بالنظر إلى اتفاقات السلام التي وقعتها الدول العربية مع إسرائيل، يتضح للوهلة الأولى أن هناك ظاهرة ملفتة للغاية في هذا الأمر، وهى أن السلام لا يحمل معه دائماً رياح التطبيع خصوصاً على المستوى الشعبي، إذ تتمتع الشعوب العربية بمناعة كبيرة ضد أي محاولة للتقارب مع الدولة العبرية، بل وتصر على موقفها الذي قد لا تجد له صدى أو هوى على المستوى الرسمي، رغم اللقاءات والمصافحات وربما العلاقات الدافئة التي تجمع الكثير من المسؤولين العرب والإسرائيليين.

وإذا كنا مبدئياً ضد التطبيع مع إسرائيل، حتى لو حصل الفلسطينيون على حقوقهم كاملة ـ وهذه مسألة مشكوك فيها نظراً لطبيعة الدولة العبرية التوسعية الاستعمارية ـ إلا انه ينبغي تحليل ظاهرة الرفض والممانعة الشعبية العربية لفكرة التطبيع، وعدم هضم الكثير من الشعوب العربية للسلام الذي دائماً ما يقرن ب«البارد»، عند توصيف الاتفاقات التي أنجزته.

في اعتقادنا أن أحد أبرز العوامل التي أدت إلى تكوين وتشكيل ظاهرة الممانعة الشعبية، بل وتحصينها ضد الأصوات القليلة التي تحاول من آن لآخر اختراق هذا الجدار، هو الإعلام الرسمي الحكومي التابع للنظم التي وقعت اتفاقات سلام مع إسرائيل، إذ انه لا يزال يضخ يومياً مواد إعلامية تجعل من فكرة التطبيع حلماً يستحيل تحقيقه على أرض الواقع.

أما النظم التي وقعت بنفسها اتفاقات السلام، فإنها بوعي أو بغير وعي، تغذي فكرة رفض التطبيع، بانتقاداتها اليومية للدولة العبرية، ومطالبتها المستمرة لها بأن تقبل بتنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن والأمم المتحدة بخصوص الصراع العربي الإسرائيلي على مدى عقود كثيرة مضت.

كذلك يلعب التيار الديني في الدول العربية، دوراً كبيراً في توسيع دائرة الرفض للتطبيع، وذلك من خلال استدراجه أفكاراً من التراث الديني تجعل التقارب مع إسرائيل، يقرب من دائرة المحرمات والذنوب التي لا يمكن أن تغتفر على الإطلاق، وتحريكه للكثير من التظاهرات في الشوارع والجامعات من أجل دعم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

هذا على الجانب العربي، أما من جانب إسرائيل، فان ممارساتها اليومية على الأرض الفلسطينية المحتلة، من قتل واستيطان وتهجير وحصار، تعد من أهم العوامل المغذية لفكرة رفض التطبيع بل ومقاومته بكل السبل والوسائل.

هذه العوامل مجتمعة، تقف خلف ظاهرة رفض التطبيع، التي نرى أنها السلاح الوحيد بيد العرب، لمقاومة هذا الكيان الاستعماري الذي يمارس أبشع أنواع العنصرية والإرهاب في الأراضي المحتلة، ومن دون خوف من عقاب دولي، إذ أمنت له الولايات المتحدة الحماية حتى من أبسط انتقاد في مجلس الأمن، فضلاً عن تزويده بأحدث أنواع الأسلحة وأكثرها فتكاً، والتي تحقق له التفوق البارز على جميع الدول العربية.

لذا على الجميع في العالم العربي عدم التفريط في هذا السلاح، الذي يعد «أضعف الإيمان»، لأنه لم يعد بأيدينا أسلحة أخرى نقاوم بها هذا الكيان الغاشم الذي لا تتوقف أطماعه عند حدود فلسطين، بل تمتد إلى الدول العربية كافة، بما فيها تلك التي وقعت معه اتفاقات سلام.. وعمليات التجسس والسلع الملوثة ومحاولات الاختراق الثقافي والفكري المتواصلة خير دليل على ضرورة التمسك برفض التطبيع أو «أضعف الإيمان».

خالد سيد أحمد