يشير المؤلف الى أنه لا علاقة لظهور الحروب مع قوانين الطبيعة أو مع حركة الكواكب والأجرام الكونية، بل هي من صنع البشر. لقد اختاروا أن يتصرفوا كذلك وقد يمكنهم أن يختاروا التصرّف بشكل آخر.
وإذا كان مؤلف هذا الكتاب لا يتردد في القول أن الحرب ستبقى موجودة في مشهد المستقبل مثلما كانت في الماضي ومثلما هي اليوم، فإنه لا يتردد في القول أيضا أنه قد تمكن السيطرة على ظهور الحرب كما على مسارها. وما يدعو إليه هو «منع» الحرب عندما يكون ذلك ممكنا ومرغوبا أيضا، وذلك على قاعدة قبوله لمبدأ أن «بعض الحروب ينبغي القيام بها»، أما درجة السيطرة عليها لا ينبغي أن تمنع، حسب رأيه، تحقيق الأهداف السياسية التي قامت من أجلها. هذا بمعنى ضرورة أن يكون هناك دائما «حوار» بين الجهود العسكرية والأهداف السياسية. لكن في الحالة التي يمتلك فيها المنافسون الأسلحة النووية يغدو من المفهوم تماما إعطاء الأولوية القصوى للوقاية من الحرب و«للسيطرة» عليها إذا نشبت.بكل الحالات، وبسبب الرعب الذي تثيره الحروب هناك دائما من يطالب بالوقف الفوري للعمليات الحربية. وغالبا ما يحدث أن يتحدث البعض باسم قيم الحضارة وتحت عنوان غامض يتم التعبير عنه ب«المجموعة الدولية» ويطالبون بوضع حد للمعارك.
ذلك أنه يتم النظر إلى الحرب عامة على أنها أمر سيئ بل أنها كارثة وحتى لو كانت أحيانا «ضرورة مأسوف اللجوء إليها». وكانت الحروب المدمّرة التي شهدها القرن العشرون قد ساهمت في جعل الحرب «عمل غير مشروع». لكن هذا لا ينفي كون أن المواقف حيال الحرب، والسلام أيضا، هي مرهونة بالطريقة التي ترى الشعوب منها مصالحها، بالتالي تغدو القيم نفسها مرهونة بالسياق التي ينتجها وليست هي التي تقوم بإنتاج هذا السياق.
ويقدّم المؤلف العديد من الأمثلة على وجود من يؤيدون الحروب كقول «ادوارد ن. لوتواك»، المنظّر الإستراتيجي: «هناك حقيقة يتم إغفالها غالبا وهي أن الحرب، رغم كونها شرا كبيرا فإنها تمتلك أيضا فضيلة كبرى.
إنها تستطيع أن تحلّ النزاعات السياسية وتقود إلى السلام. هذا يمكن أن يحدث عندما يصيب الإنهاك كل المتقاتلين أو عندما يحقق أحدهم انتصارا حاسما. ومهما تكن الطريقة يبقى المفتاح هو ضرورة استمرار المعارك حتى بلوغ الحل. إن الحرب تجلب السلام بعد أن تمر، حكما، بذروة من العنف».
وما يؤكّده هذا المنظّر أيضا هو أنه منذ تأسيس منظمة الأمم المتحدة نادرا ما سمحت القوى الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن الدولي التابع لها للحروب بين قوى «الصف الثاني» أن تتبع «مجراها الطبيعي» حتى نهايته. ذلك على أساس أن تلك الحروب جرى «توقيفها» قبل أن تستطيع تحقيق الشروط المسبقة الضرورية للوصول إلى «تسوية مستدامة».
ويرى مؤلف هذا الكتاب أن تجارب التاريخ قد أثبتت أنه مثلما تساهم الحروب في صياغة السلام الذي يليها، فإن هذا السلام يحمل في طيّاته بذور الحرب القادمة. فالعلاقات بين الحرب والسلام هي على درجة عالية من «التعقيد»، ويشير المؤلف أنه لم تتم دراستها جديّا، حتى الآن، من قبل الأخصائيين. وإذا كانت هناك مقولة شعبية شائعة تقول أن «الحرب لا تحلّ شيئا» فإنه ينبغي التذكير أن جميع الحروب قد سبقتها فترات من السلام «الذي لم يحل شيئا أيضا». ثم إن شروط الحرب هي، منطقيا وتاريخيا، نتاج مشاكل عرفتها فترة السلام.
بكل الحالات تبقى الحرب كما يتم تقديمها، وبعيدا عن كا ما يقال حولها من مسالب أو مناقب، هي «فعل سياسي»، إنها «متابعة السياسة بوسائل عنيفة»، وتتعلق عمقيا بمفاهيم «القوّة».
والحرب ليست «إحدى الكوارث الطبيعية» ولكنها سلوك متعمد ومقصود يرمي إلى حل مشكلة ما عندما تكون الخيارات السياسية الأخرى قد أخفقت. لكن هذا لا يمنع واقع أن مثل هذه الرؤية «المثالية» تجد ما يعرّضها للنقد، كما يشير المؤلف، ذلك أن حروبا كثيرة قد قامت على أساس أهداف «تلاشت شيئا فشيئا» بل وتغيّر السياق الإستراتيجي كله من خلال ساحات القتال و«امتحان النار».
المثال الذي يقدمه على ذلك هو الحرب بين العراق وإيران ما بين عام 1980 وعام 1988. ويتكرر الأمر نفسه عندما تغدوه الخسائر البشرية والمادية للحرب ضخمة إلى درجة تصبح معها الرهانات السياسية للصراع «لا قيمة لها».
والحروب هي ظواهر تاريخية، وكل حرب تتمتع بعدد من النقاط المشتركة مع حروب الماضي والحاضر والمستقبل أيضا، ولكن كل منها نتاج مزيج من «المكوّنات» الخاصة بالسياق الذي تنشب فيه. وإذا كانت الحرب «أداة سياسية» فهي إذن مرتبطة مباشرة وجذريا بالسلطة وب«المستفيدين منها».
ويرى المؤلف أن الحديث عن «حرب المستقبل» لا يمكنه أن يتجاهل «سلام المستقبل». ويميّز بين أربع دلالات كصيغ لمنظور تحقيق السلام. الصيغة الأولى تمثل نوعا من حالة لا حرب ولا سلام مثل ايرلندة الشمالية لسنوات طويلة التي لم تكن في حالة حرب ولكنها لم تكن تتمتع أيضا بالسلام تماما. والصيغة الثانية حيث تكمن الدلالة الرئيسية للسلام في «المرجعية لعدم الحرب».
ولكن في سياق يمكن للحرب أن تقوم فيه كما كان الأمر في ظل الحرب الباردة ما بين عام 1947 وعام 1989 وحيث لم يكن الغرب ولا الشرق يعتبران أنهما في سلام حقيقي. الصيغة الثالثة تخص السلام، ليس بواسطة توازن القوى وإنما بواسطة اتفاق سياسي. ذلك على أساس أن السلام هو أيضا «شرط سياسي» مثلما هو حال الحرب.
والصيغة الأخيرة تخص الحالة التي تغدو فيها الحرب مستبعدة تماما من مجال التفكير بها مثلما هو الحال داخل إطار الاتحاد الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية حيث وصلت المجتمعات المعنية، بدرجات متفاوتة إلى درجة «ما بعد العسكرة». هذه المجتمعات لم تعد تعتبر أن الحرب فيما بينها مستحيلة فحسب وإنما أصبحت مناهضة لأية عملية عسكرية.
والحرب لها دائما علاقة بالسلام الذي يتم البحث عن تحقيقه بواسطة العنف. لكن التاريخ أثبت أن الانتصار في الحرب لا يعني «آليا» تحقيق السلام بعدها. وفي كل الحالات يحدد المؤلف عدة «حلول» يمكن للبشرية أن تلجأ إليها من أجل أن يعم السلام في العالم.
الحل الأول هو الوصول إلى السلام عبر نزع التسلح والسيطرة على الأسلحة. لكن أثبتت التجارب أن السلام عبر نزع السلاح عن طريق التفاوض يصل الى الطريق المسدود وبشكل كامل. هناك فرض وتفاوض حول نزع الأسلحة، وهذا قد يكون مفيدا. أما عمليات نزع السلاح «الناجعة والحقيقية» فهي تلك التي يفرضها المنتصر على المهزوم مثلما فعلت الولايات المتحدة وتحالفها الدولي مع العراق بعد حرب الخليج عام 1991.
وهناك حل السلام القائم بفضل المؤسسات والمجموعة الدولية ويؤكد المؤلف أنه بمقدار ما تكون المشاكل التي يواجهها البشر جديّة يكون من المطلوب البحث عن «حلول كبيرة».
ويمكن لمنظمة الأمم المتحدة أن تلعب بالتعريف دورا هاما في هذا الإطار، باعتبارها «مؤسسة للأمن الجماعي». وتتم الإشارة أيضا في هذا السياق إلى منظمات مثل «الحلف الأطلسي». لكن نقطة ضعف هذه المؤسسة في هذا المجال تتأتى من كونها منظمة سياسية تختلف تماما عن منظمة الأمم المتحدة. ومن الآراء التي يتم التأكيد عليها في هذا الصدد القول أن «قيام نظام عالمي لا يمكن التوصل إليه بمجرّد تأسيس مؤسسات ومنظمات دولية لا تولد طبيعيا من حالة استعداد ثقافي وبالاعتماد على التجربة التاريخية للأعضاء المنخرطين فيها».
وما يتم التأكيد عليه في هذا السياق هو أن النظام القديم للحكومات الوطنية وللمنظمات التي تشترك فيها عدة حكومات قد أثبت عدم قدرته على حل المشاكل العالمية المطروحة على القرن الحادي والعشرين. لكن مؤلف الكتاب لا يرى بديلا حقيقيا يمكن أن يقوم في الأفق القريب بحيث يجري «تحول هادئ في المسائل المتعلقة بأمن العالم». ثم أنه: «لا شيء في تاريخنا يسمح بترقب إمكانية أن يتم مثل هذا التحول المستدام».
وهناك حديث أيضا عن حل «السلام بفضل الديمقراطية». يشير المؤلف هنا إلى انتشار نظرية في واشنطن ولندن واحتمالا عواصم أخرى تقول أن نشر الديمقراطية سيكون الدواء الناجع ضد مشكلة الحرب. ما تتم ملاحظته أول هو أنه يجري الحديث دائما عن الحرب كـ «مشكلة» قد يمكن حلها أو «تحجيمها» وليس ك«شرط إنساني» تنبغي إدارته أو تحمّله أو تجاوزه.
ويشير المؤلف إلى وجود صعوبتين كبيرتين أمام تحقيق السلام بواسطة الديمقراطية. الصعوبة الأولى هي أن «هذا ليس صحيحا» أو على الأقل «ليس صحيحا بطريقة مقنعة بدرجة كافية». والصعوبة الثانية هي أنه ليس هناك أي منظور يسمح بالقول أن القوى الأساسية المرشّحة للاقتتال ستغدو سريعا «ديمقراطيات لبرالية».
وحديث عن السلام بفضل «الأخلاق»، ذلك على أساس القول أن هناك «ثورة» «بصدد الإنجاز» ومفادها أن الرأي العام في العالم يتطور ضد الحرب مما سيؤدي إلى وضع معايير في السلوك الدولي لمنع «العنف المنظم»، وأن مثل هذه المعايير قد تسمح بالسيطرة على الحرب بفعالية حقيقية.
وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن مثل هذا القول ليس «عبثيا» بالدرجة التي يبدو فيها للوهلة الأولى. فالمواقف من الحرب تتغير، وهناك دول عديدة كانت ذات نزعة حربية واضحة سابقا قد دخلت اليوم تقريبا في الرحلة «ما بعد العسكرية».
لكن يتم التأكيد بالمقابل أن مثل هذا التحول في بلدان كالسويد وألمانيا وفرنسا وإيطاليا لا يشكّل برهانا قاطعا على «تقدّم أخلاقي مستدام». بل قد يكون الذي تغيّر بالنسبة لهذه الدول في أوروبا هو ليس «أخلاقيتها» وإنما «سياقاتها السياسية والإستراتيجية». ولا تتصور دول القارّة الداخلة في إطار الاتحاد الأوروبي إمكانية نشوب حرب فيما بينها وترى أن الحرب هي «خيار سياسي» لا علاقة لأوضاعها به. لكن مثل هذه الأوضاع ليست معممة للأسف.
ومن الحلول المقترحة هناك الوصول إلى السلام عن طريق القانون «مثل هذه الفكرة أثارت الكثير من الآمال في العالم، لكنها ورغم «عظمتها» كان مآلها الفشل منذ انطلاقها. مع هذا لا يزال هناك العديد من يعتقدون بإمكانية أن يعم السلام في العالم عبر سن «قوانين كونية» تلزم الجميع.
إن نقطة الضعف الأساسية في مثل هذه «الوسيلة السلمية» يحددها المؤلف بكون أنها تتجاهل التباين الكبير بين تطبيق القانون بحزم وسهولة «داخل الدول» وذلك على عكس «العلاقات فيما بينها». ولا تزال الأغلبية العظمى للدول «غير مهيأة» للتخلّي عمّا تراه حيويا بالنسبة لأمنها الوطني والانصياع لأية «سلطة خارجية». ويؤكد المؤلف في محصلة التحليل أن البشر لن يروا، على الأرجح، تحقق السلام في العالم بفضل القانون.
وتقول إحدى الجمل الأخيرة في هذا الكتاب: «المفاجأة - في الحرب- ليست ممكنة أو حتى محتملة فحسب، ولكنها أكيدة». ويؤكد المؤلف على ما أكّد عليه باستمرار في تحليلاته وهو أن «التاريخ هو الدليل الأفضل لفهم مستقبلنا الذي هو أيضا مستقبل الحرب».
الصفحات: 423
الكتاب: الحرب في القرن الحادي والعشرين
تأليف: كولن س. غراي - عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: ايكونوميكا- باريس- 2007

