شهدت الولايات المتحدة الأميركية انتخابات تاريخية غير مسبوقة في أهميتها لأنها قد تغير خريطة هذا البلد الاستراتيجية، إذ تبدو نتائجها ضبابية رغم أن كل الاستطلاعات تشير إلى فوز مريح للمرشح الديمقراطي، ذي الأصول الإفريقية والإسلامية، باراك أوباما على مرشح الحزب الجمهوري جون ماكين.

وحتى منتصف الليل كان التركيز منصباً على متابعة العامل العنصري الذي يرى المراقبون أنه سيلعب العامل الأهم في الانتخابات المركبة التي تتضمن أيضاً انتخاب ثلث أعضاء مجلس الشيوخ وكل أعضاء مجلس النواب و11 حاكماً.

وعكست النتائج الأولية التي أذيعت قبيل منتصف الليل تقدماً للمرشح الديمقراطي في ست من ثماني ولايات حاسمة، وتحقيقه اختراقاً في ولايات أو دوائر كانت تعتبر مغلقة على المرشح الديمقراطي لعقود طوال مثل فيرجينيا وبلدة ديكسفيل نوتش في ولاية نيوهامشير، ما ينبئ بأن أصوات الناخبين التي سجلت كماً غير مسبوق في الإقبال يمكن أن تحمل أول رجل اسود إلى المكتب البيضاوي في تاريخ الولايات المتحدة، بالتزامن مع تبيان استطلاعات رأي انه يتقدم بنحو سبع نقاط على المستوى القومي.

وحقق أوباما أول فوز له في بلدة ديكسفيل نوتش (ولاية نيوهامشير) التي تفتتح تقليديا التصويت في الانتخابات الرئاسية بعد منتصف الليل مباشرة، وحصل على 15 صوتاً من أصوات الناخبين القلائل بينما حصل ماكين على ستة أصوات. وبهذه النتيجة أصبح أوباما أول ديمقراطي يفوز في هذه البلدة النائية منذ هيوبرت همفري في العام 1968.

وبعد يوم طويل من الترقب انتظاراً لإدلاء نحو 130 مليون ناخب بأصواتهم كانت صناديق اقتراع ولايتي انديانا وكنتاكي الأولى إغلاقاً وتبعتها الولايات الأخرى تباعاً ومن المقرر أن تغلق آخر صناديق الاقتراع في هاواي عند التاسعة صباحاً بتوقيت الإمارات.. وسط إشارات إلى أن المرشح الديمقراطي يتقدم على ماكين في ولايات كافية لفوزه بالأصوات اللازمة للفوز في المجمع الانتخابي وهي 270 صوتاً.

وأظهرت سلسلة من استطلاعات الرأي لوكالة «رويترز» ومعهد زغبي تقدم أوباما في ست من ثماني ولايات رئيسية ومن بينها الجائزتان الكبيرتان فلوريدا وأوهايو، بالتزامن مع توسيعه تقدمه على ماكين إلى 11 نقطة بين الناخبين المحتملين.. في وقت أوضحت شبكة «سي.إن.إن» أنه متقدم بنحو سبع نقاط على النطاق القومي.

كما تظهر استطلاعات الرأي تقدمه أو سيره كتفا بكتف مع ماكين في ثماني ولايات فاز بها جورج بوش الجمهوري في انتخابات العام 2004 ومنها أوهايو وفلوريدا، وبالتالي فإن تحقيق النصر في الولايات التي يفوز فيها الجمهوريون تقليديا ومنها فرجينيا وكولورادو وإنديانا ونورث كارولاينا سيصل بأوباما على الأرجح إلى مقعد الرئاسة في البيت الأبيض.. في حين يتقدم أوباما بارتياح في كل الولايات التي فاز فيها المرشح الديمقراطي جون كيري في انتخابات العام 2004.

ولم يفز الديمقراطيون في الانتخابات الرئاسية بولاية فرجينيا منذ العام 1964 لكن أوباما متقدم فيها بنحو 5 إلى 7 نقاط، بحسب التقارير الإخبارية الأولية.

في المقابل، يحاول ماكين التكيف مع موقفه ويقول إنه يكسب أرضا من أوباما. وختم جولة شملت سبع ولايات بالوصول إلى موطنه في أريزونا في الساعات الأولى من صباح أمس في مسعى لقلب الموازين وتحقيق أكبر مفاجأة انتخابية في التاريخ السياسي الحديث.

ورغم توقع بدء إعلان نتائج الانتخابات في حوالي الساعة الخامسة من صباح اليوم بتوقيت الإمارات إلا أن الولايات الغربية قد تلعب دورا كبيرا هذا العام في الحسم لكن ورود النتائج منها لن يكون ممكناً قبل الساعة السابعة صباحاً.وستتحدد نتائج الانتخابات الرئاسية بناء على نتائج حوالي 12 ولاية أساسية تظهر الاستطلاعات تقدم أوباما فيها.

واظهر استطلاع «رويترز ـ زغبي» أن أوباما يتقدم بفارق اكبر في فرجينيا ونيفادا وبنسلفانيا في حين يتقدم ماكين في انديانا ونورث كارولاينا. وتتعادل الكفة تماماً في ميسوري وهي عادة تحدد الاتجاه لباقي الولايات.

وبحسب ما توفر من نتائج حتى وقت متأخر من الليلة الماضية كانت الأوضاع في الولايات التي تدور فيها المنافسة على النحو التالي:

- كولورادو: بها تسعة أصوات انتخابية. وضعت أحدث أربعة استطلاعات للرأي اوباما في المقدمة بما يتراوح بين أربع وسبع نقاط.

- فلوريدا: بها 27 صوتا انتخابيا. وهي ولاية متأرجحة في العادة بها كثير من الناخبين الأكبر سنا الذين قد يفضلون ماكين إلى جانب ناخبين يهود يصوتون للديمقراطيين في العادة لكنهم حذرون من اوباما. وأعطى استطلاعان اوباما تقدما بفارق نقطة وثلاث نقاط على التوالي في حين اظهر استطلاع حديث آخر تقدما لماكين بفارق نقطة واحدة فقط في الولاية التي تعد إحدى أكبر الجوائز في الانتخابات.

- انديانا: بها 11 صوتا انتخابيا. تحد ايلينوي مسقط رأس اوباما الذي ضخ موارد ضخمة في حملته في انديانا بعدما أنهى الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في مايو ثانيا بفارق ضئيل خلف السيناتور هيلاري كلينتون. واظهر استطلاع رأي «رويترز ـ زغبي» أن ماكين متقدم فيها بخمس نقاط.

- ميسوري: بها 11 صوتا انتخابيا. ولاية تعرف تقليديا بأنها ساحة للتنافس بين الحزبين مع خليط من المدن والمناطق الريفية المحافظة. ويبدو السباق الانتخابي فيها من بين أكثر السباقات احتداما في البلاد حيث اظهر استطلاعان ليل أمس تعادل الكفتين.

- نيوهامشير: بها أربعة أصوات انتخابية. استولى الديمقراطيون على مقعدي الولاية في الكونغرس وسيطروا على مجلسها التشريعي في 2006 في موجة مناهضة للجمهوريين يأمل اوباما ان يستفيد منها. واظهر استطلاع رأي اجري يوم الأحد تقدم اوباما بفارق 11 نقطة.

- نيومكسيكو: بها خمسة أصوات انتخابية. وبوصفه عضو مجلس الشيوخ عن أريزونا المجاورة فإن ماكين مألوف لدى كثير من ناخبي نيومكسيكو لكنه سيتعين عليه خوض قتال مع اوباما من اجل الحصول على أصوات تكتل ذوي الأصول اللاتينية الذين يشكلون أكثر من 40 في المئة من سكان الولاية. واظهر احدث استطلاع للرأي تقدم اوباما بـ 10 نقاط.

- نيفادا: لها خمسة أصوات. السكان من أصل لاتيني الآخذين في التزايد سيكونون حاسمين. وهم يشكلون الآن نحو ربع سكان نيفادا. واظهر استطلاع «رويترز - زغبي» بعد ساعات من بدء التصويت تفوق اوباما بفارق 11 نقطة.

- نورث كارولاينا: بها 15 صوتا انتخابيا. اكثر من خمس سكان الولاية من السود ويعطي تدفق المهاجرين الى المناطق الحضرية المتقدمة تكنولوجيا اوباما فرصة للظفر بالولاية.

وتباينت نتيجة احدث استطلاعين للرأي واظهر احدهما تقدم ماكين بفارق نقطة في حين اظهر الآخر تقدما مشابها لاوباما.

- أوهايو: بها 20 صوتا انتخابيا. لم يفز جمهوري بالبيت الأبيض بدون أوهايو وسيواجه ماكين وقتا صعبا في فوز بدون الولاية.

- بنسلفانيا: بها 21 صوتاً. تغلب كيري على بوش بما يصل إلى 51 في المئة مقابل 48 في المئة في 2004 لكن بنسلفانيا هي واحدة من ولايات قليلة فاز بها كيري يرى فيها معسكر ماكين فرصة لقلب النتيجة. وأظهر أحدث استطلاعين للرأي تقدم اوباما بما بين تسع وعشر نقاط على التوالي.

- فرجينيا.. بها 13 صوتاً. فاز بوش بسهولة كبيرة بفارق تسع نقاط في 2004 في ولاية لم تذهب للديمقراطيين منذ خمسة عقود.

وأظهرت احدث ثلاثة استطلاعات للرأي تقدم اوباما بـ 10 نقاط و11 نقطة و16 نقطة على التوالي.

ويقدر خبراء عدد الذين أدلوا بأصواتهم بما بين 130 مليون ناخب و135 مليوناً مقابل 120 مليون ناخب في 2004 و105 ملايين في العام 2000. ويأمل الديمقراطيون في الاستفادة من هذا الحماس خصوصا بفضل السود الذين يقومون بتعبئة لا سابق لها وراء المرشح الديمقراطي والشبان الذين يقترعون للمرة الأولى.. في مقابل تعويل الجمهوريين على عدد من الناخبين الذين كانوا حتى الأمس مترددين.

وكان المسؤولون عن تنظيم الانتخابات استعدوا لاستقبال عدد غير مسبوق من الناخبين وصفوف حاشدة أمام مراكز الاقتراع ليدلوا بأصواتهم بعد الحملة الانتخابية الأطول والأكثر تكلفة في تاريخ الولايات المتحدة.

يشار إلى أن اسم الرئيس لايتحدّد بالحصول على أكثر الأصوات على المستوى القومي وإنما بأغلبية الأصوات في المجمع الانتخابي أيضا وبه 538 عضوا موزعين على جميع الولايات الـ 50 ومقاطعة كولومبيا بما يتناسب مع تمثيل تلك الولايات في الكونغرس. إذ تمنح كل ولاية ما عدا مين ونبراسكا أصواتهما في المجمع الانتخابي للمرشح الذي يحصل على أعلى الأصوات في الاقتراع الشعبي في الولاية، حيث تقسم أصوات الولايتين وفقاً لدوائر والكونغرس.

11 حاكماً جديداً

وضمن العملية الانتخابية المركبة اختار الناخبون في 11 ولاية حكامهم ما سيؤثر على إعادة رسم الخريطة السياسية الاميركية لسنوات عدة مقبلة. ويوجد حاليا 28 حاكما ديمقراطيا و22 جمهوريا. ومن بين الـ 11 مقعداً التي تجري بشأنها انتخابات يشغل الديمقراطيون ستة مقاعد مقابل خمسة للجمهوريين.

وفيما يلي بعض السيناريوهات المتعلقة بانتخابات الحاكمين في انديانا وديلاوير وميزوري ومونتانا ونيوهامشاير ونورث كارولاينا ونورث داكوتا ويوتا وفيرمونت وواشنطن ووست فرجينيا. ففيما يبدو من المحتمل ان تبقى يوتا ونورث داكوتا في أيدي الجمهوريين، تبدو ديلاوير ونيوهامشاير ومونتانا ووست فيرجينيا مضمونة للديمقراطيين.

ويقول خبراء إستراتيجيون ديمقراطيون إنهم يواجهون معركة للحفاظ على نورث كارولاينا وواشنطن لكنهم يعتقدون ان لديهم فرصة لانتزاع انديانا وميسوري من أيدي الجمهوريين الذين يقولون إن لديهم فرصة جيدة في نورث كارولاينا التي لم يفز بها حاكم جمهوري على مدى عقدين..

وفي واشنطن حيث يخوض المرشح الجمهوري صورة مكررة من السباق الذي خسره بفارق ضئيل قبل أربع سنوات. أما في فيرمونت فيتصدر الحاكم الجمهوري الحالي الذي يشغل المنصب للفترة الثالثة الاستطلاعات لكنه يواجه تحديات من مرشح مستقل قوي وآخر ديمقراطي.

وتحظى النتائج بأهمية لأن كل مناصب الحكام تقريبا ستجري بشأنها انتخابات اعتبارا من الآن وحتى العام 2010 حين تجري البلاد تعدادها السكاني الذي تقوم به كل عقد. ويسجل هذا الإحصاء التغيرات السكانية التي تؤدي إلى إعادة رسم خطوط الدوائر التشريعية.. بما في ذلك المناطق الجغرافية التي ينتخب منها أعضاء مجلس النواب. وتكون هذه عملية حزبية سيلعب فيها الحكام دوراً كبيرا في 2011 حيث يعملون على رسم الخرائط بحيث تعطي حزبهم الميزة في الانتخابات المستقبلية.

واشنطن ـ محمد صادق والوكالات