في لقاء مطول مع المفوض العام لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) كارين أبوزيد حضر العرب وغابوا .. فهم القضية والهدف لكنهم كانوا شبه غائبين. فـ «بالكاد» تبلغ مساهمتهم في دعم عمليات الوكالة نسبة الخمسة في المئة.
لم ترد أبوزيد الحديث طويلا عن الموضوع ولكن إلحاح «البيان» أجبرها على الإسهاب في تفاصيل الواقع المؤلم، فهم (العرب) تعهدوا «طواعية» بتوفير نحو 8,7 في المئة من الموازنة المطلوبة لـ «أونروا» لتوفير موارد يعتاش منها الفلسطينيون، الذين يعيشون في 58 مخيما، بعيدا عن الفاقة، ولكن لم يصل من هذه التعهدات سوى الوعود والنذر اليسير من المساعدات. وبينما الأنظار تتجه إلى قطاع غزة الذي يعاني سكانه من الحصار والجوع والمرض، كانت كارين أبوزيد تقرع جرس إنذارات بشأن الحال الصعبة لنحو 27 ألف لاجئ من أهل مخيم نهر البارد في لبنان الذي تحول أطلالا بعد معارك صيف 2007 بين جماعة «فتح الإسلام» الأصولية المتطرفة والجيش اللبناني..
فهؤلاء لا يزالون مشردين، ومن عاد منهم فيعيش بين الركام والأطلال ويداهمه خطر الألغام.. وما تطلبه «أونروا» لتوفير مستلزمات الحياة اليومية لهؤلاء (4800 عائلة) من غذاء وإيواء ورعاية صحية أساسية ومياه و 43 مليون دولار حتى نهاية العام 2009. نداء لا يصل وعن يوميات العمل الصعب في الأراضي الفلسطينية المحتلة تقول أبو زيد لـ «البيان» أن نداء الطوارئ الذي وجهته منظمة الأمم المتحدة لتوفير 238 مليون دولار لبرنامج الغوث في الضفة الغربية وقطاع غزة لم يحقق سوى 160 مليون دولار وهو ما يخلق للوكالة الدولية مشكلة كبيرة بعجز قدره 35 في المئة تقريباً عما تحتاجه لتوفير معونات الغذاء والدواء الأساسية لنحو مليون لاجئ في غزة بشكل خاص، إلى جانب الاحتياجات التي «تكبر وتكبر» لتوفير الدعم والتأهيل الاجتماعي للعائلات التي باتت تكابد في ظل انهيار النظام الاجتماعي. وتضيف: «عدد العاطلين عن العمل يزداد.. والناس الوكالة يعانيان من ارتفاع الأسعار.. والقطاع الخاص الذي يوظف منهار».
وعن أحوال القطاع التعليمي تتحدث كارين أبوزيد عن صورة مزرية، و«نوعية التعليم تهبط» مقارنة بالدول المحيطة، والتسرب من النظام التعليمي في ازدياد، وبخاصة بين الصبية والشبان، مع أن الوكالة، والكلام لأبي زيد، تحرص على الإيفاء بمستلزمات الغذاء والدواء وتوفير أساسيات التعليم والرعاية الصحية. وتتابع القول إن «كل المدارس التابعة لنا في الأراضي المحتلة والأردن ولبنان وسوريا تعمل لأكثر من 12 ساعة على ورديّتين (مرحلتا عمل صباحية ومسائية).. ونعمل منذ سنوات على تحسين ظروف المدارس. باتت لدينا مدارس ومدرسون أكثر».
لكن أبو زيد تشكو من «العجز» الذي يلاحق ميزانية الوكالة كل سنة بسبب نقص التمويل، أو التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية. وهي تشير على أن العديد من مدارس «أونروا» تتحول ليلا إلى ملاجئ للاجئين المشردين في لبنان وفلسطين. وتقول: «نعمل على تحسين الظروف المعيشية في المخيمات.. وللأسف لم نستطع أن نحقق هذا الهدف طوال خمس سنوات.. كل سنة لدينا عجز».
شيء من الماضي
وكالة الغوث التي تأسست في العام 1950 يتألف مسماها الرسمي من شقين: غوث وتشغيل لكن لم يتبق سوى الغوث. وهنا تقول أبوزيد، رداً على تساؤل «البيان»: «كانت».. قاصدة أن الوكالة كانت تعمل على توفير الوظائف لكنها عزت هذا الدور إلى «تقاعس» لم ترد تحميله إلى جهات معينة لكنها تؤكد على أن نحو 28500 من موظفي «أونروا» الذين يقترب عددهم من نحو 31 ألفا هم من الفلسطينيين اللاجئين. وتضيف أن هذا الجانب كان يعتمد في الأساس على تنفيذ مشاريع كبرى وبمساهمات مالية من كل المجتمع الدولي لكنها باتت (شيئا من التاريخ) نظرا لعدم تجاوب الدول التي تستضيف اللاجئين.
العلاقة مع رام الله وغزة
وعن العلاقة بين الوكالة الدولية و«حماس» التي باتت منذ نحو 16 شهرا تسيطر على قطاع غزة قالت المفوض العام كارين أبوزيد لـ «البيان»: «نحن نعمل مباشرة مع السلطة الوطنية الفلسطينية .. ليس لدينا كثير من العلاقات مع حماس». وتضيف: «لكنهم لا يعرقلون عملنا.. ولا يسألوننا عما نعمل. وفي كثير من الأحيان يوفرون لنا كثيرا من الأمن».
ماذا عن إسرائيل؟
تقول أبوزيد: «نحرص على توفير الأساسيات.. الغذاء والدواء دائما متوفرة ويسمح لها بالمرور.. لكن لا مجال لأي شيء إضافي»، وتشير إلى أن الحصار المطبق على غزة وإغلاق الاحتلال المعابر التجارية يجعل توفير الاحتياجات شيئا صعب التحقيق مع تفاقم الوضع الإنساني في القطاع حيث ان ثلثي السكان من اللاجئين، ونسبة كبيرة منهم تحت خط الفقر. وهنا تشدد على حاجة الوكالة إلى 93 مليون دولار لتوفير مبان مدرسية وتدعيم الموجود في غزة.
الواقع والرسالة
الواقع إن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين تحتاج إلى مليار دولار سنويا للإيفاء بالتزاماتها ولكن الذي يتوفر، بحسب معطيات العام 2008 الذي بقي على انتهائه شهران، لا يزيد على 540 مليونا، منها 245 ضمن (نداء الطوارئ). والواقع أيضا أن 25 في المئة من هذه الأموال تتوفر من الولايات المتحدة الأميركية ومثلها من الاتحاد الأوروبي (والباقي) من الدول المانحة الأخرى مثل: اليابان وكندا واستراليا وبعض العرب.
والواقع أيضا أن نحو 54 في المئة من موازنة «أونروا» تذهب إلى قطاع التعليم، و281 مليون دولار من ميزانية صندوق الوكالة خصصت لهذا البند إلى جانب 106 ملايين لقطاع الصحة.
أما الرسالة التي حملتها كارين أبوزيد الى«البيان»، خلال زيارتها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة للاتفاق على برنامج دعم وتمويل لقطاعي التعليم والتشغيل والتأهيل المهني، فطغى عليها الأمل في تلقي المزيد من الدعم لتحسين وضع الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال فضلا عن طلبها «الدعم السياسي لفتح الحدود (حصار غزة).. ليصبح الفلسطينيون أحرارا في الحركة.. وفي العمل» وحتى تعود الحياة إلى الاقتصاد الفلسطيني.
وكالة الغوث بحاجة إلى غوث
كثيرة هي المآخذ التي يأخذها بعض الناس على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، على فعاليتها، ودورها. كثيرون يطالبونها بأكثر مما قامت وتقوم به، وآخرون يعتبرون أنها قامت بخدمة كبيرة للشعب الفلسطيني.. وعلى الأخص قضية التعليم وهي المهمة التي لاتزال تحظى بنصيب الأسد في ما يصل إلى يد الوكالة من منح.
وفي رأيي، أنه يكفي لهذه الوكالة فخراً أنها شيدت للفلسطينيين مدارس أكثر مما شيدوا هم لأنفسهم، ربما.. ويكفي لهذه الوكالة جميلاً أن مدارسها كانت في كثير من الملمات وعلى مدار ستة عقود مخيمات مصغرة تحتضن الهاربين من الصراعات، ومن الاقتتال.
ويكفي هذه المدارس تقديراً أنها في بعض الدول التي تتواجد فيها أصبحت قبلة للباحثين عن التعليم الجيد من الفلسطينيين من غير أبناء اللاجئين، وأحياناً لغير الفلسطينيين. وعليه فليس مقنعاً أن يكون هذا الجزء من العمل المدخل لتشويه ما قامت به والتقليل من أهميته.
صحيح أن هناك فجوة في تلبية بعض الالتزامات، ولكن الأمر، في الحقيقة، مرتبط بما يتوفر من أموال وهو ما كشفت لنا كارين أبوزيد أنه ليس بالقضية الهينة.. وبخاصة أن الأقربين كانوا الأبعدين!
ونرى أن الوكالة، ورغم ما تمر به من أزمة تمويل وما يسعى إليه البعض من تحجيم لأعمالها، وربما إنهاء مهمتها، فالوكالة تبقى جزءاً من القضية، وتأريخاً ليومياتها.
ويبدو مما يمر به العالم من أزمة مالية عالمية وقبلها من أزمة غلاء، وما تمر به الوكالة منذ سنين من وضع مالي صعب، أن الوكالة باتت على أبواب مرحلة مفصلية، وربما تكون أو لا تكون.. فالأوضاع المالية المستجدة عالمياً خلقت وضعاً معيشياً ضاغطاً على موارد الوكالة وعلى الشرائح التي تعيلها.
وهذا يتطلب من الفلسطينيين أنفسهم، وبخاصة من المسجلين على قوائمها والمنتفعين من مساعداتها عادة النظر في أسلوب التعاطي مع الوكالة ومساعداتها لصالح توجيه هذه الخدمات لمن يحتاجها فعلاً.. بحيث تصل الاحتياجات والخدمات لمن هو أحوج. فالواقع يؤكد أن هناك كثيرا من القطاعات ومن أبناء المخيمات لم يعودوا في حاجة الوكالة ومساعداتها وان هناك فئة يمكن أن يطلق عليها وصف «أفقر الفقراء» باتت موجودة في ظل أزمة الغذاء..
وفئات أخرى كانت في السابق مستغنية عن مساعدات الوكالة باتت اليوم في حاجة لها، في الشتات أو في الداخل.. وهذا التزام يتطلب تعاطياً أخلاقياً يترفع على المصلحة والأنانية اللحظية لصالح الصالح العام، وتكافلاً مطلوباً في ظرف تاريخي ضاغط.
وتحقيقاً لهذه الغاية بات واجباً، وربما فرضاً، على الميسورين من الفلسطينيين، وبخاصة ممن استفادوا من خدمات الوكالة في عقود خلت، تقديم يد العون إليها لدعم بعض أنشطتها في هذه الظروف الطارئة حيث الموارد المالية تتآكل، والفقر يتزايد، والوكالة تحارب بمحاولة تجفيف مواردها.
حوار: نضال حمدان


