يتركز الحوار هنا بين المؤلفين الثلاثة حول محورين مهمين، أولهما الأوضاع في باكستان، التي يحذرون من أنها يمكن أن تشهد انفجارا خطيرا، وبصفة خاصة في منطقة الحدود الفاصلة بين باكستان وأفغانستان، حيث نلحظ، على الفور تقريبا، نظرة تشاؤمية من جانب الطرفين الرئيسيين في الحوار، خاصة في ضوء تعقيد المشهد السياسي العام في باكستان، وتداخل عناصر الإرث العائلي للنخبة والأوضاع القبلية - العشائرية والجيش بحسبانه قوة فاعلة ومؤثرة إلى أبعد الحدود، ويضاف إلى هذا كله النزاع التاريخي بين الهند وباكستان حول إقليم كشمير. أما المحور الثاني فهو الصين من منظور اليوم والغد، حيث يتم الكشف عن سر التحالف الأميركي الصيني خلال الحرب الباردة.
ويسلم المتحاورون ابتداء بما بلغته الصين من تقدم كبير في مضمار التجارة ودنيا الأعمال وبما وصلت إليه في مجال الإمكانات العسكرية بما في ذلك محاولة ارتياد الفضاء الخارجي، ثم نراهم يؤكدون ضرورة أن تكون أميركا على استعداد للتكيف مع الأوضاع والتطورات المستجدة على المسرح الدولي، وينوهون بأن استيعاب بلد هائل في حجم الصين ليس كاستيعاب بلد صغير، بل إن الأمر يقتضي بذل جهد مكثف والعمل بالتدريج على تكييف النظام الدولي ذاته وعلى إعادة تعريف معنى ومغزى الأولوية التي تمتعت بها أميركا بعد الانحسار السوفييتي في مطلع التسعينات. عند آخر منعطف لحوار مستشاري الأمن القومي في البيت الأبيض بريجنسكي وسكوكرفت مع منظّم الحوار الكاتب الصحافي ديفيد اجناتيوس، خلص الأطراف الثلاثة إلى التأكيد مرة أخرى (ص114) على أهمية أن تسلك الولايات المتحدة سبيلا جادا ومسؤولا لإيجاد حل عملي عادل ونزيه للمشكلة الفلسطينية الإسرائيلية وإلا كانت النتائج وخيمة، أو كما يعبر الصحافي المشارك قائلا: وإلاّ كتب علينا أن نواجه أوضاعا متدهورة باستمرار.
في السياق نفسه أيضا بادر الصحافي أيضا إلى طرح السؤال البديهي: هل معنى هذا أن قضية الصراع الفلسطيني ؟ الإسرائيلي وحلها المطلوب ينبغي أن يوضعا على قمة أولويات الرئيس الأميركي الجديد؟ أجاب الجنرال سكوكرفت بعبارة قاطعة تقول:أعتقد أنها رقم واحد على الأجندة. هنا عمد اجناتيوس إلى التحول إلى مشكلة أخرى ومنطقة أخرى مازال لها أهميتها بالنسبة لاهتمامات أميركا ومصالحها وسياستها الخارجية.. وفي هذا الصدد قال: إذا كان ثمة جزء في العالم ينذر بانفجار خطير فهو باكستان، وبالذات الحدود الفاصلة بين باكستان وأفغانستان.. وعلينا أن لا نكف عن تذكير أنفسنا بأن باكستان دولة نووية وأنها تواجه تمردا متناميا واسع النطاق داخل حدودها. بالأدق تواجه طالبان (الباكستانية) الخاصة بها، مع ذلك فهي تضم قيادة سياسية ضعيفة ومشتتة في حقبة ما بعد برويز مشرّف. ثم هنا أصبح السؤال هو: كيف السبيل لإخراج باكستان من هذه الحالة المنذرة بالخطر بكل ما تعانيه الساحة السياسية في باكستان من صراعات بين القوى والأحزاب السياسية ومن خلافات بين تيارات مذهبية لا تتورع أحيانا عن سلوك سبيل العنف في التعبير عن هذه الخلافات بكل ما أفضت إليه هذه الخلافات ؟ الصراعات من عنف دموي أحيانا راح ضحيته عشرات الضحايا دون أن ينجو من ربقته حتى زعيمتهم بنازير بوتو ذاتها.
في معرض الإجابة، أو بالأدق محاولة الإجابة، نلاحظ كقارئين لهذا الفصل من الكتاب واقع النظرة التشاؤمية التي يصدر عنها طرفا الحوار الأساسيان: فمن جانبه يستعرض الجنرال سكوكرفت مدى تعقيد المشهد السياسي العام في باكستان حيث يشتبك الإرث العائلي (أسرة بوتو مثلا) مع الأوضاع القبلية ؟ العشائرية ثم يشتبك هذا كله مع الجيش كقوة فاعلة ومؤثرة خرج منها قادة وحكام وكل ذلك على خلفية الاتجاهات المذهبية والعقائدية المتطرفة التي ألمحنا إليها.. فضلا عن النزاع ؟ التاريخي إن شئت بين الجارتين.. الهند وباكستان حول إقليم كشمير. وكلتاهما أصبحت حائزة على السلاح النووي. لعل هذا هو السبب الذي يدفع البروفيسور بريجنسكي إلى النصح بعدم التوغل أو الانغماس من جانب أميركا في كواليس ودخائل السياسة في باكستان موضحا ؟ كما يقول ؟ انها بلد أكبر مما ينبغي كثيف السكان أكثر مما ينبغي، ومعقد التكوين بأشد مما ينبغي. هذا رغم ما يسوقه أستاذ علم السياسة الأميركي ؟ والعهدة عليه بداهة ؟ من أن الشعار الذي يتردد في كواليس السياسة هناك يقول بالتالي: إن باكستان مدينة بوجودها إلى الله (عز وجل) والى أميركا ثم إلى الجيش.
في كل حال يكاد هذا الجزء من الحوار يركز على أن تتوخى واشنطن كل أسباب الحذر، والأفضل أن يظل تعاطيها مع أوضاع باكستان في حكم غير المنظور بمعنى أن لا تظهر بوضوح في الصورة.. وأن تنهج أسلوبا غير مباشر سواء في تقديم الدعم العسكري أو التعامل مع الشخصيات القيادية المؤثرة في سياسات إسلام أباد عسكرية كانت أو مدنية.
بعدها تتحول بوصلة الحوارات التي نحيل بها هذا الكتاب من حدود باكستان ؟ أفغانستان الى تخوم الشرق الأقصى.. والى الصين على وجه الخصوص وهي محور الحوارات التي يضمها الفصل الرابع من هذا الكتاب. وكان طبيعيا أن يفتتح هذا الفصل من الحوار بسؤال بديهي يقول: هناك من يتصور أن في نمو الصين وخروجها إلى الساحة الدولية ما يمكن أن يهدد دور ومكانة الولايات المتحدة في مستقبل الأيام.. فكيف - والسؤال موجه إلى البروفيسور بريجنسكي ؟ كيف يمكن لأميركا أن تحوّل مسار هذا الدور الصيني الفاعل المستجد إلى ما يحقق مصالح أميركا ذاتها؟
برصانة الباحث أجاب أستاذ العلوم السياسية بأنه لابد من التسليم أولا بما بلغته الصين من شأو بعيد في مضمار التجارة ودنيا الأعمال (البيزنس) ومن ثم في الإمكانات العسكرية (محاولة ارتياد الفضاء الخارجي مثلا).. وكل هذا أمر يراه المتكلم مفهوماً بل ومشروعاً. وعلى كلا الحزبين، الجمهوري والديمقراطي في أميركا أن يعملا على استيعاب هذه القوة الصينية الصاعدة في النظام الدولي.. وهذا يشير بالضرورة إلى أهمية أن تكون أميركا على استعداد للتكيف مع هذه الأوضاع المستجدة على المسرح الدولي، شريطة أن نفهم (الأميركان) أن استيعاب بلد في حجم الصين ليس كاستيعاب بلد صغير، بل الأمر يقتضي (ص114) العمل بالتدريج على تكييف النظام الدولي ذاته وعلى إعادة تعريف معنى ومغزى مكانة الأولوية التي ظلت أميركا تتمتع بها (ولاسيما بعد زوال القطب السوفييتي المنافس مع مطلع التسعينات).
من دواعي تفاؤل بريجنسكي أيضا ما يراه من سلوك إيجابي لدى القيادة الصينية الحالية بمعنى أنها لا تتصرف وفق عقيدة مزدوجة الاتجاهين.. أبيض وأسود ومن ثم تندفع مثلا إلى فرض عقيدتها وتوجهاتها على عالمها.. على نحو ما حدث مع هتلر في ألمانيا النازية أو ستالين في روسيا الشيوعية.. إن زعماء الصين في رأي المتحاور الأميركي يسيرون في اتجاه أن يكونوا جزءا من العالم وليسوا أوصياء على العالم.
من جانبه يعود الجنرال سكوكرفت إلى التاريخ القريب.. وبالتحديد إلى عقد السبعينات.. وهو طبعا لا ينسى أن يعزو، دون أن يقول، فضل التواصل مع الصين إلى حقبة حكم الجمهوريين في إدارة نيكسون قرب منتصف العقد السبعيني المذكور يومها كان الاقتراب من بكين ذكيا وحساسا بدأ بالمشاركة في لعبة تنس الطاولة وتطور إلى أن جاء «ساحر» السياسة الخارجية كيسنجر ليطرق باب السور الصيني العظيم على نحو ما عبر يومها زعيمهم التاريخي ماوتسي تونغ.. وتوجوا هذه المفاتحات بزيارة نيكسون إلى الصين وبعدها أرسلوا أول سفير لأمريكا في بكين ولم يكن السفير سوى جورج بوش ؟ الأب الذي عمل معه الجنرال سكوكرفت ؟ كما ألمحنا ؟ مستشارا للأمن القومي في البيت الأبيض.. وفي كل حال يضيف الجنرال الأميركي فالفرصة مفتوحة أمام الصين ؟ المتوثبة والطموحة للانضمام إلى النظام الدولي.. لأنهم لا يريدون أن يقلبوا هذا النظام أو يدمروا ركائزه، على نحو ما فعلت ألمانيا مثلا مع بدايات القرن العشرين مما أدى ؟ مع عوامل أخرى ؟ إلى اشتعال نيران الحرب العالمية الأولى.
فجأة تناثرت في سياق هذا الجزء من الحوار أوصاف تنعت الصين بأنها رغم كل هذا التفاؤل.. منافس شرس.. لهذا يبادر بريجنسكي إلى تأكيد هذه الأوصاف من باب الواقعية السياسية قائلا: الصين منافس محتمل وشرس أيضا في سعيها نحو تحقيق مصالحها.. ألا يصدق هذا بالضبط على الولايات المتحدة؟ أليست مؤسساتنا الاقتصادية في حال من الاندفاع المحموم لتحقيق الحد الأقصى من المصالح الأميركية؟ مع ذلك فثمة عامل إيجابي إضافي لمسته بنفسي من خلال خبرة التعامل المباشر مع زعماء الصين..
وهوانهم يريدون أن يتعلموا. ولايزالوا حريصين على أن يفهموا حقائق العصر الذي نعيش فيه.. وكان هذا ــ يضيف بريجنسكي ؟ أول انطباع عندي بعد لقائي مع زعيمهم (الراحل دينغ شياو بنغ).
في هذه النقطة يكشف الدكتور بريجنسكي ما نتصوره سرا من أسرار الحرب الباردة في حقبة السبعينات حيث يضيف قائلا (ص117):في ذلك الوقت استطعنا أن نطور محالفة شبه سرية ضد الاتحاد السوفييتي شملت عمليات استخبارات مشتركة وتقديم مساعدات مشتركة أيضا إلى المقاومة (المجاهدين) في أفغانستان ضد الغزو السوفيتي.
في السياق نفسه يستأثر بريجنسكي باهتمامنا كقارئين ومحللين حين يعبر عن إعجاب إزاء قادة الصين.. لا لكونهم أقوياء أو أثرياء أو تاريخيين أو ملهمين.. إلى آخر الأوصاف التي يخلعونها.. هنا أو هناك على البعض من القادة ؟ في العالم الثالث على وجه الخصوص.. بل لأن قادة الصين دأبوا ؟ كما يوضح الدكتور بريجنسكي - على ما يلي:
ظلوا على مدار سنوات يعقدون دورات بحثية أو حلقات دراسية تدوم كل منها يوما كاملا ويلزم أن يحضرها جميع قادة الصين عند مستوى قمة الحكم إلى جانب الخبراء الاختصاصيين حيث يتم تدارس ومناقشة المواضيع الفائقة الأهمية بالنسبة لإدارة دفة الحكم في الداخل وتعزيز دور ومكانة الصين في الخارج.
ويكفي أن نلقي نظرة على هذه المواضيع التي يعرضها المفكر الأميركي على النحو التالي:
أهمية الدستور وفهم سيادة القانون.
تطوير فهمنا للاقتصاد العالمي ولاسيما اتجاهات العولمة.
اتجاهات في التكنولوجيا العسكرية.
التجارة الدولية والاستثمار وأهمية الصين من حيث التحاقها بركب العولمة.
التحول من الريف إلى الحضر ومشكلة عدم المساواة الاقتصادية.
حقوق الملكية الفكرية.
أسلوب الحكم باستخدام الأسلوب العلمي.
الديمقراطية وحكم القانون.
كيف نأخذ بالديمقراطية في نظام للحزب الواحد. نظرة شاملة على تاريخ العالم مع تركيز على صعود وسقوط القوى ؟ الدول الإمبراطورية.
هكذا يعرضها البروفيسور بريجنسكي ثم يشفعها على الفور بملاحظة من عندياته يقول فيها:وددت لو أمضى رئيسنا (بوش) وقتا في دورات من هذا القبيل.
المؤلفون في سطور
ــ البروفيسور زبجنيو بريجنسكي أستاذ العلوم الإستراتيجية والمفكر السياسي ومستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر وهو حاليا أستاذ في جامعة جون هوبكنز.
ــ الجنرال ـ طيار برنت سكوكرفت الذي كان مساعدا عسكريا للرئيس نيكسون ثم عمل مستشارا للأمن القومي مع الرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش الأب ويتولى حاليا رئاسة بيت للخبرة والمشورة في شؤون المال والأعمال الدولية.
ــ ديفيد اجناتيوس هو كاتب العمود نصف الأسبوعي في جريدة «واشنطن بوست» الواسعة النفوذ، وقد أمضى أكثر من 30 سنة في بلاط صاحبة الجلالة صحافيا في جريدة «وول ستريت» ثم رئيس التحرير التنفيذي لجريدة «هيرالدتربيون» الدولية.
الصفحات: 290(متوسط)
الكتاب: حوارات حول أميركا والعالم
الناشر: بيسك بوكس،نيويورك،2008
عرض ومناقشة: محمد الخولي



