رغم الواقع الذي يشير إلى أن عمليات إعادة إعمار مخيم نهر البارد في لبنان لاتمضي قدماً بالوتيرة المطلوبة لإعادة تسكين اللاجئين الذين هجرتهم معارك ,2007. تبدو المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين كارين أبوزيد متفائلة أن المخيم سيعود إلى عهده السابق خلال 18 شهراً.. ولكنها في المقابل تعتبر الوضع في المخيم، ووضع أهله المشردين «مشكلة كبيرة لنا في الوقت الحاضر».
وفيما احتفل أمس الأربعاء ببدء عمليات إزالة الردم في المخيم الذي جرى هدمه بعد عام فاصل عن انتهاء الحرب بين الجيش اللبناني ومسلحين من تنظيم «فتح الإسلام» الأصولي المتطرف، قالت أبوزيد لـ «البيان» أن المخيم سيبنى بـ «أسرع ما يمكن» مع إشارتها إلى مصاعب في توفير الأموال اللازمة لإعادة تأهيل المساكن. وتتحدث باستفاضة عن عمليات إزالة الأنقاض التي لا تسير كما ترجو الوكالة بسبب القذائف والألغام المدفونة تحت الأنقاض وهي برأيها «مهمة صعبة».باختصار، المهمة معقدة وتحيط بها إشكالات سياسية وتمويلية، القرار السياسي اتخذ خلال العام 2007 بإعادة تعمير المخيم بـ «أحلى مما كان» لكن «حسابات» ما لبنانية وفلسطينية ودولية تبدو ضاغطة على سير العملية الهندسية، وتالياً تبدو نهاية العام 2009 الذي يفترض أن يشهد بدء عودة المهجرين إلى بيوتهم الجديدة بعيدة.. بعيدة.وتسعى «أونروا» حاليا على أكثر من صعيد وجبهة لجمع التمويل لإعادة بناء المخيم الذي دمر نتيجة للنزاع الذي اندلع بين الجيش اللبناني ومجموعة «فتح الإسلام» الأصولية المتطرفة في صيف 2007 الذي ضربت الوكالة بالتعاون مع الحكومة اللبنانية منتصف العام 2011 موعداً لإنجاز إعادة تشييده وتأهيله «إن حصلت» الوكالة على التمويل الضروري.
وحتى اليوم، أي بعد مرور أكثر من عام على انتهاء العمليات القتالية في المخيم، استطاعت 700 عائلة فلسطينية العودة إلى بيوتها في المناطق المتاخمة للمخيم الأقل تضررا من بين نحو خمسة آلاف عائلة فرض وضعها عبئاً إضافياً على الوكالة وعلى ميزانيتها المتداعية.
وقدّرت «أونروا» المبلغ الذي ستحتاج إليه لتلبية الحاجات الأولية مثل: الغذاء والإيواء والمياه والتعليم والرعاية الصحية بـ 43 مليون دولار حتى نهاية العام ,2009. بينما يقدر إجمالي احتياجات التمويل حتى يعود المخيم ينبض بالحياة بـ 455 مليون دولار أميركي.
وتقدر الدراسات التي أجريت بتعاون بين وكالة الغوث التابعة للأمم المتحدة والحكومة الللبمانية بالتعاون مع خبراء الهندسة الذين تمت الاستعانة بهم أن حوالي 95 في المئة من المباني والبنية التحتية للمخيم، الذي تعرض لقصف بالمدفعية الثقيلة والقصف الجوي وثلاثة شهور من الحصار، تعرضت إما للدمار الكامل أو لأضرار يتعذر تصليحها.
ووفق الجدول الموضوع اعتمدت المنظمة الدولية «نهجاً مرحلياً» لإعادة الإعمار يسمح لبضع مئات من العائلات بالبدء بالعودة إلى بيوتها بحلول نهاية العام 2009 على أن تكتمل عملية إعادة الإعمار في منتصف العام 2011.
وفي حوار أجرته «البيان» مع المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) كارين أبوزيد وممثل المفوض العام السفير بيتر فورد ومسؤول العلاقات الخارجية والمشاريع في الوكالة مارك لسواوي كان التشديد على أن الوكالة «ملتزمة بإعادة إعمار» مخيم نهر البارد في موقعه الأصلي وإعادة إيواء جميع اللاجئين النازحين، وأن الحكومة اللبنانية تشاركها هذا الالتزام الذي سيشمل المخيم والمجتمعات اللبنانية المحيطة.
نزوح ونداء
وما زاد العبء على «أونروا» أن كثيراً من العائلات نزحت عن المخيم من دون أي ممتلكات.. في وقت كان تركيز الوكالة في مراحل التدخل الطارئ الأولي على تقديم المساعدة اللازمة لإنقاذ الحياة وتوفير مساكن للمشردين..
بينما ارتفعت معدلات البطالة ومستويات الفقر التي هي أصلاً مرتفعة. وفي ضوء الأزمة والاحتياجات الضاغطة أطلقت «أونروا» نداءً جديداً لـ «الإغاثة والنهوض المبكر» لتغطية احتياجاتها ما بين سبتمبر 2008 إلى ديسمبر 2009 في سبيل ضمان استمرار دعم شبكة الأمان الاجتماعي للفئات الأضعف. كما أن التمويل سيشمل عدداً محدوداً من مبادرات النهوض المبكر.
وخلال مدة النداء العاجل تسعى الوكالة إلى نقل أعداد متزايدة من العائلات من لوائح المساعدات الغذائية إلى برامج كسب العيش، بما في ذلك دعم العمل والتدريب على المهارات، إذ غالباً ما كان معظم المعيلين عاطلين عن العمل ما جعل العائلات عرضة للخطر.
. في وقت ازداد ارتفاع مستويات الفقر والبطالة التي تشير آخر بياناتها إلى أن أنها تبلغ حوالي 79 في المئة، مرتفعة من مستوى 29 في المئة قبل بدء المعارك. وتقول «أونروا» أنه رغم القيود القانونية المفروضة على اللاجئين الفلسطينيين والتي تمنعهم من العمل في أسواق العمل في لبنان، كان مخيم نهر البارد يتمتع نسبيا بحركة اقتصادية ناشطة قبل المعارك، وبعلاقة وثيقة مع الأسواق المحلية والمحيطة. ولكن «كل هذا انتهى» مع تدمير نحو 85 في المئة من المباني والأصول التجارية.
أوضاع نفسية
وبحسب الوكالة تظهر على العديد من لاجئي مخيم نهر البارد علامات المشاكل النفسية، بما في ذلك السلوك غير الاجتماعي والعنيف والصعوبات في التركيز والعصيان.
وتضيف «أونروا» أن النزاع المسلح الذي شهده المخيم لشهور أدى أيضا إلى زيادة خطر التوتر بين العائلات النازحة والمجتمعات المحيطة، اللبنانية والفلسطينية على جد سواء، ما زاد من القلق بشأن حماية اللاجئين الفلسطينيين.
ويتمثل الهدف العام لاستراتيجية «أونروا» للإغاثة والنهوض المبكر بأن تضمن تلبية احتياجات لاجئي نهر البارد الأكثر إلحاحا إلى حين تتمكن العائلات كافة من العودة، في حين ستقوم استراتيجيات كسب العيش بدعم إعادة تأهيل اللاجئين ونهوضهم اقتصاديا بالإضافة إلى الحد من اعتمادهم على المساعدات.
وكان لافتاً في المعلومات التي توفرت لدى «البيان» أن خطة الإغاثة والنهوض التي وضعتها الوكالة ستشمل هذه القضية عددا من العائلات اللبنانية التي كانت تعيش جنبا إلى جنب مع اللاجئين في المنطقة المتاخمة للمخيم والتي تضررت مباشرة جراء المعارك.
خطة عمل
ويقوم إطار «أونروا» للتخطيط لمخيم نهر البارد على: ضمان استمرار تلبية الاحتياجات الإنسانية لللاجئين خلال مرحلتي النهوض وإعادة الإعمار.التأكد من استعادة البنية المادية والاقتصادية.
إعادة إعمار المخيم في موقعه الأصلي وإعادة إيواء جميع اللاجئين النازحين بحلول العام 2011. ويتوخى إطار التخطيط في الوكالة بيئة مادية واجتماعية أفضل في المخيم المعاد بناؤه، من خلال تصميمات محسنة للمباني السكنية والتجارية والمباني العامة، وبنية تحتية أفضل ودعم أكبر لتعزيم الفرص الاقتصادية. وكجزء من هذا النداء العاجل، تسعى الوكالة أكثر تحديدا إلى: توفير شبكة أمن اجتماعية للعائلات الأكثر عرضة للخطر، من خلال برامج موجهة للمساعدة الغذائية وغير الغذائية والمساكن المؤقتة، لضمان قدرة العائلات على العيش بكرامة وأمان وسلام.
ضمان الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية للعائلات اللاجئة. دعم مجموعة من استراتيجيات الحماية لمساعدة الفئات الأكثر ضعفا من اللاجئين على التعامل مع آثار الصراع ونتائج النزوح الذي طال أمده.التأكد من منح الأولوية لدعم النازحين اللاجئين الأكثر ضعفا.
قضية اللاجئين وأخلاقيات الأمم المتحدة
لم يخل الحوار الذي دار بيننا وبين المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) كارين أبوزيد من سجال وتوجيه اتهامات.
اتهمنا الوكالة بالمساعدة على توطين الفلسطينيين بعيداً.. بعيداً. بعيداً، في تشيلي والبرازيل وأيسلندا.. فكان الرد حازماً على قدر الاتهام: «أبداً.. لا نقوم بشيء كهذا». وأضافت: «لا نقوم ولا نعرف حتى كيف نفعل ذلك». «هذا ليس من مهام الوكالة». «ولا حتى اللاجئين يريدون ذلك».
فكان الرد أن هذا حدث فعلاً مع لاجئي العراق الذين تقطعت بهم السبل في صحراء الحدود العراقية السورية والعراقية الأردنية.. أكدت كارين أبوزيد أن الوكالة التي تديرها لا علاقة لها بهذا الشأن، ملمحة إلى أن اللاجئين الفلسطينيين في العراق لا يتبعون مظلة وكالة «أونروا» وهي لا صلاحية قانونية لها للعمل في مخيمات الإيواء التي كانت في صحراء العراق الغربية والتي وجد فيها اللاجئون الفلسطينيون الأمان بعدما اضطهدوا في العراق الجديد، و«غيبت» حقوقهم في العراق القديم.
طوال عقود ونحن نسمع عن مخططات لتوطين اللاجئين الفلسطينيين: في أماكن إقامتهم، في لبنان، في جنوب الأردن، وحتى في العراق خلال عهد نظام صدّام حسين في إطار المقايضات التي كانت تجري بينه وبين إدارتي الرئيسين بيل كلينتون وجورج بوش لرفع الحصار.. إلى جانب الإغراءات العديدة التي تقدم من العديد من الدول ككندا، والولايات المتحدة، وتشيلي.. ونخشى يوماً تعرض فيه أوغندا التوطين على الفلسطينيين.
المهم في الأمر، أن التوطين جريمة. من البلد الذي يعرض التوطين، ومن اللاجئ الذي يطلبه أو يقبل به، وممن يقوم على تسهيله وترويجه و«السمسرة» له.
وهنا يجب أن نضع النقاط على الحروف: يجب على السلطة الفلسطينية أن تواجه بكل قوة عمليات التهجير وطمس قضية اللاجئين عبر ترحيلهم إلى بلدان عند خط الاستواء، أو على حدود القطبين الشمالي والجنوبي.
وأيضاً، يجب على مفوضية شؤون اللاجئين أن تلتزم بقرارات الأمم المتحدة التي تتبع لها ولا تنتهك هذه القرارات.. فالقرارات، ومن بينها 242، تنص على حق العودة لفلسطينيين إلى منازلهم وقراهم التي هجروا منها.. لا إلى تشيلي وأيسلندا.
ونقول إن وضع اللاجئ الفلسطيني يختلف عن حالة اللاجئين الذين تتعامل معهم المفوضية وتعمل على توفير أماكن لجوء لهم.. وعليها تطبيق قرارات الأمم المتحدة، أن تكون الأمم المتحدة أول من يطعن قراراتها في الظهر.. رغم أننا نعرف أن القرارات بلا حول ولا قوة.
نضال حمدان

