يمارس الشعر، إلى أن صار شاعراً، في زمن قصير، مكررا بامتياز فعل من سبقوه في صورة مبكرة إلى ذرى مجدهم، لكنه حين يبلغ السابعة والعشرين من عمره، عمره الإنساني، وكان الشعر عنده قد تجاوز عمره، مدى وصدى وفعلاً، أحس إحساساً جارفاً بأن المنفى الذي يعيش فيه داخل وطنه المتخيل صار يضيق عليه أنفاسه، وبرزت عنده الحاجة الملحة إلى فضاء أوسع من فضاء ذلك القفص الذي كان يغرد مع سربه من الشعراء داخل أسواره.
فاختار، بقلق، وبوعي مضطرب، الذهاب إلى المنفى العربي، إلى الشتات الفلسطيني في عالم عربي كان يظن أن فضاءه أكثر رحابة من فضاء منفاه القسري في وطنه الأسير، لكنه سرعان ما اكتشف أنه محكوم بأن يعيش، مع شعبه، في المنافي القسرية والطوعية، من كل الأنواع. واكتشف، في الوقت ذاته، أن المساحات الجغرافية، والكثرة الكثيرة من الناس الذين يعيشون في تلك المساحات الشاسعة، لا تقدم، بالضرورة، للشاعر أفقاً أرحب، وفضاء أوسع، ومصدراً أكيداً للثقة بالمستقبل، بأنه يزداد اقتراباً من الغد الذي يضع المهاجر الدائم غصباً عنه، المسافر في الشتات، في الطريق الذي يقوده إلى وطنه الموعود، المتخيل.
قضى محمود درويش في منفاه العربي والعالمي أربعين عاماً بالتمام والكمال، ولم يكد يبلغ السابعة والستين من عمره حتى بدأ يشعر أنه بحاجة إلى منفى آخر، يحرره من منفاه الطوعي الذي عاش فيه أعوام الأربعين الماضية. ويبدو أنه كان قد بدأ يشعر أنه محكوم بالذهاب قسراً إلى منفاه الأخير. ويقول الأصدقاء الذين عاشوا معه الشهر الذي سبق ذهابه إلى العملية الجراحية في الولايات المتحدة الأميركية، أنه كان شبه واثق بأنه لن يعود إلى حيث كان وإلى حيث كان يجب أن يعود. كان قلقاً وحزيناً. وكان يمارس في علاقاته مع هؤلاء الأصدقاء فعلاً أشبه بالوداع الأخير.
لكن محمود درويش، الذي كان يحلم بالعودة إلى وطنه الموعود المتخيل، إلى دارته في مدينته حيفا، مسقط رأسه، وإلى صدر أمه الذي كان يحن إليه، شاء، بقرار شجاع، أن يزور هذا الوطن وهذه الدار بالذات، قبل أن يغادر الحياة، فيما يشبه الحدس بأن واجب الوفاء لهذا الوطن والبقاء فيه، ولو بالوعد، كان ضرورة إنسانية راقية. فذهب إلى حيفا، وألقى بعضاً من قصائده، توجها بشعاره العظيم والجميل: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». وكانت هذه الأرض التي «تستحق الحياة»، بالنسبة إليه، هي الوطن الممنوع، الوطن المستحيل، الوطن الذي يسكن في أعماق عقله ووجدانه، وفي شرايين الحياة في جسده النحيل.
هاجس دائم
عندما ذهب محمود إلى تلك العملية، وقبل أن يدخل إلى غرفة العمليات، جاءه الحدس بأنه لن يعود قط إلى وطنه، وطنه الموعود المتخيل، وأنه لن يعود إلى عالم المنافي والمنفيين، والمنفى الأصلي في وطنه المستلب، والمنفى الكبير الآخر الذي يمارس العيش فيه بصعوبة بقايا شعبه الفلسطيني في جوار شعوب شقيقة، في سجنها كبير.
وهكذا لم يفق محمود من غيبوبته ولم يعد إلى الحياة، وإلى الشعر، وإلى المقاومة. وعاد، عاد جسداً محايداً، وروحاً عظيمة، وتراثاً خالداً. عاد إلى منفاه الأخير، على تلة في قطعة من أرض فلسطين، إلى جوار صديقه الرئيس ياسر عرفات، تلة تطل بالخيال من الجهة الجنوبية الغربية على حيفا، وتطل بالخيال أيضاً من الجهة الشمالية الشرقية على القدس وعلى تاريخها العريق.
ولعل هذا الضريح الذي هو مكان إقامته الأبدية يشكل بالنسبة إليه وإلى صديقه ياسر عرفات، نوعاً من الحلم المؤجل، المؤجل إلى زمن لا يعلم شعب فلسطين إلى متى وإلى أي زمان سيكون هذا التأجيل المفترض، عالم المنفى الذي عاش فيه محمود درويش على امتداد حياته.
ودخل فيه بعد الرحيل، كان هاجسه الدائم في الكثير من قصائده، لكنه كان شديد الوضوح في التعبير عن معاناته في منافيه المتعددة في المقال الأخير الذي نشرته جريدة الحياة بعد وفاته، نقلاً عن المجلة الثقافية التي تصدر عن الجامعة الأردنية التي كانت قد نشرته في عددها الصادر في شهر أبريل من عام 2008، أي قبل أشهر قليلة من وفاته.
وأنه ليصعب عليّ إلى حدود الاستحالة تلخيص أفكار محمود في هذا المقال. لكنني مع ذلك شعرت كأن محمود أراد أن يصوّر المنفى، في شخصه وفي شخص شعبه، في نوع من التراجيديا الإنسانية على صورة ملحمة من الصراع الذي لا تبدو له نهاية بين الخير والشر، وبين العدل والظلم، وبين الحرية والعبودية، وبين التقدم والتخلف، وبين إرادة الحياة والانسياق الأعمى باتجاه الموت.
غير أن الحديث عن محمود درويش في هذه اللحظة التي نتذكره فيها بعد رحيله لا يجوز أن يختصر بهذه الإشارة الحافلة بالمعاني عن عالم المنفى الذي عاش فيه كل حياته.
فعوالمه الأخرى مليئة بالمعاني الدالة، من دون عناء، على عبقريته. ورغم أنني لست من ذوي الاختصاص إلا أنني مسكون منذ صغري بحب الشعر، ومسكون بالبحث عن الثقافة وعن المبدعين فيها، في التاريخ القديم وفي التاريخ المعاصر.
في بلداننا وفي ساحات العالم الواسعة. وأرى، في قراءتي لشعر محمود درويش أنه من أكثر الشعراء العرب المعاصرين التصاقاً بالحداثة واندماجاً بها، ومن أكثرهم أمانة للتراث، ومن أكثرهم قرباً إلى الكثرة من الناس في بلداننا العربية، من شتى المواقع ومن شتى الاتجاهات.
لذلك فإنني لا أجد حراجة في الاعتراف، بمعنى الإدلاء بشهادة والإعلان عن موقف، بأن شعره هو الأقرب إلى وجداني وعقلي وإلى مجمل أفكاري من بين كل ما أقرأ من نصوص شعرية حديثة. لكنه، إذ يتقدم بامتياز ـ من وجهة نظري كقارئ وليس كناقد ـ فإنه لا يحتل وحده، بالضرورة، مكان الصدارة من دون سواه من الكبار، ولا يحتكر هذا المكان. ففي الشعر العربي الحديث، الحديث بكل المعاني الجديدة والكبيرة ذات الصلة بالعصر وبتحولاته، نماذج وألوان رفيعة من الإبداع، تغني في تطورها تراثنا الشعري العريق في قدمه وفي تعدد مدارسه.
والموضوع هنا، بالنسبة إليّ، إنما يتعلق خصوصاً بالنص الشعري مستقلاً عن صاحبه، ولو في حدود معينة. وهي قراءة للنص تحررني، في تحديد موقفي من الشعر ومن علاقتي به، من أي موقف ايجابي أو سلبي عندي من صاحب هذا النص. ذلك أن للإبداع، من أي نوع وجنس، شخصيته المستقلة، حتى وهو ينتسب إلى شخص مبدع بعينه. وإذ يبقى هذا الإبداع للتاريخ، بشخصيته المستقلة المحددة الملامح والمعاني، فان صاحبه يبقى اسماً علماً مرتبطاً بإبداعه، مستقلاً في سيرته الشخصية، بالايجابي من هذه السيرة بالمعنى السياسي والأخلاقي، وبالسلبي منها على حد سواء.
في الزمن الأول
تعود علاقتي بشعر محمود درويش إلى الزمن الأول من حياة محمود الشعرية، أي قبل أن نلتقي في أول السبعينات من القرن الماضي، بل هي علاقة سابقة حتى على ظهور اسمه بين شعراء فلسطين الجدد، وقد بدأت هذه العلاقة من خلال مجلتيّ «الجديد» و«الغد» ومن خلال جريدة «الاتحاد». وهي كانت تصدر جميعها في حيفا، وبدأت هذه العلاقة، في الوقت ذاته.
من خلال المشرفين على إصدار تلك الصحف، والمساهمين في تحريرها من أدباء وسياسيين ممن ينتمون إلى فلسطيني عام 1948.
كما نصطلح على تسميتهم. وكان ذلك في النصف الأول من خمسينات القرن الماضي. وقد أتاح لي تلك الامكانية وجودي في القيادة اليومية لاتحاد الشباب الديمقراطي العالمي في بودابست على امتداد أربع سنوات، أي بين عاميّ 1953 و1957. ثم تجدد ذلك في مطلع الستينات، عندما كنت عضواً في القيادة اليومية لمجلس السلم العالمي في فيينا على امتداد ثلاث سنوات، أي بين عاميّ 1962 و1964.
كنت أتلقى، خلال الفترتين المشار إليهما من عملي في المنظمتين العالميتين، تلك الصحف بصورة منتظمة، وكنت ألتقي مع المثقفين الفلسطينيين القادمين للمشاركة في المؤتمرات والمهرجانات العالمية للشباب والطلاب.
وفي المؤتمرات العالمية لأنصار السلم، وهاتان المجلتان، «الجديد» و«الغد» ومعهما أمهما «الاتحاد»، هي التي كانت تنقل إلى البلدان العربية من الضفة الأخرى، أي من وراء الستار الحديدي الإسرائيلي الثقيل، ابداعات الشعراء والكتّاب الفلسطينيين. وكانت عملية النقل والانتقال والانتشار تلك خجولة وحذرة في المرحلة الأولى.
وكان السبب في ذلك يعود إلى ان هؤلاء الأدباء الفلسطينيين، القومي الانتماء إلى فلسطين وإلى العروبة، كانوا إسرائيليين في الجنسية التي كانوا يحملونها غصباً عنهم، لكنهم كانوا، بالمقابل شيوعيين أو يساريين في الانتماء الفكري والسياسي. ولم «يستعيدوا عروبتهم»(!)، بالنسبة إلى عرب البلدان العربية، إلا بعد هزيمة حزيران، أي مع انطلاق الثورة الفلسطينية الجديدة. إذ شكل أدبهم، شعراً وقصة ورواية وكتابة سياسية، الإرهاص المبكر لتلك الثورة. ثم صاروا، في فترة زمنية قصيرة، من أهم الرموز الحية للثورة، ومن أبرز عناوينها المضيئة بعد قيامها.
قراءة في عالم محمود درويش
يحار المرء من أين يدخل في عالم محمود درويش المتعدد، وهذا التعدد في عالم درويش إنما يشير إلى وجود عدة عوالم تحتضن شخصيته، وهي عوالم متحدة فيما بينها، ومتنافرة في بعض جوانبها في الآن ذاته. عالم أول هو عالم الإنسان الفرد، المسكون بالقلق.
وعالم الإنسان الجماعة الشديد الاضطراب إلى حدود الخراب، وعالم ثان هو عالم الشعر الذي ولد مع الشاعر منذ أن ولد هو، في روحه وفي وجدانه وفي أحاسيسه وفي وعيه المتنامي، وعالم ثالث هو عالم اللغة، التي اتخذت عند محمود درويش، منذ أن بدأ يتعامل معها وبها، طابعاً مستقلاً.
إذ صارت لها، مع الوقت، شخصيتها التي تجاوزت فيها وظائف اللغة المعتادة المعروفة، لتشكل عمارة قائمة بذاتها، هي عمارة هذه الشخصية الشعرية المميزة بكل تفاصيلها، التي تحمل اسم محمود درويش. وعالم رابع هو عالم المنفيّ في مناف متعددة الأشكال والصفات والشروط، في المكان وفي الزمان، العالم الذي تحول في وعي ومشاعر محمود درويش إلى قضية بكل المعاني، الإنسانية المطلقة والمعاني السياسية الواضحة الأهداف، والواضحة الأحلام المتصلة بتلك الأهداف.
بقلم: كريم مروة
