جاء الحصار الأميركي للعراق في مطالع تسعينات القرن الماضي ليدفع إلى الأردن بأقسام واسعة من العراقيين، الفقراء منهم ومتوسطي الدخل، الهاربين من القهر ومن الجوع، والأغنياء منهم، الهاربين بأموالهم إلى البلد الشقيق الجار.

ثم جاء الاحتلال الأميركي للعراق، ومعه الإرهاب الأصولي المتعدد الهويات والأهداف، ليدفع بأقسام جديدة من العراقيين، إلى عمان. وهكذا صار اقتصاد الأردن محكوماً، من دون إرادة أهل البلد، بالقادمين إليه من الجهتين الشرقية والغربية، أصحاب الثروات منهم، والفقراء، ومعهم ثقافاتهم بكل أنواعها. لم تكن زيارتي هذه إلى عمّان سوى واحدة من زيارات كثيرة، بدأت منذ مطالع خمسينات القرن الماضي، واستمرت من دون انقطاع. كانت تلك الزيارات في السابق تتصل، في جانب أساسي منها، بمهمات حزبية لبنانية وعربية وأممية، وتتصل، بجانب آخر منها، بمهمات شخصية ذات طابع فكري وثقافي. إذ كنت أدعى، إما إلى إلقاء محاضرات، أو للمشاركة في ندوات فكرية.

أما زيارتي هذه، التي أتحدث عنها وعن انطباعاتي فيها، فهي كانت مختلفة، بطبيعتها، بالكامل عن زياراتي السابقة. إذ هي كانت، حصراً، للقاء أولئك الأصدقاء الكثر، وللحديث إليهم ومعهم حول همومنا المشتركة، وحول ذكريات تجاربنا السياسية والشخصية في سابق الأزمنة، التي يتسارع ابتعادها، من دون أن يحررنا من ذكريات مآسينا فيها.

مدينة بيضاء

تعرفت إلى عمّان جيداً في سفراتي السابقة. ورافقت تطورها. ولم أر في تجولي فيها في هذه الزيارة اختلافاً كثيراً عما كانت عليه، في زياراتي الحديثة السابقة، إلا في كونها اتسعت مدى جغرافياً، وفي أن أبراجاً جديدة بدأت تشوه طابعها المديني الجميل. وأجمل ما في عمارات عمّان أنها تقوم على الحجر الأبيض.

فعمان هي، بهذا المعنى، مدينة بيضاء. لكن ثمة وجهاً آخر لجمالها يتمثل في تنظيمها المديني. فهي، بهذا التنظيم المتسق، إنما تمتاز عن سائر المدن العربية، التي تشوهها عشوائية البناء والمباني، ويشوهها عدم اتساقها المديني. إلا أن مشكلة عمّان التي تحولت، في نظر المثقفين خصوصاً، إلى ما يشبه المأساة، هي أنها، برغم ما تتميز به من جمال عمراني ومن تنظيم مديني، تكاد تكون مدينة بلا حياة.

وللحياة في المدن الطبيعية أوجه عديدة. أهمها، فيما أعرف من ميزات المدن الطبيعية في العالم التي أتيحت لي زيارتها، هو النشاط الاجتماعي والثقافي، في ميادينه المختلفة: مسارح، ودور سينما ونواد ومهرجانات سينمائية ومعارض فنون تشكيلية ونواد ليلية للرقص وللغناء وللسهر الجميل التي يمارس فيها الشباب خصوصاً والمتقدمون في السن المتمردون على عدد سنوات عمرهم، كل على طريقته، تمتعه بالحياة وبمعانيها الجميلة.

هذه المشكلة التي يعطيها أهل المدينة وضيوفها العرب والأجانب، من المثقفين خصوصاً، صفة المأساة أو ما يشبهها، ربما بنوع من المبالغة في طرح المشكلة، هذه المشكلة هي التي تجعل المرء يتساءل: لماذا يا ترى لا تكون الحياة صاخبة في مدينة جميلة مثل عمان؟ من المسؤول عن ذلك؟ هل هم أهلها المتنوعون؟ هل هي بعض تقاليدهم البدوية؟

هل هم أهل الثقافة وأهل السياسة والعاملون في الميدان الاجتماعي، والقيمون على الأحزاب وعلى مؤسسات المجتمع المدني؟ أم المسؤولية تقع على الدولة؟ أسئلة مشروعة أطرحها، لأول مرة، رغم حضورها في ذهني منذ زمن بعيد.

إذ اكتشفت، في هذه الزيارة أكثر من سواها من زياراتي السابقة، أن هذه المشكلة أصبحت في مستوى القضية التي تحتاج إلى مواجهة حقيقية، وإلى بحث حقيقي عن طريقة حلها، لصالح المدينة وأهلها، ولصالح مستقبلها في عالم عربي محكوم بالتغيير، في عصر تتحول فيه الحياة، وطرائق وأنماط ممارستها، في اتجاهات جديدة غير مسبوقة.

في مطار القدس

أولى زياراتي إلى عمّان كانت في ربيع عام 1954. كانت الزيارة في إطار مهمة كلفتني بها قيادة اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي، التي كنت واحداً من أعضائها، وكنت أقيم في بودابست، المقر العام للاتحاد. ذهبت إلى عمّان قادماً من بيروت ودمشق وبغداد.

ثم انتقلت منها إلى القاهرة والخرطوم. كان عليّ، في ذلك التاريخ، أن أتوقف في مطار القدس، كممر إجباري، وأنا في طريقي من عمّان إلى القاهرة. لم تكن القدس من ضمن مهمتي في تلك الجولة الشبابية. لكنني كنت شديد الرغبة في الذهاب إليها، لكي أشم رائحة فلسطين.

ولكي أستكمل ما كان قد ولد معي في قريتي الجنوبية حاريص، في جوار فلسطين، من ذكريات عن فلسطين، ذكريات في الخيال، وذكريات عبر أحاديث الأشقاء وأبناء العمومة وأهل بلدتنا والجوار، الذين كانوا يقيمون مع مدن فلسطين علاقة يومية، إما في العمل في مؤسساتها، وإما في شراء الحاجيات اليومية لأهل القرى، من المواد الغذائية ومن المواد الاستهلاكية، على حد سواء.

جلست في أرجاء مطار القدس، وكان صغيراً جداً، بالمقارنة مع مطارات هذه الأيام. واكتفيت بشراء مسبحة من الحجر الأبيض كذكرى لتلك الزيارة التاريخية التي لم تتكرر. وما زالت تلك المسبحة تحتل مكانها بين عدد غير قليل من المسبحات من الأحجار الكريمة من كل الأنواع والأجناس والألوان.

هذا اللقاء الأول مع فلسطين في مطار القدس كان استكمالاً لعلاقتي التاريخية بفلسطين، علاقتي التي تعود في أساسها، كما أشرت إلى ذلك، إلى مكان ولادتي، وإقامتي في طفولتي وشبابي الأول، في قريتي الجنوبية حاريص.

وبلدتي هذه تقع في الجهة الشمالية من فلسطين، في منطقة وسط بين الساحل الغربي للبنان، وبين جبل حرمون، المسمى في التداول جبل الشيخ، لأن الثلوج التي تغطي رأسه تعطيه صفة الشيخ الجليل. قريتي الجنوبية هذه هي جزء من جبل عامل.

وجبل عامل هذا، في التاريخ القديم، كان يحتضن قرى الشمال الفلسطيني التي تحمل اسم الجليل الأعلى. وهي معلومات حصلت عليها من بعض قراءاتي عن تاريخ المنطقة. وأهم مصادري عن تلك المعلومات هو ما جاء في كتاب المرجع الديني الشيعي السيد محسن الأمين في كتابه «خطط جبل عامل».

هذا الجانب من الجغرافيا في حياتي هو الذي أدخل إلى الجانب التاريخي من علاقتي وعلاقة أهلي وأهل قريتي، وكثرة من أبناء الجنوب الذين تقع قراهم على الحدود المباشرة لأرض فلسطين القديمة، هذا الجانب من الجغرافيا هو الذي أعطى لعلاقتي العفوية البسيطة بفلسطين.

أولاً، ثم لعلاقتي بالقضية الفلسطينية بعداً زادته الأيام عمقاً في حياتي، وفي وجداني، وفي أفكاري، وفي أحلامي. لذلك، فحين وجدت نفسي فجأة، في ذلك التاريخ من خمسينات القرن الماضي، في القدس، في مطارها، أصابني شعور غريب من اللهفة والشوق إلى دخول المدينة.

وإلى اقتحام أسوارها وأسرارها، والمعاني التي تتصل بتاريخها القديم، وتتصل بتاريخها المعاصر، كرمز للقضية الفلسطينية في مرحلتها المعاصرة. وأحسست، إلى جانب ذلك، بأن أصدقائي في اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي قد حرموني حقي الطبيعي في زيارة فلسطين حين لم يدرجوا زيارة الضفة الغربية وقطاع غزة في إطار جولتي الأممية المشار إليها في البلدان العربية المشرقية.

كان رفيقي في رحلة الصداقة هذه إلى عمّان صديقي نديم عبد الصمد. إذ كانت لنا صداقات مشتركة في المدينة من الأردنيين والفلسطينيين والمصريين والعراقيين واللبنانيين. وهي صداقات سياسية وإنسانية وفكرية. ولم يكن الأسبوع الذي قضيناه في عمان، في شهر الصيام خصوصاً، يسمح باللقاء مع كل الأصدقاء، لاسيما أصدقائي من المثقفين، وهم كثرة عزيزة على قلبي.

ومن بين هؤلاء المثقفين صديق عزيز هو فيصل دراج، رفيق العمر والدرب، ورفيق الفكر والهم الفكري، ورفيق الحلم الذي قررنا معاً أن نظل أمينين بالوفاء له، وبالالتزام به، وبالنضال الدائم لتحقيقه. اختصرنا لقاءاتنا إلى حدودها الدنيا.

وكانت همومنا العربية والفلسطينية، قبل همومنا اللبنانية، محور أحاديثنا، في الاتفاق أحياناً، وفي الاختلاف أحياناً، وفي البقاء في منزلة بين المنزلتين، عندما كان يحتدم النقاش، ويتعذر الوصول إلى قواسم مشتركة. فكنا نترك الجواب إلى الزمن ليفصل بيننا، وليحسم الأمور.

إلا أن القضية الفلسطينية كانت أكثر القضايا التي استحوذت على النقاشات مع الأصدقاء الفلسطينيين من المنظمات المختلفة، بمن فيهم أصدقاؤنا في الداخل الفلسطيني، الداخل المشتت والمعذب والمنقسم على نفسه، بين سلطة وطنية في الضفة، وحكومة مقالة في غزة، ودماء غزيرة تسفك في الصراع بين الأخوة، تكاد تفوق، بحجم المأساة فيها، ما فعلته وما تزال تفعله العنصرية الإسرائيلية بالفلسطينيين.

تذكرنا، نديم وأنا، مع تيسير قبعة ومحمد أبو ميزر خصوصاً، أيام بيروت في المراحل التي كنا في هذه العاصمة العربية الجميلة الأبية المضيافة نتقاسم مع الأشقاء الفلسطينيين أوهام ثورتهم وأوهام ثورتنا، متاعبهم ومتاعبنا، أحلامهم الجميلة وأحلامنا، أخطاءهم وأخطاءنا، هزائمهم وهزائمنا.

وكانت بيروت على الدوام، في تاريخها القديم وفي تاريخها الحديث، مشرعة الأبواب أمام الأشقاء العرب الذين كانوا يأتون إليها، إما لقضاء راحتهم في ربوعها وفي ربوع جبال لبنان الشاهقة والشامخة، أو للإسهام مع مثقفيها في صنع وإنتاج وتعميم البديع من ثقافتنا العربية في ميادينها المتعددة أنواعاً وأجناساً.

أو للقعود تحت خيمتها الدافئة، هرباً من ظلم كان يصيبهم في أوطانهم من قبل حكام مستبدين يتحكمون بشعوبهم وبمصائرها، أو للإعداد في السر أو في العلن لانقلاب سياسي أو عسكري فاشل في الأغلب، أو للقيام بنشاط اقتصادي مما هو شرعي ومما هو غير شرعي.

بحثاً عن فضاء أوسع

لم يكن هدفي وهدف نديم عبد الصمد أن نجعل من زيارتنا إلى عمّان مناسبة للسجال السياسي حول حاضر بلداننا وحول مستقبلها. إذ يكفينا ما نحن فيه، في بلدنا لبنان، من مصاعب في الانتقال من زمن الحروب الأهلية، بالسلاح وبالسياسة، إلى زمن السلم الأهلي، وإلى الاستقرار الذي ينبغي أن تحميه وتنظمه دولة الحق والقانون، دولة المؤسسات الدستورية.

لكننا لم نستطع أن نتجاوز ما جرتنا إليه، في لقاءاتنا مع الأصدقاء، الهموم المشتركة بين شعوبنا، وبين نخبها السياسية والثقافية، المهمشة بقرار جزئي منها، مثلما هو حالنا، وبقرار خارج عن إرادتها، من داخل بلدانها ومن خارجها. ولأننا كنا، في هذه الزيارة، نحاول تقليد السياح، هرباً من روتين حياتنا اليومية، بحثاً عن فضاء أوسع وأرحب، فقد قررنا، نديم وأنا، أن نمارس بعضاً من هذه السياحة مما لم نعتد عليه، ومما لم نبذل جهداً في تعويد أنفسنا عليه.

ذهبنا أولاً إلى البحر الميت. وكان لنا في الزيارة هدفان يكمل واحدهما الآخر. الهدف الأول يتصل بالتاريخ. والهدف الآخر يتصل بالجغرافيا. في هذه الزيارة للبحر الميت ما هو مهم، بالنسبة إلى كلينا، كسياسيين قديمين، ينتميان إلى مرجعية فكرية واسعة الأفق. إذ أن تاريخ البحر الميت القديم والحديث إنما يتصل بتاريخ فلسطين القديمة والحديثة. هذا أولاً.

ثم أن وجودنا على شاطئ البحر الميت كان يقربنا من القدس ومن أريحا، اللتين، لولا الضباب الكثيف، لكنا رأيناهما بالعين المجردة. لكننا رأيناهما بالخيال، تاريخاً وسياسة، ومشاعر قديمة وحديثة، وأحلاماً لم نستطع أن نتحرر من وجودنا فيها فيما يشبه الأسر.

كثيرة هي المشاعر التي تفجرت عند كلينا في تلك اللحظات التي قضيناها في أحد المقاهي على شاطئ البحر الميت. لكن ما هو أهم، في هذا السياق، هو أننا وجدنا أنفسنا، في الخيال وفي الحلم، نقف على أبواب فلسطين من الجهة الشرقية، شرقي البحر الميت، وشرقي نهر الأردن.

والخيال والحلم في مثل هذه اللحظات يجلب المتعة إلى الروح، من دون حساب للظروف، وللزمان، ولأي أمر من الأمور الأخرى التي تتصل بالوقائع العنيدة، المناقضة للتخيلات وللأحلام وللأوهام فيها.

صيغ مختلفة

ثم زرنا، في اليوم التالي، المسرح الروماني في مدينة جرش. وهو من روائع ما بقي من آثار ذلك التاريخ القديم. لكن جرش هي رومانية قديمة. أما القلعة الواقعة في مرتفعات مدينة عجلون، التي بناها أحد قادة جيش صلاح الدين، المطلة من الأعالي، بخلاف البحر الميت، على القدس وعلى أريحا وعلى معالم فلسطين، فكانت، أي هذه القلعة، وسيلة للربط في أفكارنا وفي تخيلاتنا، في تلك اللحظات بالذات، بين تواريخ قديمة وتواريخ حديثة، في التشابه وفي التناقض خصوصاً.

ذلك أن قلعة صلاح الدين هذه، أسوة بقلعة الشقيف في جنوب لبنان، التي تشبهها والتي حررها صلاح الدين من الصليبيين، كانت منطلقاً في ذلك التاريخ للزحف على القدس، وعلى فلسطين، لتحريرهما من الصليبيين. الشبه في التاريخ يتصل بالهدف. أما التناقض بينهما فيتمثل بالفرق بين الانتصار في الزمن القديم، والهزيمة في الزمن الحديث.

لم يكن يسمح لنا الوقت لكي نتابع رحلتنا في التاريخ أكثر من ذلك. إذ إن الزيارة إلى بترا كانت ستحتاج إلى وقت وإلى جهد لم يكن كلاهما متوفرين لدى هذين الشابين المتقدمين في العمر، على أبواب المرحلة الأخيرة منه. لكن ما كنا نرغب في زيارته هو جسر اللنبي، الذي عرّف في الشعر وفي الأغنية جسراً خشبياً، يفصل بين ضفتي نهر الأردن، الغربية (الفلسطينية) والشرقية (الأردنية).

غير أن هذه الرغبة قمعت من قبل أصدقائنا، حين أبلغونا أن نهر الأردن قد قلت مياهه بفعل استخدام إسرائيل لمنابعه ولمجاريه. لذلك قررنا عدم الذهاب إلى ذلك الجسر حتى لا تتحطم عندنا بقايا الحلم في استعادة فلسطين إلى أهلها، أو إلى بعضهم، ممن هم في الداخل، وممن هم في الشتات.

صحيح أننا كنا في مدينة عمان، العاصمة الجميلة للمملكة الأردنية الهاشمية. لكننا، مع حبنا لعمان، ومع احترامنا للشعب الأردني ولدولته، التي هو وحده يقرر نوعها ونوع النظام فيها، فقد شعرنا، في شكل عفوي، ومن دون إسقاطات أيديولوجية أو سياسية.

أننا كنا في تلك الزيارة، سياسياً وتاريخياً وجغرافياً، كما لو أننا، ولو بالخيال وبالأحلام، على أبواب فلسطين، على أبواب دولتها المستعصية على التحقق، لأسباب فلسطينية أولاً، ولأسباب خارجة عن إرادة الشعب الفلسطيني، تتصل أساساً بالسياسة الإسرائيلية العنصرية، وبسياسة القوى العالمية المؤيدة لها، ولو بصيغ مختلفة.