ينصب التركيز عند هذا المنعطف من الكتاب على الشرق الأوسط عامة والقضية الفلسطينية بصفة خاصة، حيث يشير المؤلفون عبر حوارهم الممتد إلى أن العرب كانوا، بعد الحرب العالمية الثانية ينظرون نظرة إيجابية إلى الولايات المتحدة، باعتبارها طاقة من أجل التحرير وقوة لإزاحة البريطانيين والفرنسيين من دون الحلول محلهم كقوة استعمارية، غير أن هذه النظرة تغيرت تدريجيا لتصل إلى النقيض تماما.

حيث أن الأميركيين قد أصبحوا الاستعماريين الجدد، وخاصة في ضوء الانحياز الأميركي المستمر لإسرائيل والاحتلال الأميركي للعراق.وفضلا عن هذا يشدد المؤلفون على خطورة الأوضاع الراهنة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، ويشيرون إلى أن الأوضاع في هذه المخيمات وغياب فرص العمل والافتقار إلي الأمل في الغد تجعل منها بؤرا لتفريخ عناصر يذهب بها الغضب والحنق كل مذهب.

ويعرب المؤلفون أيضا عن اعتقادهم بأن نقطة البدء في تحقيق استقرار المنطقة هي التماس سلام عادل ونزيه، يقوم على إقرار حقوق الأطراف المعنية من دون إجحاف، خاصة وأنه حتى العناصر الإسرائيلية المتطرفة بدأت تدرك أن الاستمرار في إنكار الحقوق الفلسطينية لن يصل بها إلا إلى طريق مسدود.

في ثنايا الحوار عن الشرق الأوسط، وعن القضية الفلسطينية بالذات ـ لم يفت الكاتب الصحافي ديفيد اجناتيوس أن يشيد بموقف الإدارة الأميركية في عهد الرئيس بوش الأب إزاء إسرائيل. كان ذلك عقب نجاح المشاركة الأميركية المشهودة في حرب تحرير الكويت. وفي هذا السياق بالذات يقول اجناتيوس مخاطبا الجنرال سكوكرفت،الذي كان أيامها مستشارا للرئيس الأب لشئون الأمن القومي:برنت: لقد كنتما.

أنت والرئيس بوش حازمين مع إسرائيل لدرجة احتجاز ضمانات القروض الأميركية عن الحكومة الإسرائيلية نتيجة لما ساوركما من غضب بشأن قضايا المستوطنات والإسكان.. فكيف كانت أهمية هذا السلوك في إطار جهودكما لإبداء روح الإنصاف حتى في التعامل مع حليفنا؟

رد برنت سكوكرفت قائلا:

ـ كان هذا مهما. وهو أمر قلما يحدث.

وهنا أكمل البروفيسور بريجنسكي:

ـ ولم يحدث منذ ذلك الحين.

واستمر الجنرال برنت يقول:

ـ عندما رفضنا إعطاء إسرائيل ضمانات القروض لبناء مستوطناتهم في الضفة الغربية.. كان لذلك أثره العميق حقا على العالم العربي. ولست أدري كم كان أثره على إسرائيل.

قال بريجنسكي:أظن أن كان له أثر عميق أيضا. فبعد أن سقطت حكومة اسحق شامير تولّى السلطة اسحق رابين، وكانت تلك أقل فترة لبناء مستوطنات في كل تاريخ الاحتلال حتى مصرع رابين نفسه.

في هذا السياق انفتح النقاش على أبعاد أشمل لقضية الصراع العربي الإسرائيلي (بين رابين وبيجن) على صفحتي 83 و84 من الكتاب. أوضح الجنرال سكوكرفت كيف أنه التقى بإسحق رابين منذ سنوات طويلة إذ كان سفيرا لإسرائيل في واشنطون وبعدها صار وزيرا للخارجية وللدفاع إلى أن تولى رئاسة الوزراء في الكيان الصهيوني.

وخلال هذا المنصب الأخير لاحظ الجنرال الأميركي ما يصفه بأنه حالة من النضج في رؤية رابين،ولو قيض له طول العمر لأوصله هذا النضج ـ كما يتصور سكوكرفت ـ إلى أن يصل إلى اتفاق (مع الفلسطينيين) إذ كان تطوره عميقا (وربما لهذا تعرض اسحق رابين للاغتيال بتحريض وتنفيذ قوى التعصب الصهيونية في الكيان الإسرائيلي).

في نفس النقطة يعلق سكوكرفت قائلا:إسرائيل تجتاز نفس التطور، ما بين أيام إنشاء إسرائيل عام 1948 إلى فترة ما بعد حرب 1967 عندما تبنوا رؤية إسرائيل الكبرى، لكن هاهم وقد عادوا إلى مقولة دولتين. في نفس النقطة أيضا تدخل بريجنسكي مقاطعا يقول: عندما التقيت مناحيم بيجن كرئيس للوزراء (كان ذلك في منتصف السبعينات) قال لي بغير مواربة «ليس هناك شيء اسمه فلسطين(!) هذا مجرد وهم..

فكلهم عرب أما وطنهم الطبيعي فهو عبر الأردن. لكن بعد 20 سنة ألفينا أرييل شارون يقبل بحكاية دولتين. صحيح أنه كان غامضا بشأن مشكلة الحدود لكنه يقبل أساسا بدولة فلسطينية في فلسطين. وذلك درس مستفاد، فحتى الأطراف أو الأحزاب المتطرفة تتطور إذا ما كنت على استعداد لأن تتذرع بالصبر وتدخل معهم في حوار.

زبجنيو بريجنسكي كان يقصد أهمية التواصل، التفاعل، التعاطي مع كل أطراف القضية، حتى ولو كانت محسوبة في خانات التطرف.وهنا أسهب أستاذ العلوم السياسية في أهمية التعاطي مع منظمة حماس موضحا أن المسألة لها بعد سياسي يتطلب الحوار بقدر ما أن لها في رأيه (ص84) بعدا أخلاقيا كذلك.

وهو يفسر هذا البعد المعنوي قائلا:إن عدم التعاطي مع حماس معناه مقاطعتهم ومعناه بالتالي عزلهم وهو ما يعني بالتبعية عقاب مليون ونصف إنسان (في غزة) يعانون مشاكل إنسانية فادحة من مرض وتجويع وتفكك في أواصر المجتمع.. وهذا أمر يؤرقني ولا أظن أن هذا أسلوب جيد للتفاوض .. إلا إذا كنت تخوض غمار صراع مدمر وفتاك.

لقد حاول الكاتب الصحافي أن يومئ إلى أن إسرائيل تنظر إلى أميركا بوصفها الحليف والسند والصديق الملتزم ببقاء إسرائيل بحكم علاقة خاصة بين الطرفين.. الخ. ومرة أخرى نكاد كقارئين نشعر بسخونة آراء بريجنسكي إذ يقول:هذه أمور لا تقنعني على الإطلاق. أقصد فكرة أن نبرهن على صداقتنا لإسرائيل من خلال تجويع الناس في غزة: هذا ما أراه غير أخلاقي من حيث المضمون وغير عملي في مجال السياسة.

بنفس المنطق الذي نراه صحيا ومهما يستكمل الجنرال برنت سكوكرفت هذا المسار في أطروحات هذا الكتاب. يقول:تكلمنا كثيرا عن علاقة خاصة مع إسرائيل. وأظن من ناحيتي أن لنا علاقة طبيعية مع كيان ديمقراطي صغير وشجاع موجود في أرض معادية. لكن لا أظن أن علينا التزاما خاصا إزاء هذا الكيان. بل أحسب أن علينا التزاما مساويا إزاء الفلسطينيين فكثير منهم يمضون الجيل أو الطور الثالث من أعمارهم في مخيمات اللاجئين.. وهي مواقع تشكل في جملة أمور، بيئة حاضنة للإرهاب. ولذلك أتصور أن علينا مسئولية أخلاقية ـ أدبية ـ بحكم تكويننا لكي نسعى إلى حل هذه المشكلة.

ـ هناك أيضا مسألة عملية.

هكذا حاول بريجنسكي أن ينزل بالطرح الأخلاقي ـ بكل رصانته ـ إلى دنيا الحقيقة السياسية بكل واقعيتها وقد أوضح بريجنسكي آراءه على شكل سؤال مطروح:

ـ كم ستصمد إسرائيل إذا ما وجدنا أنفسنا وقد دفعوا بنا خارج منطقة الشرق الأوسط؟.. إن ما أقوله بغير تردد هو أن من مصلحة إسرائيل القصوى أن نتمكن من التوصل إلى سلام عادل. وساعتها تصبح إسرائيل جزءا دائما من الشرق الأوسط وتنعم بالازدهار.

لكن إذا وجدنا أنفسنا مطرودين خارج المنطقة فهل تراهنون على بقاء إسرائيل من الأساس؟ وهنا أيضا يلتقط الجنرال سكوكرفت حبل هذا الحديث الذي يتصل بأبعاد الواقع العملي، بعيدا عن النظريات أو الأوهام. يؤكد من جانبه أن قضية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لم تعد تقبل مزيدا من الإهمال أو التسويف يقول: (إننا أمام لحظة مواتية (كان ذلك للتذكِرة في ربيع عام 2008 الحالي) ورغم إعرابه عن قدر من التشاؤم في أن هذه اللحظة سوف تجد من يستغلها فقد واصل الطرح موضحا أننا أمام حكومة إسرائيلية ضعيفة وكيان فلسطيني ضعيف.. وأقطار عربية يراها ـ ولأول مرة ـ على استعداد لمؤازرة التوصل إلى حل) ص86.

وعندما أثار الصحافي اجناتيوس حكاية تأييد الرأي العام على كلا الجانبين.. عاود سكوكرفت طرح منطقه الواقعي.. البراغماتي كما قد نسميه. قال:الطرفان بحاجة إلى يد قوية حازمة تمدها الولايات المتحدة بأكثر مما تعودت عليه في الماضي.

عن سؤال.. ماذا يعني أجاب:

بمعنى أن نطرح مخططا (تصورا محددا) نرسمه بدقة ثم نقدمه بحزم قائلين: أمامكم حل عادل ونزيه. نطرحه بوصفه حلا عادلا سبق إليه الإسرائيليون والفلسطينيون في عام ,2001. وسوف يسعدنا كل ما تتفقون عليه لتعديله.. لكن علينا أن نمضي إلى الأمام في كل حال.

سؤال آخر: كيف تستعيد أميركا دورها ومكانتها التي كانت تتمتع بهما في منطقة الشرق الأوسط؟

أجاب الجنرال سكوكرفت على الفور:عملية السلام (بين الفلسطينيين ـ وإسرائيل) هي نقطة البدء في كل حال.. ولو بدأنا بها لتغيرت أمور وأوضاع ومواقف كثيرة (في العالم العربي). لقد بات القوم ينظرون إلينا ليس على أننا محايدون أو غير متحيزين بل على أننا نساند طرفا واحدا بعينه (يقصد إسرائيل الصهيونية طبعا).. ولذلك فقد العرب ثقتهم فينا إلى حد كبير سواء بسبب هذا الموقف إزاء إسرائيل أو بسبب العراق (ص92). يواصل مستشار الأمن القومي السابق حديثه قائلا:

ـ ولو وصلت عملية السلام إلى ختام ناجح فأنا أتصور أن يغير العرب موقفهم حيال أميركا ويعود سلوكهم كما كان في عام 1990 عندما تعرضت الكويت للغزو فكان أن تضافروا معنا لإعادة الأمور إلى نصابها.

ثم يعمد الجنرال الأميركي إلى توسيع إطار رؤيته في هذه الإطلالة على منطقة الشرق الأوسط، أوضاعها ومشاكلها، فيقول:هذه النتيجة سيكون من شأنها كذلك استعادة التوازن مع إيران. كما ستكون خطوة كبرى في كفاحنا ضد الإرهاب.. كيف لا وقد أشرت فيما سبق إلى أننا بإزاء 60 عاما من عمر مخيمات اللجوء حيث ينشأ الناس ويشبّون عن الطوق ويعيشون على إعانات الأمم المتحدة بما يسد الرمق أو يكاد، بغير أمل وبغير عمل.. تلك بيئة رهيبة لتوليد التطرف.ولهذا فأنا أتصور أن نقطة البدء من هنا في المنطقة (الشرق الأوسط) بحيث نجذب إلى صفوفنا جموع المعتدلين وهم الأغلبية في كل حال.

من جانبه عمد الدكتور بريجنسكي إلى إثراء هذا الجانب من الحوار بالرجوع إلى خلفية تاريخية تعود إلى أربعينات القرن العشرين:

ـ بعد الحرب العالمية الثانية بالذات.. كان أهل الشرق الأوسط ينظرون إلينا بوصفنا طاقة من أجل التحرير. وخاصة عندما رأوا فينا قوة لإزاحة البريطانيين والفرنسيين دون أن تحل محلهم (كقوة استعمارية).

ولهذا نظرت إلينا جموع الانتلجنتسيا المثقفة على أننا نمتلك في المعارف ومن العلوم وفي التكنولوجيا.. التي لا يملكونها ومن ثم نأخذ بيدهم كي يدخلوا مضمار الحداثة لكن على إيقاع خطواتهم هم وفي إطار الأوضاع الثقافية الخاصة بهم.. مع هذا كله.. فقد رأينا أن الأمور تغيرت بالتدريج لدرجة أن تبدلت النظرة إلينا وكأنما أصبحنا الاستعماريين الجدد وخاصة من خلال تدخلنا العسكري في العراق.. ودعمنا المتحيز لشارون في ظل إدارة الرئيس جورج بوش ـ الابن، فضلا عن لا مبالاة أبديناها بشكل عام إزاء ما يحدث للفلسطينيين.. ناهيك عما تلا ذلك من التزام أراه غريبا بنوع من الامبريالية الثقافية التي تفرض التحول الديمقراطي.

الكتاب: حوارات حول أميركا والعالم

تأليف: بريجنسكي وسكوكروفت وإجناتيوس

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: بيسك بوكس،نيويورك،2008