لم يتطلب الأمر كثيرا من الوقت لإظهار أن فشل الحوار الفلسطيني الذي كان مقررا عقده في القاهرة حمل نتائج كارثية. والمسألة لا تتعلق فقط بتراجع الآمال في إمكانية إيجاد حل لمشكلات الشرخ الداخلي الفلسطيني، بل تعدتها إلى تدهور الأوضاع وتفاقم الخلافات بين حركتي فتح وحماس.
وكانت ذكرى رحيل الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات مناسبة لإظهار أن المنزلق الذي وقع فيه الفلسطينيون قد يكون من دون قرار.
ومن الوجهة النظرية كان الرئيس عرفات نوعا ما الأب الروحي للفلسطينيين وهو يحظى باحترامهم ولو شكليا. ولم تكن «حماس» بعيدة في تعاطيها مع مكانة الرئيس الراحل عن هذه الصورة العامة، وبالتالي يشكل التعامل مع قضية إحياء ذكرى رحيل عرفات نوعا من التجسيد لما وصلت ويمكن أن تصل إليه الأمور جراء فشل الحوار.
ولا يغير من هذه الحقيقة واقع أن العام الفائت شهد ما يشبه المجزرة عند الاحتفال بهذه الذكرى. فهذه هي المرة الأولى التي يبدو فيها أن الجهد المبذول لإفشال إحياء الذكرى في قطاع غزة كان مبيتا مثلما أن الرغبة في استغلالها في رام الله كان مقصودا أيضا.
وهكذا تم الدفع في غزة بقوى شعبية من تلاميذ المدارس على طلاب الجامعات للتصادم بقصد منع الاحتفال بالذكرى. وفي الضفة جرى التنديد بحماس بأشد العبارات جراء ذلك.
ويلاحظ أن هذه هي المرة الأولى التي يلجأ فيها الرئيس عباس إلى منطق التخوين مع «حماس». فقد كانت مواقفه السابقة وكذا مواقف قيادة فتح ترى في سلوكيات «حماس» مزيجا من انعدام الخبرة أو قلة المسؤولية أو حتى الارتباط بمواقف إقليمية. لكن الخطاب الجديد يبين أن الرد على التخوين يتم بالتخوين وأن هناك من يدعو الدول العربية إلى اتخاذ موقف من الذين عرقلوا الحوار.ومن البديهي أن خطاب عباس« التخويني» حظي على الفور برد حمساوي من العيار الثقيل.
ومن البديهي ايضا أن الأمور لم ولن تقف عند هذه الحدود. ففشل الحوار في القاهرة قاد وبشكل مباشر إلى تصاعد حالة الشك وانعدام الثقة بين حماس وفتح من ناحية لكن الأهم أنه، من ناحية أخرى، نقل المعركة التخوينية والتكفيرية إلى مستوى جديد. فقد جاء الانتقال سريعا من التخوين السياسي، إلى التكفير الديني.
وأمام هذا الحال ما هي الخيارات القائمة أمام المتصارعين؟ ثمة تهديدات من بعض« فتح »لسلطة «حماس» ومن بعض «حماس» لسلطة «فتح » باللجوء إلى القوة في سبيل حسم الصراع. ويفترض المنطق أن« فتح» في غزة، على الأقل حاليا، ليست في وضع يسمح لها بحسم الصراع مع« حماس»حتى لو حظيت بدعم خارجي. كما أن إسرائيل لا تتعامل مع «حماس» في الضفة تعاملها مع« حماس» في غزة، الأمر الذي يعني، وبصرف النظر عن قوة فتح الفعلية، صعوبة أو استحالة سيطرة «حماس» على الضفة.
ويعتقد آخرون أن الوضع الراهن يمكن أن يطول خاصة وأننا نقترب من نقطة مفصلية تتمثل في انتهاء ولاية الرئيس عباس، على الأقل من وجهة نظر حماس. وحينها من المنطقي الافتراض أن «حماس» ستعلن انتهاء شرعية الرئيس، حتى لو لم تقم بتعيين بديل من رئاسة المجلس التشريعي.
ويصعب تقدير أن تقوم السلطة في رام الله بالإعلان عن انتخابات جديدة، ولذلك ستركز على شرعية بقاء الرئيس عباس حتى نهاية ولاية المجلس التشريعي. وخلال هذه الفترة ستشهد الصراعات بين حماس وفتح مدا وجزرا يصعب التكهن بنهاياتها. من هنا يبدو الحوار الداخلي الفلسطيني مستحيلا في هذه اللحظة. غير أن السؤال الأهم هو: حتى بعد الصراع وتصعيده، هل لدى الفلسطينيين خيار آخر غير الحوار؟
(تنشر بترتيب خاص مع الزميلة «السفير» اللبنانية)
بيروت ـ حلمي موسى
