يحتاج الفلسطيني اليوم، وهو على أعتاب بدء الحوار الوطني المزمع انطلاقه في القاهرة بعد بضعة أيام، إلى وقفة نقدية صريحة مع الذات، تعيد طرح سؤال أساسي، ليس بشأن برنامج عمل وطني شامل فحسب، وإنما، وربما هذا هو الأهم، الإجابة عن تساؤل: ما الذي قاد الوضع الفلسطيني للانحدار إلى هذا الحضيض من الانقسام واستباحة دماء الاخوة بعد كل هذه العقود من الاحتلال والمقاومة.

ربما للمرة الأولى منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي، لا يستطيع الفلسطيني أن يحاجّ بشأن صحة الموقف الإسرائيلي القائل بضرورة حل الأزمة الداخلية الفلسطينية قبل المطالبة بتسوية سلمية مع إسرائيل تضمن إقامة الدولة على حدود 1967 التي اعترفت بها حركة «حماس».

ولا يخفى على أحد أن الإسرائيلي إذ يفاوض السلطة الوطنية الفلسطينية منذ مؤتمر أنابوليس، فإنما يفاوضه لإنجاز ما يسمى بـ «اتفاق رف» يتم حفظه لحين إنهاء هذا الانقسام.. أو بكلمات إسرائيلية «لحين إنهاء سيطرة حركة حماس على قطاع غزة».

في هذا السياق، وبينما الوضع الإسرائيلي والأميركي يمر بفترة انتقالية بسبب الانتخابات التي ستؤدي لجمود يرجح أن يستمر حتى منتصف العام المقبل على صعيد مفاوضات السلام. وبينما العمليات الإسرائيلية متوقفة في القطاع منذ إنجاز التهدئة برعاية مصرية، ينبغي على الأطراف الفلسطينية استغلال هذا الوقت الضائع لإعادة النظر في مجمل الوضع الفلسطيني، عبر إعادة تقييم التجربة السابقة.

ووضع اليد مباشرة على أسباب الخلاف الرئيسية بين التيارين المتصارعين في الساحة الفلسطينية متمثلين بحركة المقاومة الوطنية «فتح»، وحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، خصوصاً وأن برنامج الحركتين أثبت فشلاً في التجربة العملية على الأرض..

وفيما تجمع كل الأطراف الفلسطينية على ضرورة صياغة برنامج عمل وطني جديد يحدد استراتيجية تلزم جميع الفصائل الفلسطينية بالعمل تحت مظلتها، يبدو أن الركيزتين اللتين لا يمكن الاستغناء عنها للوصول لهذا البرنامج تتمثلان في تلازم خياري المفاوضات والمقاومة، من دون أن يلغي أحدهما الآخر.

وعلى أن يشكلا مكملاً في سبيل تحصيل الحقوق الفلسطيني، ضمن إطار وطني جامع لكل فصائل العمل الوطني والإسلامي الفلسطيني، يتمثل في العودة إلى البيت الذي لطالما ضم الجميع، وهو منظمة التحرير الفلسطينية، التي مهما حاجّت حركتا «حماس» و«الجهاد» بعدم شرعيتها، ستبقى شرعيتها مستمدة من تاريخ هذه المنظمة المضمخ بدماء آلاف الشهداء الذين آمنوا بأفكار فصائل العمل الوطني التي انضوت تحت خيمتها دون أن تستبعد خيار التفاوض يوماً.

من حق فصائل المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها حركتي «حماس» و«الجهاد»، أن تطالب بضمانات تكفل حق المقاومة في سبيل تحرير الأرض، لكن ذلك لا يجب أن يكون بأي حال من الأحوال خارج إطار الإجماع الوطني، وتدرك «حماس» التي تدير قطاع غزة أن جزءاً كبيراً من الشارع الفلسطيني داخل القطاع، ليس راضياً عن أدائها خصوصاً بعد إقرارها التهدئة مع إسرائيل، والحال ذاته بالنسبة لحركة «فتح» في الضفة الغربية.

في هذه الأثناء تبدو الحركتان بعيدتان عن الاتفاق، ورغم أن الحوار سينطلق في 9نوفمبر، إلا أن ما يجري على الأرض يوضح بما لا يتيح مجالاً للشك بأن الطرفين لا يفعلان شيئاً سوى استئصال الآخر من مناطق نفوذه. فهل حقاً فشل الحوار ممنوع.

فراس كيلاني: feraskilani@hotmail.com