بعد توقيع اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في 13 سبتمبر 1993، أصدر الكاتب المصري الراحل محمد سيد أحمد كتاباً بعنوان: «سلام أم سراب» ارتكز على تساؤل رئيسي مضمر في عنوان الدراسة: هل يقترب السلام حقاً من منطقة الشرق الأوسط، أما لا يزال سراباً يلوح في الأفق، يبتعد كلما ظن المرء أنه بات قريباً؟!
17 عاماً مرت على انطلاق «مؤتمر مدريد للسلام» الذي جمع أطراف الصراع العربي الإسرائيلي على طاولة واحدة، على أمل التوصل لاتفاقات سلام تنهي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وفي مقدمتها الأراضي الفلسطينية التي تشكل عقدة الصراع ومفتاح الحل، مقابل اعتراف الدول العربية بالدولة العبرية. واليوم، إذ يبدو تاريخ 1991 مغرقاً في القدم لجهة الأحداث العاصفة التي شهدتها المنطقة، تبدو عملية السلام على المسارات الفلسطينية والسورية واللبنانية بعيدة عن أن تشهد أي تسويات قريبة، تتيح للمنطقة أن تلتقط أنفاسها بعد عقود من الصراع. إذ رغم كل هذه السنوات، بما حفلت به من اتفاقات ومعاهدات وحروب واغتيالات، لا تزال صورة المشهد على حالها لجهة إمكانية تحول هذا السراب إلى حقيقة ملموسة تحمل السلام إلى المنطقة.
لكنْ ثمة تطور هام لا يمكن إغفاله لدى تأمل أحداث العقدين الماضيين على صعيد مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية، يتمثل في أن إسرائيل حكومة وشعباً لا تزال غير قادرة على اتخاذ قرار جرئ يتيح لها المضي قدماً في التسوية، نظراً لاستحقاقاتها، رغم اعترافها الضمني وإدراكها غير المعلن أنها لا تفعل شيئاً سوى تأجيل المحتم في انتظار تغير ما قد يعيد موازين الأمور لصالحها.
وربما ذلك ما يفسر الترنح الإسرائيلي منذ إطلاق التسوية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وبالعكس.. فالناخب هو ذاته الذي أزاح إسحق شامير ليأتي باسحق رابين الذي أكمل شمعون بيريز ولايته بعد اغتياله على يد إسرائيل معارض لاتفاقات أوسلو، والناخب ذاته أيضاً هو الذي أزاح بيريز الذي بشر بشرق أوسط جديد، ليأتي بالليكود بزعامة المتطرف بنيامين نتانياهو.
وليزيحه هو الآخر قبل أن يكمل ولايته ويعود بحزب العمل بزعامة إيهود باراك الذي فشل في اتخاذ قرار بالمضي قدماً في اتفاقية تسوية على المسارين السوري والفلسطيني رغم أنها بدت أقرب من أي وقت مضى مبرراً ذلك بتخوفه من رد فعل الشارع الإسرائيلي وهشاشة إئتلافه الحكومي، ليجرب الناخب خياراً جديداً شكلاً، قديماً لجهة استباحته الدم الفلسطيني والعربي هو آرييل شارون الذي دفن ما تبقى من اتفاق أوسلو وتبعاته قبل أن يغط ومعه المفاوضات في غيبوبة أتاحت لإيهود أولمرت إكمال ولايته.
وترسم صورة الوضع الراهن آفاقاً جد سوداوية بالنسبة لمستقبل التسوية لجهة التطورات الداخلية الإسرائيلية، فالبلاد تتجه اليوم لانتخابات مبكرة حدد موعدها في 10 فبراير قد تعيد حزب «الليكود» بزعامة اليمني المتطرف بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، مع ما يعنيه ذلك من توقف مفاوضات السلام التي كانت انطلقت عقب مؤتمر أنابوليس الذي انعقد في 23 نوفمبر 2007 على المسار الفلسطيني، وكذلك توقف المفاوضات الغير مباشرة بين سوريا وإسرائيل والتي تجري برعاية تركية.
وليس خافياً أن ملف التسوية كان أحد الملفات التي دفعت زعيمة حزب «كاديما» لإعلان فشلها في تشكيل حكومة إسرائيلية جديد بعد رفض حزب «شاس» اليمني المتطرف دخول الائتلاف الحكومي لعدم حصوله على ضمانات بألا تتفاوض على «مستقبل القدس باعتبارها عاصمة موحدة لإسرائيل».
ولا تستبعد استطلاعات الرأي فوز «كاديما» في الانتخابات القادمة، إلا أن ذات الاستطلاعات تؤكد أنه لن يكون فوزاً كاسحاً، ما سيضطرها للبحث عن تحالفات جديدة ستعيد تكبيلها في أي مفاوضات مقبلة. إلا أن اللافت في هذا كله، رفض ليفني الخضوع «لابتزاز» حزب «شاس» فيما يتعلق بملف القدس، وهو الأمر الذي أشاد به رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض أحمد قريع.
إذ أن هذا الموقف يكشف بما لا لبس فيه أن ليفني باتت أقرب إلى فهم رئيس الحكومة الإسرائيلية المستقيل إيهود أولمرت، والذي أعلن أنه لا بد من الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما فيها القدس لإحلال السلام، ما يعني ضمناً التخلي عن «حلم إسرائيل الكبرى» الذي لطالما شكل الشعار الأبرز للحركة الصهيونية ولدولة إسرائيل.
وفي هذا السياق لا يمكن إغفال العرض الإسرائيلي الأخير الذي قدمه إيهود أولمرت للرئيس الفلسطيني محمود عباس، رغم رفض الأخير له كونه «لا يلبي طموحات الشعب الفلسطيني» في ما يتعلق بوضع القدس والحدود. ورغم التباين الإسرائيلي الصارخ، في العلن على الأقل، إزاء الموقف من التسوية، شكل إعلان الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز قبول بلاده بالمبادرة العربية كأساس للمفاوضات.
وكذلك تأييد زعيم حزب «العمل» إيهود باراك للمبادرة أيضاً، تطوراً كبيراً وهاماً في الموقف الإسرائيلي من التسوية، رغم إصرار الجانب العربي على أن المطلوب هو تنفيذ هذه المبادرة لا مجرد القبول بها. تطور قابلته زعيمة «كاديما»، التي تسعى للفوز في الانتخابات، بالإعراب عن تحفظها، مفضلة إجراء مفاوضات مباشرة ومنفردة مع الفلسطينيين.
وكشفت الصحافة الإسرائيلية أنها دعت الدول العربية قبل سنتين إلى البدء في «تطبيع على » مراحل وعدم اتنظار التوصل إلى نهاية عملية السلام في المنطقة، وأشارت إلى أنها تحدثت خلال العام الأخير مع عدد من المسؤولين العرب وسمعت منهم جميعاً رأياً واحداً مفاده أن مفتاح عملية السلام مع العالم العربي هو اتفاق مع الفلسطينيين.
وحتى اليميني المتطرف بنيامين نتانياهو لم يكن يوماً بعيداً عن التسوية منذ جلوسه خلف رئيس الحكومة المتطرف اسحق شامير في مؤتمر مدريد للسلام، ورغم تأكيده العلني عدم استعداده للانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، إذ تم الكشف عن اتصالات سرية هامة كادت تودي لاتفاقات خلال فترة ترأسه الحكومة بين عامي 1996 و1999 خصوصاً على المسار السوري عبر المبعوث الأوروبي لعملية السلام آنذاك ميغيل أنخيل موراتينوس، والمليونير اليهودي الأميركي رون لاودر.
ومع الفلسطينيين عبر المفاوض الإسرائيلي أوري ساغي وغيره. كل ذلك يؤكد أن ثمة تطور هام في التعاطي الإسرائيلي مع التسوية، لم يكن الدافع إليه فقط استمرار المقاومة الفلسطينية والضغوط العربية والدولية، بقدر ما بات حاجة إسرائيلية داخلية تدرك كافة ألوان الطيف الإسرائيلي أنه شر لا بد منه.
وفي هذا السياق ورغم التوقف القسري للمفاوضات على المسار الفلسطيني والإسرائيلي بسبب استقالة أولمرت، وما أدت إليه من انتخابات مبكرة، بالإضافة لانشغال البيت الأبيض بالانتخابات الرئاسية والتشريعية، فإن بداية العام المقبل، ستحمل إدارتين: إسرائيلية وأميركية جديدتين، ما قد يشكل فرصة لاستعادة المفاوضات الزخم المطلوب، ولكن ليس قبل منتصف العام المقبل في أقرب تقدير.

