تمتد موضوعات الحوار بين المشاركين في هذا الكتاب الحواري، إذا صح التعبير، حول طبيعة النظرة الجديدة والمقاربة المبتكرة والمؤسسات المستحدثة التي ستشكل ملامح الساحة الدولية في المستقبل، حيث نتوقف طويلا أمام تأكيد بريجنسكي فقدان مؤسسة مجموعة الثماني مصداقيتها وضرورة إحلال مجموعة ال16 بدلا منها لتضم أهم الأقطار الفاعلة في زمن العولمة.

ويرتبط ذلك بالتشديد على أهمية إصلاح الأمم المتحدة، وليس القفز فوق تجاوزاتها. وهنا يبرز تشديد أطراف الحوار على استمرار الدور القيادي الأميركي للعالم من منطلق أنه ضروري ولكن مع التسليم بأنه دور ينبغي أن يتم من بالإلهام وليس بالإرغام ويلفت نظرنا بشدة أيضا أن أطراف الحوار في غمار تعاملهم مع القضايا التي لابد للرئيس الأميركي الجديد من التعامل معها أنهم يسلمون بأن جانبا كبيرا من الأزمات التي لابد من التصدي لها هي من صنع أيدي الأميركيين أنفسهم، وفي مقدمتها الوضع الراهن في العراق، الذي ينعقد الإجماع على ضرورة الخروج منه، ولكن مع اختلاف محتدم بين التصورات الجمهورية والديمقراطية لآليات هذا الخروج وجداوله الزمنية.

ماذا عن متغيرات النظام الدولي الراهن؟ هذا هو السؤال ـ القضية ـ التي عمد الكاتب الصحافي اجناتيوس إلى طرحه ـ طرحها على ثنائي الفكر والخبرة اللذين يشكلان معا مادة الكتاب الذي نعرض له في هذه السطور في هذا السياق يوضح اجناتيوس: كيف أن المتغيرات التي طرأت على خارطة القوى السياسية المؤثرة في العالم ـ ولاسيما بعد زوال القطب السوفييتي - باتت تقتضي نظرة جديدة ومقاربة مبتكرة بل ومؤسسات ومنظمات متطورة ربما عن منظومة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة لكي تمسك في أيديها مقاليد عالمنا.

من جانبه يرد البروفيسور زبجنيو بريجنسكي موضحا (ص31) أن الأمم المتحدة قد يصعب إضفاء تغييرات جذرية عليها، وخاصة إذا كان الأمر متعلقا بمجلس الأمن ودوره في صون السلم والأمن الدوليين.. ومع هذا كله فأستاذ علم السياسة يرى أن التغيير أمر حتمي وإن جاء بطيئا وئيدا في المراحل المقبلة.. هذا وإلا بدأنا نشهد ـ في رأيه ـ «مؤسسات ظل» على وزن حكومات ظل بمعنى منظمات موازية تنشأ أو تقتضيها متغيرات السنوات المقبلة. من جانبنا نكاد نلمح بين سطور وآراء بريجنسكي رؤية تستشرف بالتوقع الموضوعي ما آلت إليه متغيرات الأحداث.. ما بين ربيع عام 2008 (فترة الحوارات التي نتابعها على صفحات هذا الكتاب) وخريف نفس العام ـ وتحديدا الأيام التي نعيشها حاليا وقد نعاني أحداثها وربما صدماتها في هذه الفترة الراهنة.. بكل ما انطوت عليه من كوارث التمويل وانهيارات المنظومة المصرفية ـ الائتمانية في الولايات المتحدة فضلا عن أصدائها التي ما برحت تتردد سلبا في أرجاء المعمورة.

في ضوء هذا كله يلفت اهتمامنا كقارئين ومحللين عبارات بريجنسكي وهو يستطرد قائلا:إن مجموعة الثمانية (الدول الصناعية ـ الغنية الكبرى) لم تعد تجسد مؤسسة فاعلة أو قادرة على التجاوب مع مقتضيات اللحظة.. لماذا؟ لأنها أصبحت ـ كما يستطرد مستشار الأمن القومي السابق ـ فاقدة المصداقية ولو إلى حد محدود، خاصة وأنها قامت أساسا بوصفها جهازا نابعا من الديمقراطيات التي تقود ـ أو كانت تقود عالمنا.

من هنا يمضي بريجنسكي ليتصور مجموعات ـ مؤسسات.. منظمات بديلة قد نطلق عليها في رأيه وصف مجموعة ال14 أو مجموعة ال16 بحيث تضم أهم الأقطار الفاعلة في زمن العولمة الراهن ومنها أقطار آسيوية مثل اليابان والصين والهند، ومنها أقطار أفريقية يخص بريجنسكي منها دولة جنوب أفريقيا ومنها أقطار لاتينية مثل البرازيل والمكسيك.

تلك هي الاقتصادات الناشئة (ربما باستثناء اليابان) التي بات بوسعها ـ بصورة أو بأخرى أن تؤكد وجودها في إطار شراكة فاعلة ضمن العناصر المؤثرة على دنيا الإنتاج والخدمات في عالم اليوم وهي بالتالي التي تقصدها دعوة ساركوزي رئيس فرنسا ورئيس الاتحاد الأوروبي لكي تشارك في بحث مشاكل النظام الدولي الراهن.

من جانبه يعترف الجنرال سكوكرفت بأن منظمة الأمم المتحدة ليست كيانا نموذجيا أو مثاليا ولكنها في رأيه مازالت المنظمة الوحيدة التي تمس حياة كل طرف في عالم اليوم.. ومن ثم فهو يتصور أهمية إصلاح الأمم المتحدة بدلا من القفز فوقها ومعاودة بدء المسيرة من جديد.

وهو يتصور أيضا جهوداً مضافة قد تقوم بها المنظمات غير الحكومية على مستوى العالم كله.. ويتصور بالذات ما يصفه بأنه الجمع بين القوى الناعمة والقوى الصلبة.. بمعنى قوى الثقافة ـ الإعلام وقوى الأداء الاقتصادي وربما الجهد العسكري ولكن مع توخي جادة الاعتدال دون التطرف وبحيث لا يتاح لأي دولة في عالمنا ـ حتى ولو كانت أميركا كما يقول ـ أن تملي أوامرها على العالم الذي تعيش فيه.

وبديهي أن الجنرال برنت يتمثل هنا مقولة البروفيسور جوزيف ناي الأستاذ بجامعة هارفارد سواء بشأن القوى الناعمة أو الصلبة أو بشأن أهمية أن تتصرف أميركا بمنطق الشراكة دون الانفراد على نحو ما أوضح ناي في كتابه الذي سبق «البيان» إلى عرضه بعنوان «تناقض الإمبراطورية».

في نفس السياق يلتقط بريجنسكي هذا الخيط الذي أوصل إليه الحوار (ص33) ليؤكد أن دور أميركا القيادي في العالم مازال ضروريا.. ولكنه يورد تعريفا لهذا الدور القيادي فيقول: نحن نقصد أن تمارس أميركا قيادتها بالإلهام وليس بالإملاء.. ومن ثم تصبح قيادة فاهمة لكل المستجدات الحقيقية في القرن الحادي والعشرين أو فلنقل يصبح لأميركا دور وسيط التفاعل..

أو العنصر الحافز على التفاعل وليس العنصر الذي يفرض أو يملي ظروف هذا التفاعل، باختصار يصبح دور أميركا كالتالي: كاتاليست وليس ديكتاتورا. هنا أيضا تمضي مسيرة الحوار في كتابنا كي تمارس عملية أقرب إلى نقد الذات للسياسة الأميركية، بل للسلوك الجمعي الأميركي بشكل عام.

يقول بريجنسكي: نحن اليوم نواجه مشكلة مع إيران: وأنا أتساءل: كم من الأميركيين من يعرف شيئا.. أي شيء عن التاريخ الإيراني؟ وإيران بلد له تاريخ ينقسم إلى مرحلتين شديدتي الاختلاف.. ما قبل الإسلام.

وما بعد الإسلام وهذه الحقيقة بحد ذاتها تؤثر جدليا على توترات وحقائق الواقع الإيراني الراهن.. وإذا كنت تريد التعامل مع إيران ـ يضيف بريجنسكي مؤكدا ـ عليك أن تفهم هذا الواقع.. لكن ها هم الأميركيون يحاولون التركيز على إيران دون أن يعرفوا شيئا عنها.

من جانبنا كقارئين.. نكاد نلحظ مدى المرارة التي تنطلق منها أفكار وآراء البروفيسور بريجنسكي وهو يواصل حديثه عن تلك اللامبالاة المعرفية التي يلمسها الرجل عند بني جلدته حين يواصل تحليله قائلا:لقد أجرت مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» دراسات أوضحت أن الأميركان لا يعرفون شيئا عن الجغرافيا..

قلة قليلة ممن يدخلون الجامعات هم القادرون على تحديد موقع بريطانيا العظمى(!) على الخريطة.. ومنهم من لا يستطيع تحديد موقع العراق بعد خمس سنوات من الحرب (ص34).. ونسبة 30 في المئة ليس إلا هي التي استطاعت تحديد موقع المحيط الهادئ (يقع غربي الولايات المتحدة).

ويواصل بريجنسكي الحديث:نحن (في أميركا) لا ندرّس تاريخ العالم.. ولا جغرافية العالم.. والمشكلة أن معظم الأميركان ـ كما أتصور ـ لا يتمتعون بذلك القدر من التعمق بما يتيح لبلدهم أن يضطلع بدور الملهِم ومن ثم دور القيادة.. وهو الدور المطلوب ـ كما سبق وألمحنا ـ كما تقتضيه الأحوال في هذا القرن الجديد.

على الضفة المقابلة من الحوار، قد نلاحظ أن الجنرال سكوكرفت يخفّ ـ ولو في الظاهر ـ لنجدة بني قومهم من الأميركيين يقول:إنهم يريدون الاستمتاع بحياة هانئة (يعني بعيدا عن وجع الدماغ!) ولذلك فالأهم عندهم هو الانشغال بالسياسات المحلية..

ولا يعنيهم في معظم الأحوال ما يدور في العاصمة واشنطن، وهذا هو شأن أميركا باستمرار بل أقول أن هيكل السياسة لدينا يبدو موجها باطراد إلى تلبية احتياجات المصالح الضيّقة للأميركان بدلا من المصالح الأوسع نطاقا.. وباستثناء أوقات الخطر العصيبة.. فقلما يركّز القادة والزعماء على ما يدور على المسرح الدولي.

ومن من تلك الأوقات مثلا بدايات الحرب الباردة أو عندما حاول الرئيس روزفلت توجيه الدفة نحو المشاركة في الحرب العالمية الثانية أو عندما عمل الرئيس إيزنهاور على مفاتحة أوروبا لإنشاء حلف شمال الأطلسي (الناتو).. مع ذلك فمازلت على يقين ـ يضيف سكوكرفت ـ بأننا قوم طيبو القلب، ولسنا ضيقي الأفق.. وقصارى الأمر نحن نحتاج إلى من يهتف بين صفوفنا قائلا: اصطفّوا معا: فهذا هو السبيل الذي يحتاج مجتمع العالم إلى أن يسير فيه.

رد بريجنسكي بكلمة واحدة:آمين!

صادق على ذلك ثالثهم الصحافي اجناتيوس مسجلا أن هذا الحوار دار يوم 20 فبراير عام ,2008. ومتحولا مع القارئ إلى الفصل التالي من هذا الكتاب ويحمل عنوانا يقول: أزمات من صنع أيدينا.

وفي رأينا أن ليس صدفة أن يربط الكتاب وحواراته الثرية بالآراء والحافلة بالأفكار بين الأزمات وبين ما دار مؤخرا وما يدور حاليا في منطقة الشرق الأوسط. لقد عقدت جلسة الحوار يوم 19 مارس من العام الحالي..

وخصصوها للحديث عن الشرق الأوسط وفي مناسبة مؤسية حقا هي الذكرى الخامسة لاندلاع حرب العراق.. وقد طلب الصحافي، منظَم الحوار كما نسميه، أن يخصصوا الجلسة للحديث عن الشرق الأوسط بشكل عام.. ثم لاستعراض وتحليل القضايا التي لابد وأن يتعامل معها رئيس أميركا الجديد بشأن العراق عندما يدخل لأول مرة إلى مكتبه في البيت الأبيض في يناير من عام 2009.

عمد الصحافي أيضا إلى تذكير الجنرال سكوكرفت بأنه سبق إلى نشر مقال في جريدة وول ستريت رافضا فيه شن الحرب على نظام صدام حسين. وكان ذلك قبل غزو العراق بنحو 8 أشهر. وقد رد كاتب المقال بأنه لم يغير آراءه ولكن الواقع هو الذي تغير.. وهو واقع الوجود الأميركي في بلاد الرافدين.. رغم أن كان رأيه هو تركيز حرب الإرهاب كما وصفها على مسرح أفغانستان..

أما حرب العراق فقد خلقت ـ كما أضاف الجنرال ـ (ص38) ظروفا جديدة غطت المنطقة الممتدة شرقا حتى باكستان فأشعلت كثيرا من عوامل السخط وكوامن البغض والخلافات داخل منطقة الشرق الأوسط.. بل أوصلتها الى درجة الغليان (لم يقل الجنرال وهو مستشار الأمن القومي للرئيس بوش الأب أن جانبا من هذه المشاعر السلبية كانت موجهة إلى أميركا ذاتها).. ولكنه أعرب عن شعوره بأن أميركا لا تستطيع أن تخرج من العراق، وأن الرئيس القادم لابد أن يعترف بهذه الحقيقة.

سؤال من الصحافي:هل نبقى هناك إلى الأبد؟

جواب من الجنرال: لا أقصد هذا مطلقا.. بل أقول أن ما نحتاجه هو خلق عراق مستقر. ولست أعرف كم يستغرق ذلك من وقت، وبمعنى عراق يشكل عاملا قويا من عوامل الاستقرار في المنطقة. هنالك ندرك نحن أن سكوكرفت يعكس أو يكاد آراء الحزب الجمهوري على نحو ما عبر عنها مرشحهم الرئاسي السناتور جون ماكين.. وهنا أيضا تشتد سخونة الحوار حين يتكلم من الجانب الديمقراطي، البروفيسور بريجنسكي فيعارض كل هذه الأطروحات.

المؤلفون في سطور

* البروفيسور زبجنيو بريجنسكي أستاذ العلوم الإستراتيجية والمفكر السياسي ومستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر وهو حاليا أستاذ في جامعة جون هوبكنز.

* الجنرال ـ طيار برنت سكوكرفت الذي كان مساعدا عسكريا للرئيس نيكسون ثم عمل مستشارا للأمن القومي مع الرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش الأب ويتولى حاليا رئاسة بيت للخبرة والمشورة في شؤون المال والأعمال الدولية.

* ديفيد اجناتيوس هو كاتب العمود نصف الأسبوعي في جريدة «واشنطن بوست» الواسعة النفوذ، وقد أمضى أكثر من 30 سنة في بلاط صاحبة الجلالة صحافيا في جريدة «وول ستريت» ثم رئيس التحرير التنفيذي لجريدة «هيرالدتربيون» الدولية.

الصفحات: 290(متوسط)

الكتاب: حوارات حول أميركا والعالم

تأليف: بريجنسكي وسكوكروفت وإجناتيوس

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: بيسك بوكس،نيويورك،2008