قد يبدو وقع مصطلح «أسلمة أوروبا» غريبا على القارئ العربي، لكنه ليس كذلك بالنسبة للقارئ الغربي بمختلف فئاته، بغض النظر عن اختلاف الدوافع والأسباب التي تفرض انتشار المصطلح لدى كل فئة على حدة.
لقد ارتقى الأمر بأطروحة «الأسلمة» تلك إلى تحولها إلى قضية رأى عام، وفي ذلك فإن المتابعة الدقيقة للإعلام الغربي بكافة روافده، تشير إلى مدى انتشار هذا الهاجس الذي يكاد أن يشعر المرء معه بأن «الأسلمة» موضوع الحديث، أصبحت قاب قوسين أو أدنى. غير أن النظرة المتأنية للموضوع تكشف عدم صحة هذه النظرة، وأنها تقدم بشكل يتضمن قدرا كبيرا من المبالغات المتعمدة التي قد تخدم أهدافا سياسية وغيرها وأن الأمر، على صعيد تزايد وجود المسلمين في أوروبا، لا يعدو أن يكون في النهاية سوى نوعا من التفاعل المشترك ستكون نتيجته النهائية أشبه بمباراة غير صفرية.
بمعنى أنها ستمثل خصما من رصيد كل طرف، بما يعني أن كل طرف لن تكون خسارته كاملة، وأن مكاسبه لن تكون شاملة. على نحو يجعلنا نشير إلى أن أوروبا، في التحليل النهائي، لن تصبح مسلمة بأي حال، وإنما قد يتزايد فيها المكون الإسلامي، وأن المسلمين لن «يتأوربوا»، وإنما قد يكتسبوا المزيد من القيم الأوروبية. ويمكن رصد العديد من المظاهر التي تبرر، من منظور أوروبي، الخوف من أسلمة القارة.
مظاهر الخوف من الأسلمة
على صعيد المؤسسة الدينية: في إشارة إلى تعمق هذا الهاجس نجد ذلك التحذير الذي أطلقه بابا الفاتيكان بنديكتوس في قداس أقيم بالعاصمة النمساوية، حذر خلاله من انحسار الهوية المسيحية لأوروبا في ظل انخفاض معدل المواليد وزيادة عدد المهاجرين المسلمين. وقد عزز هذا الموقف السكرتير الخاص للبابا بتحذيره من أسلمة أوروبا وتشديده على ضرورة عدم تجاهل الجذور المسيحية للقارة.
- على صعيد الواقع الشعبي: يبدو جليا في استطلاعات الرأي العام، ومنها ذاك الذي أجراه معهد «بيو»، وأشار إلى أن مناهضة المسلمين وخاصة معاداة الإسلام ازدادت في أوروبا خلال السنوات الأربع الأخيرة.
- على المستوى المؤسساتي: يتبدى ذلك الهاجس بشكل أكثر وضوحا في تأسيس منظمات وجماعات هدفها الأساسي الحيلولة دون ما تعتبره «أسلمة أوروبا»، وفي هذا الصدد نشير إلى المؤتمر الذي كان من المزمع عقده في مدينة كولونيا الألمانية الشهر الماضي تحت شعار مواجهة «أسلمة كولونيا»، وأشرف على الدعوة له قيادات اليمين المتطرف في ألمانيا.
- علي الصعيد الفكري: كان أفضل تعبير عن ذلك، في حدود متابعتنا، الكتاب صدر منذ نحو عامين لبروس باور بعنوان «عندما نامت أوروبا .. كيف يدمر الإسلام المتطرف الغرب من الداخل»، وفيه يصل هوس المؤلف وخوفه من الأسلمة إلى الحد الذي يذهب معه إلى أن أوروبا يمكن أن تنزوي عبر فترة انتقالية إلى حكم كامل للشريعة الإسلامية، وتطبيق كامل لوضع أهل الذمة.
مؤشرات تزايد الحضور الإسلامي
في إطار محاولة رصد القضية، نشير إلى أن المخاوف المشار إليها لا تنطلق من فراغ، وإنما توجد العديد من المؤشرات التي تجعلها مطروحة، وهى مؤشرات تتبدى فيما يلي:
- تنامي الحضور الإسلامي السكاني في دول القارة: ورغم تباين الإحصاءات الخاصة بهذا الموضوع إلا أن أغلبها يتمحور حول تقدير أعداد المسلمين في أوروبا بنحو 15 مليون نسمة، ينحدرون من عائلات من أصول مهاجرة ويعيشون في دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، وعلى المستوى التفصيلي فإنه يعيش في فرنسا وحدها أكثر من خمسة ملايين مسلم.
وحوالي أربعة ملايين في ألمانيا، وحوالي مليون في هولندا. ومما يصب في زيادة الخوف من الحضور الإسلامي في أوروبا الإحصاءات التي تشير إلى أنه خلال عقد من الزمان سيصبح معظم مسلمو البلقان مواطنين في الاتحاد الأوروبي، سواء عن طريق انضمام دولهم إلى الاتحاد الأوروبي، أو بحصولهم هم أنفسهم على جنسية دولة أخرى عضو في الإتحاد الأوروبي.
- اتساع نطاق انتشار العبادات والطقوس الإسلامية: بالطبع فإن الحضور السكاني المتزايد ينعكس في مظاهر دينية عديدة تطبع الحياة العامة في أوروبا على نحو ملحوظ، خاصة في ظل عاملين: أولهما الأهمية التي تطبع حياة المسلمين على صعيد الالتزام ببعض الفروض الدينية.
مثل صلاة الجماعة وصلاة الجمعة وصيام رمضان، فضلا عن قضية الحجاب، وهو أمر يقابله في الوقت ذاته تراجع في أداء الطقوس الدينية المسيحية في أوروبا. وتتيح هذه المفارقة إبرازا أكثر للحضور الإسلامي على نحو يثير المخاوف لدى الكثيرين.
-تنامي ظاهر العنف الجاري نسبته إلى الإسلام: مما عمق الخوف من تنامي الوجود الإسلامي في أوروبا، ظاهرة العنف التي تبذل جهود مكثفة لإلصاقها بالمسلمين وجعلها قاصرة عليهم على النحو الذي يثير الفزع من زيادة أعداد المسلمين في الغرب.
وهنا يتم استدعاء الأعمال الإرهابية التي جرت في لندن ومدريد وغيرهما لتعظيم الخوف من الإسلام، وقد يصل الأمر إلى حد العمل على استثارة المسلمين على نحو يحقق هذا الهدف، بما يوفر مادة لإثارة الفزع بشأن وجودهم في أوروبا، وللأسف فإن ردود فعل بعض المسلمين تصب في خانة تسهيل مهمة هذا الفريق.
مخاوف غير مبررة
غير أنه في مواجهة الطروحات التي تحاول الإشارة إلى أنه لم يعد هناك فكاك من «أسلمة أوروبا»، فإن النظرة المتأنية تكشف عن أن الأمر ليس على ذلك النحو تماما وإنما للعملة وجهها الآخر، الأمر الذي يمكن الإشارة إليه في العناصر التالية:
أولا: من غير الصحيح أن كل المسلمين الذين يعيشون في أوروبا ينضوون تحت الراية الإسلامية، وإنما هناك بعضهم يعملون انطلاقا من أسس مختلفة، تنطلق من ذات النظرة التي يتعامل بها المجتمع الأوروبي مع الإسلام وهى نظرة العداء، وهناك أمثلة عديدة في هذا الخصوص يمكن تقديمها من أبرزها حالة الصومالية إيان هيرسي علي، والتي تشن حربا على الإسلام تتجاوز في ضراوتها تلك التي يشنها غربيون.
وتتحدد أهمية هذا الفريق في الدور الذي سيلعبه لجهة ما يمكن توصيفه بـ «تدجين الإسلام» في الحدود التي تتوارى معها المخاوف الأوروبية، وهو ما قد ينتهي في خاتمة المطاف إلى تقديم ما يمكن اعتباره صيغة أخرى من صيغ فهم الإسلام التي تتضمن التنازل عن الكثير من جوهره.
والمثال الذي نقدمه في هذا الصدد مطالبة وزيرة دولة من أصل تركي في وزارة العدل الهولندية البرلمان بالموافقة على قانون يمنع منح الجنسية للرجال المتزوجين بأكثر من امرأة، فيما يمثل محاربة لأحد مواد الشريعة الإسلامية ورد النص عليها في القرآن.
ثانيا : إلى جانب ما سبق، فإن الكثير من الدراسات التي أجريت بشأن الوجود الإسلامي في الغرب أشارت إلى أن الكثير من المسلمين هناك اندمجوا جيدا في المجتمعات التي انتقلوا إليها. وتبدو أهمية هذه العملية أنها تصب في النهاية لجهة التلاقي مع المجتمع الذي يعيشون فيه.
وهو ما يعني التنازل عن بعض قيمهم وطقوسهم الدينية والأمثلة التي يمكن تقديمها تفوق الحصر، وهو ما يعزز النقطة السابق الإشارة إليها، ويوحي بأننا مقبلون على ما يمكن اعتباره نسخة أوروبية من الإسلام أو «إسلام أوروبي»، لا شك أنه سيكون مختلفا بشكل كبير عما يعكسه المسلمون في مناطق أخرى من العالم.
ويعكس المفكر الهولندي المسلم ـ المصري الأصل ـ طارق رمضان، الفكرة التي نريد الإشارة إليها حيث يذكر أن القضية ليست أسلمة أوروبا، فالمسلمون ليسوا بحاجة لأن يكونوا أقل إسلاما لكي يكونوا أكثر أوروبية، وإنما أن يكون في مقدورهم البقاء كما يريدون هم أن يكونوا وأن يعيشوا مع الآخر.
قد يعكس ذلك جوهر منطق التعايش بين أي ثقافات إنسانية، حيث تتداخل القيم وتقع تأثيرات متبادلة تؤدي في أغلب الأحيان إلى إنتاج ثقافة ثالثة، غير أن ذلك المنطق، حال الإقرار به، إنما يقوض المخاوف التي تجرى محاولة تضخيمها بشأن «أسلمة أوروبا».
ويشير إلى أن القضية في النهاية قد لا تمثل فقط خصما من الرصيد الأوروبي وإنما أيضا من الرصيد الإسلامي، ما يكشف عدم صحة الضجيج السائد في الغرب حول القضية وغياب المناقشة الموضوعية والهادئة لها، لأسباب قد لا تخفى على المتابع لملف العلاقات الشائكة بين العالم الإسلامي والغرب.
مشكلة التركيبة
مما يزيد من الهواجس الأوروبية تجاه المهاجرين بشكل عام والمسلمين بشكل خاص، الإحصاءات المستقبلية المتعلقة بالتركيبة السكانية لدول القارة خلال العقود المقبلة، وفي هذا الصدد أشارت إحدى الدراسات على سبيل المثال إلى أن حوالي 45% من سكان أمستردام عام 1999 كانوا من أصول أجنبية، وهى نسبة يتوقع ارتفاعها بحلول عام 2015 إلى 52%.
معظمهم من المسلمين، خاصة في ضوء أن المهاجرين المسلمين لديهم عامة معدلات مواليد أعلى من السكان الأوروبيين المحليين. كما أنه من المتوقع أن يرتفع عدد المسلمين لكي يمثلوا ما بين 20 إلى 90% من تعداد السكان في بعض أحياء المدن في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطالي وأسبانيا.
الثاني في فرنسا
أشارت نتائج استطلاع نشرته صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية إلى أن نسبة المسلمين في فرنسا تسجل ارتفاعا كبيرا على نحو يجعلهم أصحاب الديانة الثانية في البلاد، وأنهم أكثر الفئات التي يقيم أفرادها شعائر دينهم، بينما تسجل نسبة حضور الكاثوليك إلى الكنيسة انخفاضا وضعفا، خاصة في ظل ضعف الشعور بالانتماء إلى الكاثوليكية من جانب أتباعها.
وينعكس ذلك في حالة غضب من قيام المسلمين في الخارج بالإفصاح عن عقيدتهم علنا، خاصة إزاء حالة الكراهية التي يكنها الأوروبيون أنفسهم لديانتهم الأصلية وشعورهم بالارتياح إزاء انزواء الطقوس الدينية إلى خارج نطاق الحياة الملموسة لهم.


