الحديث مع وزير سابق للدفاع في الولايات المتحدة الأميركية، يعني الدخول في كل قضايا الكون.. بدءاً من السلام المفقود في الشرق الأوسط وصولاً إلى حرب النجوم، مروراً بحروب باردة وساخنة عدة.. وصعوبة الأمر تكمن بالتأكيد من أين تكون البداية، فالأميركيون لهم اصبع في كل قضية كبرت أو صغرت، وتكاد قضايا العالم مربوطة بشكل أو آخر بالبيت الأبيض الذي يستعد خلال ساعات إلى بدء العد العكسي لمغادرة رئيس أشعل من الحروب أكثر مما أطفأ، واستقبال آخر يتمنى كثيرون أن يكون أكثر ميلاً نحو السلام.

الحديث مع وزير الدفاع الأميركي الأسبق وليام كوهين أتى على كل الملفات، بدءاً من توقعاته لشكل الإدارة الأميركية المقبلة، ومن سيقودها: باراك أوباما أم جون ماكين وبدا أنه ميال للثاني الذي يرى أن أمامه فرصة رغم الاستطلاعات التي لم تكن لصالحه إلا ما ندر، مع إعجابه بالأول. وهنا يؤكد أن «الرأي العام الأميركي بات يتقبل رؤية عائلة سوداء في البيت الأبيض»، وإن أقر بأن النزعة العرقية لاتزال موجودة في المجتمع الأميركي وإن أخذت في التقلص.

والأهم، كان الحديث عن قضايا الشرق الأوسط الساخنة: الوضع في العراق، والملف النووي الإيراني. وفي المحور الأول كان كوهين صريحاً عندما لام إدارة الرئيس جورج بوش على سوء حساباتها وتقديرها للأمور.

وبدا متفائلاً من سير الأمور العسكرية في العراق في المرحلة الراهنة وإن ظهر عليه القلق من إمكانية الحفاظ عليها تمهيداً لـ «تخفيض تواجدنا العسكري» إذ أنه من المؤيدين لتخفيف التواجد العسكري في العراق، ويرى أن الخطر الأكبر يكمن في أفغانستان.

وكال كوهين الانتقادات للدرع الصاروخية ولحجم إنفاق إدارة جورج بوش عليها، وكان مؤيداً لبرنامج محدد ضد هدف أو عدو محدد. وأعرب عن اعتقاده أن من الأفضل امتلاك نظام قادر على الهجوم بدلاً من بناء نظام دفاعي فائق التكاليف.

وفي ما يلي نص الحوار الذي دار بين «البيان» ووليام كوهين بدأ من بهو فندق شيراتون الدوحة في العاصمة القطرية، وانتهى عبر الانترنت: ساعات فقط تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة.. أيهما تتوقع أن يكون رئيساً باراك أوباما أم جون ماكين؟

بالنسبة لماكين، عملت معه فترة طويلة في مجلس الشيوخ وكنت من المقربين الذين حضروا حفل زفافه. ولكن باراك أوباما يبدو مثيراً للاهتمام، وهو ذو جاذبية. أنا أعرفهما كما أعرف السيناتور هيلاري كلينتون التي قدمت أداءً جيداً.. وإذا كان عليّ أن أخمن من سيفوز فأعتقد أن ماكين لديه فرصة.

الاستطلاعات على كل حال تظهر تفوقاً كبيراً لصالح أوباما.. قد تكون خطأ، لأن النتائج الحقيقية تعتمد على الناخبين الذين قد يبدلون مواقفهم. الحملة الأميركية أمر غير اعتيادي والأمور تتغير بين لحظة وأخرى بسرعة بسبب موقف أو ربما كلمة خطأ.

هل تعتقد أن الأميركيين يقبلون برئيس أسود؟

الانقسام العرقي لايزال موجوداً لكنه يتقلص بشكل كبير. والاستطلاعات، إن كانت دقيقة، تظهر أن الرأي العام الأميركي بات يتقبل رؤية عائلة سوداء في البيت الأبيض. وهذا بالطبع شيء له مغزى تاريخي كبير. تعرف أنني متزوج من سيدة سوداء ونحن نقود حملة منذ زمن للإصلاح العرقي إن صح الوصف في أميركا، ولدينا نشاط كبير في هذا المجال.

ما الذي يعني الأميركيين أكثر.. الاقتصاد، التأمين الصحي والاجتماع؟

إن العامل الحاسم في هذا السباق الرئاسي هو الاقتصاد في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية التي لا تظهر أي مؤشر على أنها ستنطفئ في القريب.. الأميركيون معنيون بشكل أساسي بالاقتصاد القوي وبعدم فقدانهم وظائفهم.

وأرى أن الضمان الصحي جزء من هذه المنظومة فهناك 47 مليون أميركي لا يملكون غطاء للرعاية الصحية. وهذا الأمر فيه خلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين، هل يعهد به إلى القطاع الخاص أم يجب أن يدار من قبل الحكومة.

ويجب التأكيد أن إنعاش الاقتصاد أمر حاسم ومحوري في الانتخابات. ومع ذلك فالعراق أيضاً سيبقى هاجساً انتخابياً كبيراً، فنحن نصرف ما بين 12 و15 مليون دولار شهرياً على تمويل الحرب في هذا البلد وأفغانستان.

العراق بين الخطأ والإنجاز

بحكم خبرتكم كوزير سابق للدفاع، هل تعتقد أن الإدارة الأميركية تغرق في العراق؟ وما هو حجم الأخطاء؟

أعتقد أن الأميركيين وقعوا في سوء حسابات وتقدير للأمور. ولكن من غير المجدي أن نجتر الماضي ونوزع الاتهامات واللوم.. يجب علينا أن نفكر ماذا يجب علينا أن نفعل الآن؟

وهذا موضوع فيه تباين بين المرشحين للرئاسة المقبلة، فالسيناتور جون ماكين يؤيد البقاء في العراق طالما كان ذلك ضرورياً، والسيناتور باراك أوباما له وجهة نظر معاكسة.. والأمر يحتاج إلى حوار عميق داخل النظام السياسي.

الأمور الحالية في هذا البلد تبدو ماضية نحو التحسن، وآمل أن نتمكن من الاستمرار في تحقيق الاستقرار في البلد.. وإذا فعلاً تحقق ذلك فسنكون قادرين على تخفيض تواجدنا العسكري تبعاً للوضع الأمني الموجود على الأرض.. وبالتالي نحرك مصادرنا نحو ضبط الوضع في أفغانستان.

هل ترى استخدام السياسة التي اتبعتها إدارة الرئيس بيل كلينتون مع العراق في عهد صدام حسين؟

في إدارة الرئيس كلينتون ركزنا على سياسة الاحتواء، وكنا ناجحين فيها. لذلك لم نفكر في غزو العراق. كانت هناك مناطق حظر جوي في الجنوب والشمال، وعقوبات فعالة وقوية، وبالتالي منعناه من أن يشكل خطراً على المنطقة ولم يكن لديه ما يخيفنا سوى استهداف طائراتنا التي تراقب فرض الحظر.. لكن لم نخطط البتة في الغزو.

ولكن الإدارة الجمهورية اتهمت هذا النظام بأنه وراء أحداث 11 سبتمبر 2001 وبدأت التحضير لغزو العراق.. ما رأيك؟

بلا ريب، أنا شخصياً لم أر أي علاقة بين اعتداءات 11 سبتمبر وصدام. قد يكون نظام صدام شكل تهديداً لاستقرار منطقة الشرق الأوسط، ولكنه لم يصل أبداً إلى حد تشكيل خطر أو تهديد لأميركا.. وكان على إدارة الرئيس جورج بوش ألا تأخذنا إلى ما نحن عليه اليوم.

الدرع الصاروخية والردع

ما رأيك في موضوع الدرع الصاروخية.. هل فيه خطأ في التقديرات والدخول في تحد مع الروس؟

لا، هو مشروع قائم منذ عهد الرئيس رونالد ريغان.. والأبحاث تواصلت بعده سواء في عهد الجمهوريين أو الديمقراطيين عندما كنت وزيراً للدفاع.. وبعد مضي 25 عاماً على انطلاقته ما زلت أرى أنه في مراحله الأولى.

إذن، هو مشروع أميركي قومي وليس جمهورياً فقط؟

كان فكرة من رونالد ريغان تقوم على خلق قبة صاروخية افتراضية فوق الولايات المتحدة تمنع تعرضها لهجوم. وحدث له بعض التراجع لكنه استمر وأنا كان رأيي أنه من غير المنطقي نظراً لطبيعة السلاح أن يدار برنامج صاروخي بهذه القوة بشكل جيد من منطلق أيديولوجي.

وأعتقد أنه من الأفضل الاحتفاظ بنظام مؤهل وقادر على الهجوم على بناء نظام دفاعي. وأيدت لسنين طويلة وبالأخص خلال تقلدي منصب وزير الدفاع بناء نظام صاروخي ممدود لمواجهة خطر صاروخي محدد وممدود.. يمكننا مواجهة هذا النوع من الهجوم سواء كان مقصوداً أم عن طريق الخطأ. والفعالية مطلقة إذا كان الاعتداء من دول مثل كوريا الشمالية وإيران ولكن ماذا لو كان هناك استهداف من قبل روسيا أو الصين اللتين تمتلكان ترسانة من آلاف الصواريخ وقد يكون بعضها برؤوس نووية.

أعتقد أن هناك حاجة وطنية لامتلاك إمكانية محدودة ومعروفة الطبيعة والمدى لمواجهة خطر محدد أو طارئ.. وهذا أجده أقرب إلى المنطق. فالأمر قد يتطلب سنوات وأموالاً ضخمة حتى نصل إلى مستوى مواجهة طلقة بطلقة.

نحن نجحنا أخيراً في تدمير الكبسولة الفضائية وهي تهبط نحو الأرض، هذا مثال على ما نقوم به من أبحاث لتمتين هذه الدرع. وما زلت أرى أنه من الأجدى اقتصادياً بناء نظام مراقبة وهجوم محدود بدلاً من بناء نظام دفاعي لأنه من السهل إنتاج وتخزين آلاف الصواريخ ولكن من الصعب إطلاقها.

موازين قوى

نرى اهتماماً واضحاً لك بالصين.. ماذا تتوقع من هذا البلد خلال عقد من الزمن؟

أول زيارة لي إلى الصين كانت في العام 1979، ومنذ ذلك الوقت كنت تحس في أعين الصينيين أنهم يتطلعون إلى دور قوي في المستقبل. وفي إحدى المرات استمعت إلى دينغ شياو بينغ وهو يطرح تصوراته لمستقبل الصين.. وفي الحقيقة لم أتوقع أن ينجح الصينيون في تطبيق نماذجه وتصوراته في هذا الوقت القصير. فأنا أرى خلال أقل من 30 عاماً أكبر تحول في التاريخ.

ومع ذلك أرى أن هناك تحديات كبرى أمام الصينيين، أولها أن نحو 700 مليون شخص يعانون الفقر.. رغم التطور الهائل في بكين وشنغهاي وجوانغجو.

الصين قوة إقليمية كبيرة.. وهي آخذة في البروز كلاعب رئيسي في المشهد السياسي الدولي.

ماذا عن روسيا؟

هي آخذة في استعادة وضعها الدولي بفعل عوائد النفط الكبيرة خلال الشهور الماضية.

هاتان قوتان كبيرتان بالقرب من منطقة حيوية في صلب اهتمامات الولايات المتحدة الأميركية .. كيف ترى مآل الأمور في ظل ملفات متوترة: العراق وإيران.. وهل تتوقع حرباً في الملف النووي الإيراني؟

منطقة الخليج تحقق ازدهاراً كبيراً، لكنها تبقى منطقة هشة، وفيها الكثير من المشكلات ومن العداء.. فالوضع غير مستقر في العراق، وهناك مخاوف لدى دول الخليج من أن تغادر الولايات المتحدة المنطقة بلا مقدمات ما يحمل معه تفجراً للعنف بين السنة والشيعة، وأن العراق سيتفتت. وهناك إيران والقلق من أنها تمضي قدماً في برنامج تسلحي نووي. أما إذا كان هدفهم الطاقة النووية فالروس تعهدوا بدعمهم، ويؤيدونهم عبر توفير الوقود اللازم لإنتاج الطاقة.

لو كنت في موقع وزير الدفاع في أميركا، هل كنت ستوافق على عمل عسكري لإجهاض البرنامج النووي الإيراني؟

لا أعتقد أن العمل العسكري يجب أن يرفع من على الطاولة، ولكن أرى أنه لا يجب أن يكون الحل الوحيد عليها، ويجب أن يكون تحت كل الظروف الخيار الأخير. وأرى أن على الأميركيين المضي حتى آخر المطاف في الخيار السياسي، ولتحقيق هذه الغاية يجب على روسيا والصين أن يمارسا ما يتمتعان به من نفوذ واسع على الإيرانيين الذين أثبتوا حتى الآن قدرتهم على مقاومة مجلس الأمن بنجاح.

ماذا يمكن أن يقدم الصينيون والروس أكثر من تأييد كل القرارات التي يصدرها مجلس الأمن بفرض عقوبات لا تروق لهم أحياناً؟

لديهم وسائل أخرى بحكم العلاقات الجيدة مع طهران، هناك التأثير الاقتصادي. وغير ذلك وهناك طريقان لمعالجة هذا الملف: عقوبات قوية وصلبة، وفي اليد الأخرى عروض اقتصادية بدعم امتلاك الطاقة السلمية. وفي رأيي أن على المجتمع الدولي والدول المعنية بهذا الملف أن تفهم الإيرانيين أن العالم يرى أن سعيكم لامتلاك التكنولوجيا النووية لا فائدة منها.

فدول الخليج الأخرى ترغب في امتلاك هذه التكنولوجيا، وبالتالي سنشهد انفلاتاً للطاقة النووية في منطقة حساسة.. نحن نعرف حاجتكم للطاقة النووية لذا سنجد الطريقة التي تساعدكم على ذلك بطريقة تحفظ الاستقرار في المنطقة.. إذا تعاونتم مع المجتمع الدولي ملايين الدولارات ستضخ إلى اقتصادكم لتنمية بلادكم.

الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط يعني تحقيق التنمية لكل المنطقة، بينما عدم الاستقرار يعني خسارة للجميع.. أميركا ودول الخليج وحتى الصين. ومواصلة إيران برنامجها النووي لا يحقق سوى عدم الاستقرار .

من أقواله

السلام على قمة الأجندة الرئاسية

رداً على اتهام بأن الولايات المتحدة وسياساتها هي الخطر الأكبر على استقرار منطقة الشرق الأوسط، قال كوهين إن الولايات المتحدة تسعى وراء تحقيق السلام. وشدد على أن تحقيق هذا السلام سيكون على رأس أجندة الرئيس المقبل، من أي حزب أتى.

لا تفكير في العمل الحكومي

رداً على سؤال لـ «البيان» عن قبوله العودة إلى العمل الحكومي قال كوهين أنه لا يفكر في ذلك. ولكنه أوضح أن ذلك لا يعني عزوفه عن تعاطي السياسة فهو يشارك في برامج تلفزيونية عدة، وعضو فاعل في مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية سةس.