اعتراف دولة الإمارات العربية المتحدة بكوسوفو كدولة مستقلة ذات سيادة، قابله الكوسوفيون في المستويين الرسمي والشعبي بابتهاج كبير، فالإمارات أول دولة عربية تعترف بأحدث دولة تلتحق بقائمة الدول المستقلة في العالم، وهي بذلك تؤكد أن ما قدمته من دعم سخي لكوسوفو أيام المحنة لم يكن موقفاً عارضاً فحسب.
فالإمارات خطت الملاحم بهّبة من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وتحركت المؤسسات الرسمية والشعبية في حملات مستمرة تكفكف دموع ضحايا العدوان الصربي وسجلت للقوات المسلحة الإماراتية مواقف مشرفة من خلال مشاركة قوة الإمارات في الإقليم المنكوب والدور الكبير الذي لعبته في تحقيق الاستقرار وإعادة الأمل لهذا الشعب المسلم، الذي لم ينس الوقفة الإماراتية وهو يحتفل بإعلان استقلال ساندته الدول الغربية وتخلفت عنه الدول العربية.
فكما لو أن الهبّات الشعبية التي اشتعلت في كل عاصمة وحملات جمع التبرعات التي قادتها مؤسسات خيرية وحكومية عربية ومواقف التنديد والشجب والاستنكار للمجازر التي تعرض لها أطفال ونساء كوسوفو كانت يومها لشعب غير هذا الشعب، مفارقة تثير التساؤلات المقلقة وتكشف عن ازدواج في المواقف السياسية العربية، التي سريعا ما تستثار وتطلق العنان لعواطفها تماهياً مع المواقف الشعبية الغاضبة تجاه القضايا الدولية.
فالهبّات الشعبية والرسمية العربية لم تتخلف عن أزمة لها ارتباط بالإسلام والمسلمين في العالم فمن الصومال إلى البوسنة فالشيشان وكوسوفو قامت الدنيا ولم تقعد في عالمنا العربي فامتلأت مخازن التبرعات بشتى أنواع العطايا من الحلي حتى أقلام الرصاص، لكن الجمع ينفضّ بمجرد زوال الأزمة ويخفت الصوت العربي الذي كان مدويا .
وهو يصرخ: واكوسوفاه بمجرد تحول الأزمة إلى مسارات المؤسسات الدولية وتدخل الأطراف الغربية التي كانت أول المطالبين باستقلال كوسوفو وأول المعترفين بهذا الاستقلال، ومن هنا تكمن أهمية الاعتراف الإماراتي بهذه الدولة الوليدة، فالمساعدات الإنسانية والوقوف إلى جانب شعب يمر بمحنة ليست سلوكا أو موقفا مناسبتياً.
بل هي ثوابت نابعة من بعد نظر السياسية الخارجية لدولة الإمارات التي تستند إلى مبادئ المنظمة الدولية ومنها حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو الموقف الذي أكدته الجمعية العامة للأمم المتحدة حينما أعلنت اعترافها بجمهورية كوسوفو التي اعترفت بها حتى الآن 50 دولة بالتمام والكمال، وباستثناء وعود بالاعتراف من عدد من دول الخليج العربي.
فإن الدول العربية التي كانت وسائل إعلامها تقيم الدنيا ولا تقعدها أي نواح على كوسوفو لم تحرك ساكنا، فيما تقف جامعة الدول العربية صامتة وهي التي ذهب بعض أعضائها بعيدا ووقفوا موقف الرافض لهذا الاستقلال تماهيا مع مواقف كل من صربيا وروسيا.
ومرة أخرى يرفع استقلال هذا البلد الأوروبي المسلم الغشاوة عن السياسة الخارجية الرسمية للنظام العربي التي لا تكاد تفهم في سياقات ما يدور في العالم اليوم وهو ما يضاعف من اهتزاز الثقة في الخطاب الرسمي الذي بات يرقى إلى الازدواجية الواضحة في غياب تفسيرات مقنعة للجماهير المحتارة بين خطابات الأمس وصمت اليوم.
محمد الهادي الحناشي