مما لا شك فيه أن تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة تعرض لضربة كبيرة خلال الأعوام الماضية من حكم الرئيس الأميركي جورج بوش، وهي الأعوام ذاتها التي شهدت وصولهم إلى مركز صنع القرار في البيت الأبيض، وفيما لا يزال نفوذهم في الحياة السياسية الأميركية قائماً بقوة.

فإن مستقبلهم أصبح محط تساؤل كبير، مع ترجيح كافة استطلاعات الرأي فوز الحزب الديمقراطي ومرشحه باراك أوباما الفوز بانتخابات الرئاسة الأميركية فضلاً عن ترجيح سيطرتهم أيضاً على الكونغرس الأميركي بشقيه: مجلس الشيوخ ومجلس النواب. وربما كان الوصف الأنسب للمحافظين الجدد هو أنهم «فلسفة سياسية»، أو تيار فكري سياسي أميركي، ترجع جذوره إلى فترة حكم الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر، الذي تبنى أجندة اليسار الجديد وعارض التصعيد مع السوفييت، ما تسبب بانشقاق مجموعة من المفكرين عن الحزب تحولوا لاحقاً للحزب الجمهوري، واستطاعوا تحقيق بعض المكاسب خلال عهد الرئيس رونالد ريغان لتوافقه مع آرائهم.

إلا أن السيطرة الفعلية للمحافظين الجدد على ناصية القرار الأميركي لم تكتمل إلا مع تسلم الرئيس جورج بوش الابن مفاتيح البيت الأبيض، وتحديداً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي أدت لهزة كبيرة في المجتمع الأميركي أدت لإعادة تصدر ملف الأمن القومي إلى رأس أولويات السياسية الأميركية، نتج عنه إتاحة الفرصة للمحافظين الجدد تمرير أفكارهم التي لطالما دعوا إليها.

والتي تقوم أساساً على الفلسفة البراغماتية التي تدعي الريادة الأميركية، وعلى أن أمام الولايات المتحدة فرصة غير مسبوقة لإعادة صياغة النظام العالمي، وعلى دور القوة العسكرية كأداة أساسية لمواجهة التحديات والنزاعات في العالم.

إلا أن وضع هذه الأفكار قيد التطبيق العملي، وخصوصاً في أفغانستان التي تم احتلالها وإسقاط نظام حركة «طالبان» فور وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكذلك في العراق التي أسقط فيها نظام الرئيس الراحل صدام حسين في العام 2003 أثبت فشلاً ذريعاً في الوصول إلى الأهداف المنشودة.

واليوم ثمة وجهتي نظر متعارضتين بشكل كبير إزاء دور ومستقبل المحافظين الجدد في السياسة الأميركية المقبلة بعد استقالة أو إقالة معظم رموزهم من إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش، بغض النظر عن الحزب الذي سينجح في الانتخابات القادمة.

تقوم وجهة النظر الأولى على أن صعود فكر المحافظين بلغ أوجه خلال عهد الرئيس جورج بوش، وأثبت عدم صحة الأفكار التي يمثلها، خصوصاً فيما يتعلق بالحروب الاستباقية ونزعة التفوق العسكري، لا بل أنه ورّط البلاد في حروب وأزمات لن يكون من السهل تلافي نتائجها في المدى القريب والمتوسط،.

وربما كان أبلغ المعبرين عن وجهة النظر هذه هو الفيلسوف الأميركي صاحب نظرية «نهاية التاريخ» فرنسيس فوكوياما، الذي كان يعتبر أحد أهم رموز المحافظين الجدد قبل ينسلخ عنهم. حيث يبين في كتابه «ما بعد المحافظين الجدد» الذي نشرت صحفية «الغارديان» البريطانية ملخصاً عنه، أن: «الكارثة في العراق لم تحل دون دعوة المحافظين الجدد لعمل عسكري ضد إيران، متجنبين حقيقة أن حماسهم لغزو العراق هو ما حطم المصداقية الأميركية.

وأضعف قدرة الولايات المتحدة على اتخاذ تدابير صارمة ضد إيران». ويستغرب فوكوياما عدم استفادة المحافظين الجدد من حرب العراق «على الرغم من الأحداث الجسام التي حصلت»، إلا أنه يؤكد بأن التغير الذي حصل «ربما كان على صعيد استعداد الشعب الأميركي للاستماع إليهم».

وما يستدعي التوقف في كلام فوكوياما ويؤكد صحته، هو ما تشهده واشنطن حالياً من سجال كبير بلغ أوجه في المناظرات التلفزيونية بين مرشحي الرئاسة الديمقراطي باراك وأوباما والجمهوري جون مكين، عكس الرغبة الأميركية في تغيير سياسة البلاد التي كانت محركها الأوحد هو أفكار المحافظين الجدد، طيلة السنوات الثماني الماضية من حكم الحزب الجمهوري.

وإن كانت هذه الأفكار فقدت بريقها فيما يتعلق بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، بحسب ما هو معلن على لأقل، فإنها لا تزال هي المسيطرة لجهة منع إجراء أي حوار مع قادة طهران وإبقاء الضغط عليها على أشده.

أما وجهة النظر الثانية فتقوم على أن مبادئ المحافظين الجدد لا تمثل فكراً عابراً أو طريقة في إدارة شؤون الحكم، بل هي فلسفة مستمدة من الخصوصية الأميركية، وأن ما حدث خلال عهد بوش هو انتساق هذه الفلسفة مع الحكم. إذ لا يزال منظرو المحافظين الجدد يصرون على صوابية رؤيتهم رغم الانتقادات الكبيرة التي جروها على الرئيس بوش وعهده.

ويدحض احد أهم منظريهم، وهو روبرت ميغين، في دراسة حديثة له بعنوان «أمة المحافظين الجدد» نشرها في مجلة «شؤون عالمية»، نظرية تحميل مسؤولية ذهاب أميركا للحرب على العراق للمحافظين الجدد.

ويعود للتاريخ ليؤكد أن نزعة التدخل الخارجي في السياسة الأميركية كانت موجودة قبل عقود على وجود المحافظين الجدد، ويبرر قرار الرئيس بوش غزو العراق بأنه يعود لاعتبارات كانت قائمة لحظة اتخاذ القرار و«ثبت في النهاية خطأها..ولكن ليس خطأ الإستراتيجية».

معتبرا أن «التدخل في فيتنام كان نتيجة مباشرة لإستراتيجية الاحتواء المتبعة خلال الحرب الباردة، لكن العديد من الناس الذين يرون أن الحرب كانت خطأ، لا يدينون سياسة الاحتواء.. والأمر نفسه ينطبق على العراق».

ويعتبر كيغين أن التوسعية والمثالية والنزعة العسكرية الأميركية حققت في بعض الأحيان أهم الإنجازات في التاريخ العالمي ـ هزيمة النازية، الإمبريالية اليابانية، والشيوعية السوفييتية فضلاً عن بعض الإخفاقات والإحباطات المعروفة».

لكنه يؤكد أن «ذلك لم يكن كما لو أن النجاح هو نتاج أميركا الجيدة، والفشل نتاج أميركا السيئة، كانت جميعها نتاج أميركا، الإنجازات كما الإخفاقات لم تكن مستمدة من البراءة أو الطهارة بل من الدوافع». وعلى كل الأحوال فإن غالبية المعطيات اليوم تشير إلى أنه أياً كان الرئيس الأميركي القادم، فإن نفوذ المحافظين الجدد سيستمر، أقله في المدى المنظور.

إذ أنهم استطاعوا التغلغل داخل نسيج المجتمع الأميركي بمؤسساته المختلفة، عبر تحالفهم مع قوى اليمين والتيار المسيحي المتطرف، بالإضافة إلى الدعم الواضح الذي يتلقونه من اللوبي اليهودي الذي تتقاطع مصالحه بشكل كبير مع مبادئهم، خصوصاً فيما يتعلق بالملف الإيراني.

ورغم تراجع دورهم حالياً بإقصائهم عن مراكز القرار، فإنهم نجحوا بشكل لافت في اختراق قيادات الحزب الديمقراطي، ويمكن قراءة تصويت مجلس النواب ذي الغالبية الديمقراطية على تخصيص 162 مليار دولار لتمويل الحربين اللتين تخوضهما الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان في هذا الإطار.

ولكن من المؤكد أنه سيكون من الصعب على المحافظين الجدد مواجهة التغيرات التي طرأت على الساحة الدولية بالاعتماد على الأسس التي لطالما شكلت عماد فكرهم، إذ بات من غير الممكن تجاهل صعود قوى كبرى كالصين وروسيا في مواجهة نزعة السيطرة والتفوق الأميركية التي يدعون لها.

بالإضافة إلى الفشل الذريع في مكافحة الإرهاب والحرب في العراق وأفغانستان، ما يستدعي تغييرات من غير المعروف حتى الآن في أي اتجاه ستسير، إلا فيما يتعلق بالاحتفاظ بالقوات الأميركية في العراق وباقي أنحاء الشرق الأوسط، لاعتبارات نفطية وإستراتيجية توحد الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

رغم كل ما حاول مرشح الحزب الديمقراطي باراك أوباما تأكيده خلال حملته الانتخابية من أنه سيسعى إلى سحب قوات بلاده من العراق في أقرب وقت ممكن، وهو أمر ستزيده الأزمة المالية، التي أرهقت الاقتصاد الأميركي المثقل أصلا بعجز هائل، حدة لجهة ضرورة البحث عن مصادر أخرى لسداد هذا العجز.

تجدر الإشارة إلى مفارقة لافتة لدى تصفح موقع «الموسوعة الحرة» على الإنترنت «ويكيبيديا»، فبينما تعرّف صفحتها العربية المحافظين الجدد من خلال ارتباطهم باليهود وكرههم للعرب بما لا يتجاوز صفحتين تتضمن آراء أكثر مما تتضمن معلومات، فإنها تفرد مساحة كبيرة على موقعها باللغة الإنجليزية لتوضيح نشأتهم وأفكارهم وأهم رموزهم بطريقة علمية بيبلوغرافية.

إضاءة: المحافظون الجدد.. غموض يسترعي الحذر

يعتبر مصطلح «المحافظون الجدد» من أشد المصطلحات السياسية غموضاً، والغموض الاصطلاحي له فوائد عديدة في عالم الدعاية السياسية. وقد أدى الغموض المتعمد في المصطلح إلى خلط بين «المحافظين الجدد» و«المحافظين التقليديين» في المسرح الثقافي والسياسي الأميركي، بينما الواقع يشهد بفروق كبيرة بين الطرفين، أهمها:

أن «المحافظين الجدد» انتقلوا من اليسار إلى اليمين، ومحافظتهم لا علاقة لها بالدين. على خلاف المحافظين التقليديين الذين هم امتداد لثقافة اليمين المتدين الضاربة الجذور في التاريخ الأميركي والأوروبي، وهمهم الأهم هو الحفاظ على قيم الأسرة في مجتمع يتحلل.

أن أغلب المحافظين الجدد من أصول يهودية، وقد اعترف بذلك الكثير من كتابهم. وهم أحيانا دعاة سلام، وقد كانوا من أشد المعارضين للحرب في فيتنام، وكان لهم دور ريادي في حركات الاحتجاج ضدها، لكنهم أشد الناس حماسا للحروب الأميركية في العالم الإسلامي، بل هم منظروها.