شئنا أم أبينا فقد أصبح الوجود الإسلامي في أوروبا مشكلة للغرب، يبحث عن سبل التعامل معها دون جدوى حتى الآن على الأقل. وتتعدد مظاهر تلك المشكلة على النحو الذي نعرض له في سطور الموضوع المنشور على هذه الصفحة، وكذا طرق التعاطي معها.

بما يشير إلى أن أساليب التعامل مع هذه القضية يفاقم منها ولا يحلها. ما يهمنا في هذه العجالة الإشارة الى فكرة محددة تتطلب نهجا مغايرا في النظر للقضية، وتتمثل فيما ذهب اليه البعض في الغرب ذاته من تواري مفهوم «الآخر» مع التطورات المعاصرة التي فرضت حالة من السيولة في الحركة أدت الى ما يمكن اعتباره خلطا بين المجتمعات. وحسب هذا الفهم فإن المسلمين لم يعودوا هم ذلك الآخر الذي كان يجرى الحديث عنه بهذه الصفة بالنسبة للغرب، وإنما أصبحوا بين ظهراني الأوربيين أو الغربيين بشكل عام.

ويتطلب الإقرار بذلك، وهي حقيقة ماثلة لا يمكن لأحد أن ينكرها، التعامل مع الأمر على هذا النحو، بشكل يعزز قيم التعايش المشترك، وليس الصراع. ومع الأخذ في الاعتبار بعض الحزازيات التي يطرحها الوجود الإسلامي في الغرب لجهة تزايد المسلمين هناك على نحو يشعر معه الغربيون بتحولهم الى أقلية، إلا أنه ينبغي النظر إلى ذلك الوجود على أنه ليس شرا خالصا .

كما تسعى الكثير من الجهات إلى الترويج لهذا التصور، كما ينبغي على صعيدنا الإسلامي الإقرار بأن الغرب ؟ رغم كل المساوئ التي نرميه بها وقدر منها يتسم بالصحة ؟ قدم لمسلمينا مناخات من الحرية الدينية قد لا تكون توافرت لهم في بلدانهم.

على خلفية هذا النوع من الفهم قد يؤتي العيش المشترك بين المسلمين الوافدين من أقطارهم، عربية وغير عربية، والأوروبيين ثماره ويحل محل الصراع الذي تسيد تاريخ العلاقات بين الطرفين. مع الإقرار بأن هذه الرؤية التي تعبر عن قدر كبير من النوايا الحسنة قد لا تجد طريقها ممهدا بسبب صعوبات ستصادفها لدى عناصر مختلفة من الطرفين يهمها استمرار مناخ العداء رافضة مفهوم التوافق فيما يمكن التوافق بشأنه والإقرار بحرية الآخر فيما يسود الخلاف بشأنه.

وفي هذا الصدد فإنه اذا كان لنا أن نتذكر بالأسى الهجمة الفرنسية على الحجاب، فإنه ينبغي لنا أن نوجه الشكر لأهالي كولونيا على انتصارهم لمسلميهم في مواجهة الهجمة الشرسة من قبل اليمين المسيحي الديني. وإذا كان مطالبون من الغرب بتفهم مناخ الحرية الذي وصلوا إليه، فإنهم مطالبون كذلك بتفهم حيوية مفهوم مثل عذرية الفتاة في السياق الإسلامي، وأهمية الحرص على صيام رمضان من قبل المسلم.

وإذا كان ينبغي على مسلمي الغرب التخلي عن اتخاذ عقلية الضحية، على حد توصيف صديق خان النائب المسلم في مجلس العموم البريطاني، فإن الغرب ينبغي عليه التخلي عن عقلية استثارة المسلمين لإثبات صحة فرضيات وضعها مسبقا. ليست هذه روشتة للعلاقات وإنما محاولة لرصد بعض تشابكاتها علها تجدي في تجاوز مناخ العداء الذي يكاد أن يكون قد تربع واستقر في عقول الطرفين.

مصطفى عبدالرازق