من رحم الأزمات تولد الأحلام. وفي خضم الخطب تبرز الحلول الخلاقة. يقال إن الأمم الحية تنجب في لحظات مدلهمة من تاريخها شخصيات كاريزماتيكية لقيادتها فوق قمم جبال البراكين التي تنثر حممها في وجه مبادئها.

وهكذا كان وصول باراك أوباما الأسود إلى البيت الأبيض دليلاً متجدداً على صحة النظام المؤسساتي الذي يتقاطع مع أزماته ليعيد صياغتها ويواجهها بقبضةً من حديد بدلاً من أن يهرب إلى الأمام وينكر في نرجسية ملائكية عيوبه ونواقصه.

مرت الولايات المتحدة بعدة أزمات مالية طوال القرن الماضي وحالات كساد وركود لم تكن أقل ضراوةً من الفوضى التي شهدتها بورصة وول ستريت في الآونة الأخيرة وتعرضت إلى خسارات أثبتت معها مرونة نهج اقتصاد السوق وحيويته خاصةً إن علمنا أن ما خسرته الخزانة الأميركية في بضعة أسابيع من تريليونات الدولارات يعادل بجردةٍ حسابية بسيطة الناتج الإجمالي المحلي للدول العربية في حولاً!

أما العرب فبدوا، كعادتهم، الغائب الحاضر على مسرح الأزمات العالمية. وكان من البديهي أن تنال أسواق المال الخليجية على وجه الخصوص حصة الأسد من وليمة الزلزال لكونها الأكثر انفتاحاً وتفاعلاً مع الأسواق العالمية، في حين يممت الهزات الارتدادية شطر وجهها نحو اقتصادات الدول العربية الموجهة والمخططة والمنغلقة على نفسها والأقل ديناميكيةً كسوريا وليبيا والسودان على سبيل المثال.

قيل الكثير عن سقوط نظرية نهاية التاريخ وانهيار الرأسمالية المخزي وتداعى المنظرون ليطلقوا صيحاتٍ من هنا وهناك تسدي النصائح إلى واشنطن وتنعى أيقوناتها المالية وتهيل تراب الشماتة على الإدارة الأميركية الراحلة التي تحملت وزر أخطاءٍ متراكمة لم يكن لها بطبيعة الحال اليد الطولى في خلقها وتنشئتها.

إذن، يمكن اعتبار الأزمة المالية الراهنة بكل مسبباتها حدثاً طبيعياً ضمن صيرورة تاريخ مالي للرأسمالية قادر على تجديد نفسه قدر له أن يصاب بطارئ صحي كل مئة عام في وقتٍ تبرز فيه أمامنا أمثلة فارقة لإمبراطوريات أخرى كالاتحاد السوفييتي اجتاحتها أزمات مالية وقف أمامها نظامها المالي الفاقد لخاصية إطلاق المبادرات مكبل الأيدي مستسلماً لها وملقياً بتبعاتها على «مؤامرات الأعداء» بدلاً من أن يعمل على فهم الحالة وإيجاد الحلول المناسبة لها.

لا يعني هذا على منوال آخر خلو النظام الرأسمالي من الشوائب والسلبيات التي اعترت مسيرته كإشاعة هستيريا الجشع وقيم عبادة المال و«تشييء» الإنسان واختزاله إلى ما يشبه الآلة. ولكن أحداً لم يتوصل حتى الآن إلى ابتكار نظامٍ «أقل سوءاً» من الرأسمالية لإدارة الاقتصاد العالمي والبحث عن الفرص الاستثمارية وخلق مئات الآلاف إن لم يكن ملايين الوظائف بطريقةٍ محفزة لا تغرس روح التواكل على جهاز الدولة كما كانت الحال مع «الإقطاعيات» الشيوعية المندثرة.

إن ما حصل في الشهور الماضية من ضرباتٍ لأسواق المال وتيه عانى منه المستثمرون وطالبو القروض أثبتت مع كل ما نتج عنها من إجراءات ميدانية لإخماد فتيل عواقبها والتي كان آخرها التغيير الكبير الحاصل في تركيبة الحكم في جادة 1600 بنسلفانيا في واشنطن بأن الحلم الأميركي بدأ مع نهاية التاريخ.

رؤوف بكر