تحدث أحد أحفاد الأب الروحي للعقيدة الشيوعية كارل ماركس قائلاً في إحدى المرات : «ليت جدي قضى حياته في جمع رأس المال بدلاً من الكتابة عنه». ولو قيض له التحدث ثانية لأعاد النظر في كلامه هذا بعدما تناقلت وسائل الإعلام أخباراً عن ازدياد مبيعات كتاب ماركس الشهير: «رأس المال» في أعقاب الأزمة التي ضربت الاقتصاد العالمي مؤخراً في مفارقةٍ مضحكة اختلطت فيها مفاهيم الشيوعية بمبادئ الرأسمالية في تناغمٍ يبدو قدرياً.
مع انتهاء عقد الثمانينات ومطلع عقد التسعينات في القرن الماضي، تداعت أركان الشيوعية العالمية كأحجار الدومينو بدءاً من بودابست مروراً بصوفيا وبوخارست وانتهاءً بحضن البروليتاريا الدافئ موسكو، ومع انكشاف القناع عن وجه الستار الحديدي العاجز عن الارتقاء بعملية التنمية والتطوير ومجاراة دول الغرب الرأسمالي في التكنولوجيا والحداثة الإدارية. ظهر العديد من المفكرين والمنظرين بشروا الإنسانية جمعاء بانتهاء التاريخ وانسداد أفق الإيديولوجيا بعد انتصار الأفكار الليبرالية الرأسمالية على منافستها الاشتراكية الشيوعية بالضربة القاضية بصورة لا تقبل الشك داعين إلى التسليم ب«حتمية» تسيد اقتصاد السوق على أنماط حياتنا ومعيشتنا.
ولكن ومع الانهيار غير المسبوق الذي اعترى ساحات المشهد المالي العالمي، برزت تساؤلات كثيرة وتشكيك مشوب بنوعٍ من الشماتة من يساريي الأمس حول جدوى الحديث عن صلابة النظام المالي الرأسمالي الدولي إثر سقوط شرعية مؤسساته المالية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذين طالما أذاقا الدول النامية كؤوس الإذلال المالي وهما يفرضان شروطهما المجحفة بحق تلك الدول مقابل إقراضها من «حسنات» أحفاد آدم سميث.
فهل حقاً تبدو الرأسمالية اليوم على المحك ونحن نرى حلفاء الولايات المتحدة وقد سارعوا إلى التنصل من المسؤولية عن الأزمة الراهنة ؟، لم يكن أدلها تصريح رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون والذي ينظر إليه على أنه «المخلص» الذي حفظ ماء وجه الرأسمالية حينما حمل «استهتار» الولايات المتحدة المالي المسؤولية.
هل حقاً يمضي العالم في طريقه نحو تشييع اقتصاد السوق إلى مثواه الأخير؟. من المؤكد وسط عواصف الانهيارات البنكية بأن وحش الرأسمالية المنفلت من كل عقال قد تعرض إلى ضربة لم يعد بوسع الليبراليين معها التغني بفوقية شعار «دعه يعمل... دعه يمر» بالحماسة ذاتها في وقتٍ تبدو فيه تلك الأزمة عصية على الفهم من قبل جيوش المودعين من أفراد الطبقات الوسطى في مختلف دول العالم حول أسباب وماهية تلك المأساة التي كشرت عن أنيابها فالتهمت مدخراتهم ورمت بهم خارج منازلهم.
أزمات سابقة
حري القول انها ليست المرة الأولى التي يعاني منها النظام الرأسمالي من أزمة تضعضع أساسات منزله الكبير. فقد كان تعرض في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ومع إرهاصات الثورة الصناعية إلى فترة «الكساد الطويل» التي استمرت نحو 23 عاماً ومن بعدها إلى «الكساد العظيم» لمدة عشر سنوات في ثلاثينات القرن الماضي والسبب في تلك الأزمات مجتمعةً هو عجز الأفراد عن شراء ما أنتجوه وعجزهم عن دفع أقساطهم وفوائدها وطبعاً وراء ذلك الكثير من الجشع الرأسمالي المشهود.
ففي حين أوجد تطور قطاع التسهيلات المالية أنماطاً معينة وباهظة التكاليف من الخدمات والمعيشة في المجتمعات الرأسمالية دفع ذلك بشركات التأمين والمصارف بوصفها الوسيط بين المودعين وطالبي القروض إلى الاستثمار في سوق العقارات الذي ازدهر مع النمو السكاني المضطرد في تلك المجتمعات دون أن يتحقق سماسرة العقارات أو حتى المصارف نفسها.
فيما إذا كان طالبي القروض العقارية قادرين على تسديدها لأن الأموال كانت بكل بساطة أموال عملائها من المودعين. وهنا بدأت المشكلة الحقيقية عندما بدأت المصارف الاستثمارية بتجميع هذه القروض التي لا أمل في تحصيلها وحصرها على شكل سندات دين بضمان القروض العقارية نفسها بعدما وصلت إلى مرحلة باتت فيها تصرف أكثر مما تقبض.
سوق الألاعيب
وجاء الانخفاض الكبير في سوق العقارات في الولايات المتحدة وأوروبا لينزع ورقة التوت ويكشف ألاعيب المصارف التي انعدمت ثقتها ببعضها البعض نتيجة ذلك فأشهرت تلك التي تورطت بتمويل القروض أو بشراء سندات الدين المرهونة بها إفلاسها وانهارت واستغاثت بحكوماتها مثل «ليمان برذرز» الأميركي رابع أكبر مصرف استثماري في الولايات المتحدة.
كما يتضح ذلك أيضاً كمثالٍ جلي بوضع الحكومة الأميركية يدها على شركتي «فاني ماي» و«فريدي ماك» اللتين تضمنان قروضاً سكنية بقيمة تريليونات الدولارات وتقييدهما تحت «الحجز الفيدرالي».
وبتوصيف آخر للأزمة، تضعف هذه الكارثة من توجهات البنوك نحو الإقراض بسبب شح السيولة وانعدام الثقة وسط تزايد الطلب عليها من قبل الزبائن في الوقت ذاته، لينعكس ذلك تالياً بشكلٍ سلبي على قدرات الاستهلاك والقوة الشرائية ما يؤدي بدوره إلى انكماشٍ اقتصادي حقيقي وصولاً إلى مرحلة الكساد التي تؤدي إلى زيادة معدلات البطالة وسقوط مؤشرات البورصات، كما شهدنا جميعاً، في دوامةٍ متكررة تكاد لا تنتهي.
وكم يبدو التناقض مثيراً للاستغراب ونحن نرى مهد الثورة الرأسمالية الصناعية، بريطانيا، تسارع إلى الإعلان عن تأميم مصارفها بعدما كانت شنت حرباً ضروس على مصر العام 1956 لتأميمها قناة السويس، لتلحق بركبها سيدة الرأسمالية الليبرالية المعاصرة، الولايات المتحدة.
التي بادرت إدارتها الراحلة في البيت الأبيض إلى ضخ الأموال في المؤسسات المالية من خلال شراء حصص من الأسهم وطرح خطة إنقاذ مالي بقيمة 750 مليار دولار خصص ثلثها لشراء الديون الميتة من المصارف على الفور. وكانت سبقتهما دول أوروبية عدة ضخت المليارات في مصارفها وأممت جزءاً منها في مسعى لتدارك انهيارات محتملة في بنيان اقتصاداتها.
مهاتير أول من هاجم
كان رئيس الوزراء الماليزي الأسبق مهاتير محمد من أوائل من هاجموا أنانية اقتصاد السوق عندما اتهم من وصفهم في خطابٍ شهير ب«مضاربين قساة القلوب» بتدمير عملة بلاده وركل اقتصادها نحو شفير الهاوية قبل أكثر من عقدٍ من الزمن في خضم الأزمة المالية التي ضربت نمور آسيا الورقية آنذاك والتي اتهم المضارب الأميركي المعروف جورج سوروس بالوقوف ورائها.
واليوم، تجد الليبرالية الرأسمالية نفسها مضطرة إلى إعادة حساباتها وضبط سلوكيات مؤسساتها المالية ولجم حصان عربتها المنطلقة على حساب أحلام الطبقات الوسطى ممن دهستهم عجلات الربح السريع. أما شبح ماركس الذي يخيم فوق رؤوس مراكز صنع القرار المالي في الغرب في هذه الليالي العصيبة.
فقد يبقى مطلاً برأسه لفترةٍ وجيزة إلى أن تصحا واشنطن ونيويورك ولندن وباريس من كابوس الاشتراكية، ولكن لن يكون بإمكانه الأخذ بزمام المبادرة من جديد رغم زلزال عدوته الأخير لمرونة النظام الرأسمالي نفسه والقادر على التسلل من أي أزمةٍ تصيبه من جهة، ولاضمحلال دور الطبقات العاملة في الغرب في مواجهة برجوازية من نوع جديد نهمة لمتطلبات الليبرالية الحديثة يتغذى عليها اقتصاد السوق ويغذيها.

