جعل عبد الخالق ورفاقه يعطون لحزبهم في البداية الاسم ذاته الذي اختاره شيوعيو ذلك التنظيم المصري لحزبهم. فصار الحزب السوداني في البداية يحمل اسم الحركة الديمقراطية السودانية للتحرر الوطني. ولهذا الاسم دلالة ذات أهمية.
فقد كان ذلك الاسم يعبر، بوعي، كما أشرت إلى ذلك قبل قليل، عن اقتناع الشيوعيين السودانيين والمصريين بأن برنامجهم هو برنامج تحرر وطني وليس برنامجاً اشتراكياً، بالمعنى الدقيق للكلمة، وذلك تطابقاً مع شروط وظروف بلدهم. وفي الواقع فقد ارتبط نشوء الحزب السوداني بالتطور الذي كانت تشهده الحركة الوطنية التي كانت تطالب باستقلال السودان، بصفتيه القوميتين العربية والإفريقية، ولصفتيه الدينيتين، الإسلامية والمسيحية. فالحزب السوداني، بهذا المعنى، هو وليد شرعي لتلك الحركة الوطنية الاستقلالية.
بل ان قادة الحزب قد اعتبروا أنفسهم، في المرحلة التي أعقبت حصول السودان على الاستقلال، أمناء على استكمال المهمات التي تبنتها تلك الحركة الريادية، والالتزام بأهدافها وبشعاراتها، التي لا تقف عند الحصول على الاستقلال، بل تتعداه إلى تحقيق الحرية والتقدم للشعب السوداني.
وكان من أهم ما أشارت إليه تلك السياسة الرشيدة للحزب السوداني تشكيل الجبهة المعادية للاستعمار، التي خاض الحزب باسمها أول معركة انتخابية في ظل الاستقلال، وأرسل إلى البرلمان المنتخب أول نائب شيوعي سوداني هو حسن الطاهر زروق أحد قادة الجبهة المشار إليها.
وكان هذا النائب هو النائب الشيوعي العربي الرابع بعد خالد بكداش، الأمين العام للحزب الشيوعي السوري الذي انتخب في عام 1954 نائباً عن دمشق، والنائبين الشيوعيين الأردنيين يعقوب زيادين وفائق وراد اللذين وصلا إلى قبة البرلمان في انتخابات 1956.
مر الحزب الشيوعي السوداني بقيادة عبد الخالق محجوب في عدة مراحل في تطوره. كان يرتقي فيها ويتقدم إسهامه في الحركة الوطنية الديمقراطية السودانية، منذ معركة الاستقلال، استمراراً وتواصلاً ضد عهود الدكتاتورية التي أرسلت إلى السجون والقبور الكثير من الشيوعيين وفي مقدمتهم محجوب بالذات.
كما شهد الحزب في تطوره هزات عديدة، وانقسامات، ومحاولات انقسام، وحملات تشويه لتاريخه ولمواقفه، ولاستقلاليته السياسية. إلا أن عبد الخالق كان يحاول، في التقارير التي كان يقدمها إلى مؤتمرات الحزب وإلى اجتماعات لجنته المركزية، أن يركز على القضايا التي كان يعتبرها في اللحظة الزمنية ذات الاهتمام الأكبر، سواء منها ما كان ذا طابع فكري، أو ذا طابع سياسي، أو ذا طابع تنظيمي.
لكن الاهتمام الأكبر في كل تلك الاجتماعات والمؤتمرات، وفي تقارير محجوب المقدمة إليها، كان يصب في مسألتين أساسيتين: المسألة الأولى هي المسألة المتصلة بدور الشيوعيين في النضال لاستكمال تحرر السودان وتعزيز استقلاله، وذلك تحت شعار الثورة الوطنية الديمقراطية، التي كان يريد الحزب أن يقودها الاتحاد الوطني الديمقراطي.
المسألة الثانية هي المسألة المتصلة بالنضال في صفوف العمال والمزارعين، وتحويل حركة جماهير هاتين الطبقتين إلى قوة سياسية واعية، في اتجاه الإسهام في المعركة الوطنية الأساس، التي تحمل عنوان الثورة الوطنية الديمقراطية. لكن عبدالخالق كان يعطي، في العديد من كتاباته، دوراً للعمل الفكري، باسم الماركسية اللينينية (ماركسية ذلك الزمان)، دفاعاً عن الخيار الاشتراكي للحزب، من جهة، وإسهاماً منه، من جهة ثانية، في إدخال الوعي في أوساط الجماهير بعامة.
وفي أوساط النخب الثقافية وفي أوساط الشباب وطلاب الجامعات على وجه الخصوص، في مواجهة الأفكار الرجعية على اختلاف مصادرها، بما فيها الأفكار السلفية المشوهة للإسلام، التي كانت تبثها قوى في السلطة، وفي خارجها وعلى تخومها، وقوى خارجية من المحيطين العربي والإفريقي.
هكذا تعرفنا
لم أتعرف إلى عبد الخالق محجوب إلا في أواخر ستينات القرن الماضي، رغم أنني كنت قد زرت السودان ثلاث مرات. الزيارتان الأولتان في العام 1954 كانتا بمهمة أممية. إذ كنت مكلفاً من قبل اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي، الذي كنت أحد قيادييه مقيماً في مركزه الأساس في بودابست، بالتحضير في البلدان العربية لمؤتمرين كان الاتحاد يتهيأ لعقدهما، الأول في بكين والثاني في فيينا.
لكنني تجاوزت يومذاك مهمتي تلك في تلك الزيارة لأتعرف إلى الحزب الشيوعي السوداني وإلى الحركة الديمقراطية السودانية، وإلى تاريخ هذا البلد العربي الإفريقي، وإلى خصوصياته الإثنية والدينية والثقافية. وكان دليلي إلى تلك المعرفة صديقي التيجاني الطيب، أحد المؤسسين الأوائل للحزب الشيوعي السوداني مع عبد الخالق محجوب.
أما الزيارة الثالثة فقد تمت في عام 1969 برفقة صديقي جورج البطل للمشاركة باسم الحزب الشيوعي اللبناني في المؤتمر العالمي للتضامن مع شعوب المستعمرات البرتغالية. التقينا بالعديد من قياديي الحزب ومن قادة الأحزاب السياسية السودانية.
لكننا لم نلتق بعبد الخالق محجوب، ربما لأنه كان خارج البلاد. غير أن تعرفي إلى عبد الخالق حصل في موسكو في صيف 1969 خلال انعقاد المؤتمر العالمي للأحزاب الشيوعية. وقد غادر عبد الخالق موسكو يومذاك على عجل لدى سماعه نبأ نجاح الانقلاب العسكري الذي قاده جعفر النميري، وشارك فيه عدد من الضباط الشيوعيين ومن أصدقائهم في القوات المسلحة.
انشقاقات
دعيت في ربيع 1970 للمشاركة في الملتقى الفكري الذي نظمه النميري، وقاده منصور خالد وزير الشباب في حكومة الانقلاب. وكان قد حصل الانقسام في صفوف الحزب الشيوعي، بين تيار مؤيد لسياسة النميري ولطموحاته الفردية، وكان هذا التيار مشجعاً من قبل الاتحاد السوفييتي، وبين تيار يمثل الرعيل الأول في الحزب بقيادة عبد الخالق محجوب، الذي كان يرى مظاهر خلل في سياسة النميري.
خلل كان يبعده عن الخط الوطني الديمقراطي الذي كان في أساس الأهداف السياسية للانقلاب. ومن المعروف أن الحزب الشيوعي السوداني كان في أدبياته يعلن رفضه للانقلابات العسكرية. إذ كان يعتبر أن الإضراب السياسي هو الوسيلة الديمقراطية لإحداث التغيير.
لكن الحزب كان يرى في انقلاب النميري، الذي شارك فيه الضباط الشيوعيون وأصدقاؤهم، وجهاً آخر للانقلابات مختلفاً عن السائد منها في البلدان العربية والإفريقية. إذ ان الحركة داخل القوات المسلحة كانت مدعومة من الحركة الشعبية. إلا أن الوقائع سرعان ما أثبتت لقيادة محجوب ورفاقه خطأ ذلك التقدير منهم لانقلاب النميري.
كان الوضع في الحزب وفي البلاد خلال تلك الزيارة ينذر بأخطار قادمة. وإذ لبيت دعوة الوزير منصور خالد مع الزعيم الوطني كمال جنبلاط للمشاركة في ذلك الملتقى الفكري، فلأنني أردت أن أرى عن كثب تلك التطورات التي كانت تجري في السودان، لا سيما أن حزبنا الشيوعي اللبناني، كان قبل ذلك التاريخ بثلاثة أعوام، قد شهد أزمة حادة، كان العنصر الأساسي في تفجرها التدخل السوفييتي الفظ في شؤون الحزب لتغيير مواقفه وفق السياسة الرسمية للاتحاد السوفييتي.
في تلك الزيارة توطدت علاقتي بعبد الخالق. وكانت قد ربطتني علاقة قديمة بمحمد إبراهيم نقد، الأمين العام الحالي للحزب، الذي اختير لهذا الموقع بعد استشهاد عبد الخالق. كما كانت تربطني علاقة صداقة مع عدد آخر من قادة الحزب القدامى والجدد.
كان مطلوباً مني أن أرأس اللجنة الخاصة بدور الجيوش في ذلك الملتقى، وأن أقدم مداخلة أفتتح بها النقاش. إلا أنني اتفقت مع عبد الخالق أن أرافقه إلى خارج الخرطوم لنشارك معاً في ندوة فكرية. فأعددت مداخلتي للندوة، واتفقنا على موعد الانطلاق هرباً من تلك المهمة الصعبة التي كان عليّ أن أواجه بها.
من خلال رأيي السلبي بدور الجيوش، موقف المؤيدين لذلك الدور في صفوف التيار الشيوعي الموالي للنميري والموالي للسوفييت، أصحاب الرأي الإيجابي في دور الجيوش في بلدان العالم الثالث.
وفي الوقت الذي كنت أستعد لاستقبال عبد الخالق في الفندق والذهاب معه إلى الندوة المشار إليها، تلقيت من مكتب النميري اتصالاً هاتفياً يذكرني بأنني سأرأس الجلسة المذكورة، وأن عليّ أن أقدم مداخلة أفتتح بها النقاش، وأن النميري شخصياً سيحضر الجلسة مع عدد من كبار المسؤولين في الدولة وفي القوات المسلحة.
فانكببت على الفور في إعداد كلمتي، وتشاورت في إعدادها مع بعض أصدقائي المصريين، وبالأخص منهم إسماعيل صبري عبدالله. وعندما جاء عبد الخالق أخبرته بذلك الاتصال الهاتفي، فاقترح عليّ الالتزام بالإتفاق مع منظمي الملتقى، معبراً لي عن حرصه ألا أدخل في صراعات داخل الحزب وداخل الدولة. وودعني وأخذ مني المداخلة التي كنت أعددتها للندوة. ولم أره بعد ذلك.
عذاب السجن
تعرض محجوب في حياته للاعتقال والمحاكمة، كقائد شيوعي، مرات عديدة. وكان مثالاً رائعاً للشجاعة، وللثقة بالقضية التي نذر نفسه لها. وكان مطمئناً إلى أن ثقته ستنتصر، حتى ولو كان عليه هو بالذات أن يقدم حياته، كواحد من الأثمان الغالية، لتحقيق انتصار قضيته، قضية الحرية لبلده والسعادة لشعبه التي كانت قيم ومثل الاشتراكية التعبير الأرقى عنها.
كان الانقسام الخطير والحاد، الذي واجه الحزب في ظل قيادة محجوب، في المرحلة التي أعقبت انقلاب النميري في العام 1970، نقطة تحول خطيرة في حياة الحزب وفي حياة محجوب تحديداً. ولم تفلح المحاولات العديدة، من داخل السودان ومن خارجه، في إجراء تسوية تعيد اللحمة إلى ذلك الحزب الذي كان نقطة إشعاع منيرة في تاريخ الحركة الشيوعية العربية.
وكانت لتلك الصعوبات أسبابها في السياسة، أساساً، فضلاً عن نزعات شخصية كانت تبرز في كل الاتجاهات. كان موقف محجوب ورفاقه في التيار الأغلبي في الحزب يريد الحفاظ على استقلالية الحزب عن السلطة المتمثلة بالنميري وبنزعته الفردية والتسلطية التي برزت منذ البداية.
في حين كان يرى الفريق الآخر، الذي كان قد ذهب بعيداً في علاقته مع النميري، في موقع السلطة وفي حواشيها، في تلك الاستقلالية المبالغ بها، من وجهة نظر هذا الفريق، تضييعاً لفرصة متاحة لكي يكون للشيوعيين دور مؤثر في حياة البلاد من موقع المشاركة في حكومة وحكم النميري.
وكان للاتحاد السوفييتي ولعدد من الدول الاشتراكية، ألمانيا الديمقراطية تحديداً، دور مباشر في تشجيع زعماء هذا التيار في موقفهم وفي التشبث به. وقد انتهى الصراع في الحزب، والصراع حول الموقف من السلطة، إلى مرحلة خطيرة، أدت في نهاية المطاف إلى اعتقال عبد الخالق محجوب. لكن محجوب فر من السجن بواسطة عناصر شيوعية في القوات المسلحة.
وفي الوقت الذي كان يفر فيه محجوب من السحن كان يجري الإعداد لانقلاب على حكم النميري، شارك فيه عدد من كبار الضباط الشيوعيين وأصدقائهم. لكن ذلك الانقلاب جاء فاشلاً. وساهمت في فشله الخطة التي وضعت لتحقيقه، من جهة، والتدخل الفظ والمباشر من قبل القذافي والسادات ضد قادة الانقلاب، من جهة ثانية.
وأدى فشل الانقلاب في 1971 إلى إعادة اعتقال محجوب وعدد من قادة الحزب ومن قادة الانقلاب، وأعدموا جميعهم. وكان من بين الذين أعدموا مع محجوب القائد الشيوعي، رئيس اتحاد النقابات العمالية، الشفيع أحمد الشيخ، وجوزيف قرنق، الذي كان قد انضم إلى قيادة الحزب، بصفته أحد رموز الحركة الديمقراطية في جنوب السودان.
نظريات مختلفة
اختلفت الروايات حول دور محجوب وقيادة الحزب في الانقلاب، لكن التقرير الذي وضعته سكرتارية اللجنة المركزية للحزب في يناير من العام 1996، يؤكد أن محجوب وقيادة الحزب لم يعلما من قبل الضباط الشيوعيين بالانقلاب.
وأيا كان الأمر، فإن انقسام الحزب، في ذلك التاريخ، يتحمل المسؤولية عن تلك الكارثة التي دفع الحزب والشعب، ودفعت البلاد، ثمنه الباهظ على امتداد ثلاثين عاماً ونيف. وأدت تلك الكارثة إلى إضعاف دور الحزب، برغم الجهود التي بذلتها القيادة الجديدة التي تولى فيها الأمانة العامة نقد، للتخفيف من نتائجها قدر الإمكان.
كانت تربط محجوب على الدوام علاقة خاصة بمصر وبالشيوعيين والديمقراطيين فيها. فهو قد تكون سياسياً وفكرياً وإنسانياً في مصر. ونشأت بينه وبين قادة ثورة يوليو علاقة صداقة منذ البدايات. وقادته تلك العلاقات إلى علاقة مميزة مع الرئيس عبد الناصر.
لم تقلل من متانتها بعض المواقف النقدية التي ساقها الحزب الشيوعي السوداني ضد بعض سياسات وممارسات الثورة في مصر، وفي السودان. ومن طرائف تلك العلاقة مع الرئيس عبد الناصر أنه حين ذهب إلى مصر لمقابلته، وفق الموعد المحدد له، اعتقلته المخابرات، ولم يفرج عنه إلا بعد تدخل الرئيس عبد الناصر شخصياً.
شخصية عبد الخالق محجوب ستظل واحدة من أبرز الشخصيات التي عرفها السودان في العصر الحديث، وواحدة من أبرز الشخصيات التي عرفتها الحركة الشيوعية واليسارية في العالم العربي.

