لم يتسن للمجتمع الدولي الاعتراف بإقليم كوسوفو كجمهورية مستقلة بعد إعلان الاستقلال لمرتين الأولى العام 1992 والثانية العام 1994 سوى في السابع عشر من شهر فبراير الماضي حيث سارعت دول عديدة للاعتراف به منذ اليوم الثاني لإعلان الاستقلال.

فكانت أفغانستان الدولة العضو في منظمة المؤتمر الإسلامي السباقة كأول دولة مسلمة تعترف بكوسوفو دولة مستقلة ذات سيادة تلتها كل من كوستاريكا العضو غير الدائم في مجلس الأمن وألبانيا وفرنسا وتركيا والولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة. ولحقتها في اليوم الثالث كل من ألمانيا وأستراليا والسنغال لتتبعها ألمانيا ولاتفيا واستونيا وإيطاليا والدنمارك ولكسمبورغ. ولم يكد يمر أسبوع من إعلان الاستقلال حتى التحقت دول أخرى من مختلف قارات العالم بركب المعترفين ليبلغ العدد الخمسين باعتراف دولة الإمارات العربية المتحدة وهي أول دولة عربية عضو في الجامعة العربية باستقلال كوسوفو.

ولكن وعلى الصعيد الآخر، برز تشنج روسيا وصربيا التي استقل عنها الإقليم برفضهما للإعلان كحجر عثرة أمام بقية الدول التي تربطها مصالح بهذين البلدين رغم موقف الولايات المتحدة اللافت الذي كان دافعاً قوياً نحو اتخاذ هذه الخطوة منذ المفاوضات النهائية المتعلقة بمستقبل الإقليم والتي بدأت العام الماضي بعد جولات من الشد والجذب والتشدد في المواقف الذي قابلت به روسيا وصربيا الموقف الأميركي.

وبدت أوروبا أكثر انسجاماً مع واشنطن بدعمٍ نابعٍ من أهمية هذه المنطقة في الفضاء الأوروبي خاصةً بعد انضمام مجموعة دول الكتلة الشرقية السابقة بالكامل إلى الإتحاد الأوروبي والذي يرى في هذا الاستقلال ضمانة حقيقية لاستقرار الإتحاد وأمنه.

وتزامن كل ذلك مع تطمينات بعث بها الرئيس الألباني بامير توبي إلى جيرانه الصرب والأوروبيين أكد فيها حرص بلاده على إقامة علاقات حسن جوار مع دول المنطقة بما فيها صربيا، نافياً في الوقت ذاته سعي بلاده إلى إقامة ألبانيا الكبرى في منطقة البلقان .

وهي المخاوف التي تقض مضجع الجار الصربي الذي يرى في الأقليات الصربية المتعايشة في الإقليم مبرراً لسيطرته عليه مخافة قيام الألبان بعمليات تطهير عرقية تستهدف صرب كوسوفو على غرار تلك التي حدثت للمسلمين نهاية التسعينيات من القرن الماضي رغم تأكيدات الكوسوفيين المتكررة بأن نشوة الاستقلال لن تذهب بهم إلى نفق الثأر المظلم الذي دفعت فيه البلقان ثمنا باهظاً ما تزال جراحاته غائرة حتى اليوم في نفوس سكان المنطقة.

وبغية ضمان نجاح الدولة الجديدة سارع البيت الأبيض إلى الإعلان بأن المساعدات المقدمة من المجتمع الدولي لإعادة الإعمار ستبلغ نحو ملياري دولار فعلياً وأنها في ازدياد مستمر وهو ما أكدت عليه دول الإتحاد الأوروبي وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا اللتان تطمحان إلى تأهيل كوسوفو ضمن معايير المنظومة الأوروبية.

وتنبه قادة كوسوفو إلى أهمية عملية الإصلاح على جميع الصعد فباشروا بإطلاق ورش إعادة الإعمار في مختلف المناطق بمساعدة بارزة من دولة الإمارات العربية المتحدة أشاد بها مفتي كوسوفو الذي أكد أن المساهمة الإماراتية ساعدت في إنقاذ الناس من براثن الجوع والبطالة عدا عن دورها في إعادة بناء المساجد والمستشفيات المهدمة بالمشاركة الإماراتية في جهود حفظ السلام «الذي ترك انطباعاً عظيماً في أذهان الناس».

إلا أن الدور الإماراتي لم يتوقف عند هذه الحد، فقد نفذت مئات من المشاريع كان آخرها افتتاح مركز لإيواء الأسر الفقيرة التي عانت من التشرد في مدينة «استوج بريم». وبلغت قيمة البرامج والمشاريع الإماراتية التي تم تنفيذها في كوسوفو منذ العام 1999 وحتى الآن نحو 125 مليون درهم وفق ما ذكرته المحطة الكوسوفية الرسمية التي خصت صدر نشراتها لبث خبر اعتراف الإمارات معربةً عن أملها في خطوات عربية أخرى تنسج على منوال الإمارات.

تاريخ ممتد من العثمانيين إلى ألبانيا إلى يوغسلافيا إلى صربيا

كانت كوسوفو جزءاً من ألبانيا تحت الحكم العثماني طيلة خمسة قرون منذ فتحها السلطان العثماني مراد الأول العام 1389 ثم أعطيت للصرب عقب الحرب العالمية الأولى قبل أن تخضع في الحرب العاملة الثانية إلى ألبانيا مجدداً والتي كانت خاضعة بدورها إلى إيطاليا.

وفي العام 1946 ضمت إلى جمهورية يوغسلافيا الاتحادية لتمنح حكماً ذاتيا حتى العام 1989 عندما ألغاه الرئيس الصربي الراحل سلوبودان ميلوسوفيتش وحَكَم الإقليم بالحديد والنار مستخدماً أساليب بوليسية وقمعية عنيفة.

في شهر يوليو من العام 1990 أجرى أهالي كوسوفو استفتاءً عاماً عبرت نتيجته عن رغبة الغالبية العظمى في الانفصال عن صربيا وإقامة جمهورية مستقلة، وفي شهر سبتمبر من العام نفسه نظم الألبان إضرابا واسعاً أشبه بالعصيان المدني.

ودقت ساعة الحقيقة في الرابع والعشرين من مايو من العام 1992 أنتخب الألبان إبراهيم روغوفا رئيساً لجمهوريتهم المعلنة من جانب واحد حتى جاء العام 1998 ليلفت أنظار العالم بقوة إلى خطورة الأوضاع هناك عندما دخل «جيش تحرير كوسوفو» في صراع مرير مع الجيش الصربي.

أفضت بارتكاب الأخير لمجازر وحشية ضد المدنيين الألبان ما أجبر حلف «ناتو» في مارس من العام 1999 على شن غارات جوية على صربيا دفعت بميلوسوفيتش إلى الانسحاب لتفقد بلغراد سيطرتها الفعلية على الإقليم الذي وضع تحت حماية الأمم المتحدة والحلف الذي نشر قرابة 17 ألف جندي فيه.

وجرت بعدها مفاوضات حول الوضع النهائي بين الصرب والكوسوفيين الألبان قدم في ختامها المبعوث الدولي مارتي أهتيساري خطة تقضي باستقلال الإقليم تحت إشراف دولي. وفي يوم 17 فبراير من العام الجاري ولدت جمهورية كوسوفو المستقلة كأحدث دولة في القارة الأوروبية.

إضاءة

* تعتبر كوسوفو في اللغة الصربية و«كوسوفا» في اللغة الألبانية أو «قوصوة» بالعربية من أفقر دول يوغسلافيا السابقة.

* عاصمتها بريشتينا وتحدها مقدونيا من الجنوب الشرقي وصربيا من الشمال الشرقي والجبل الأسود من الشمال الغربي وألبانيا من الجنوب.

* يبلغ عدد سكانها 3. 2 مليون نسمة ومساحتها 577. 10 كيلومترات مربعة ونسبة الألبان المسلمين فيها 90 في المئة فيما يشكل الصرب 5 في المئة وقوميات أخرى نسبة 5 في المئة.

* تعاني من معدلات بطالة مرتفعة تصل إلى 50 في المئة في حين تقل أعمار نصف الكوسوفيين عن ال35 عاماً.

* تغلب على طبيعتها السهول الخضراء المحاطة بالجبال والتلال وتجري فيها أربعة انهار و17 بحيرة.