أكثر من 16 مليون مسلماً متناثرين في مدن أوروبا من جزر اليونان على سواحل المتوسط جنوباً حتى أقاصي النرويج شمالاً على تخوم القطب الشمالي يشكلون ما نسبته 3 في المئة من سكان الاتحاد الأوروبي أتوا حاملين فوق ظهورهم أطناناً من أحلامٍ مؤجلة تكسرت على صخور الواقع الأوروبي حيث تنهمر كوابيس الحياة المادية على أزقات الطرقات بعيداً عن أحضان أرضهم التي طردتهم من مقابرها الباردة.

يلعنون اللاعدالة التي حولتهم إلى مطاردين أينما يمموا شطر وجوههم البائسة. التقيته في إحدى المرات ليحدثني عن مغامرة إبحاره إلى عاصمة النور باريس عبر بساط «الحراقة» التي باتت ظاهرة في بلاد المغرب العربي تكتب لها الأشعار وتطلق عليها النكات والقصص والروايات.

أخبرني كيف ألقى خفر السواحل الفرنسيين القبض عليه وأودعوه في بادئ الأمر سجناً كان برداً وسلاماً عليه لما رآه من إنسانية المعاملة وكيف نام ليالي طوالا على أرصفة محطات المترو بانتظار موتٍ بهي ينتشله من أرض الحليب والعسل، وكيف انتهى به الأمر متزوجاً من امرأة خمسينية فتش عنها خلال صدى أيامه السوداء لكي ينتزع بواسطتها في النهاية جواز سفرٍ يحترم آدميته.

تكمن المشكلة الحقيقية في جحيم الهوة القائمة حالياً في ديار أوروبا في كون أن معظم الذين شدوا الرحال إليها من رعايا الدول العربية والإسلامية وحتى الإفريقية أتوا في الواقع من خلفيات مهمشة عانت من الإقصاء في مجتمعاتها لتجد نفسها وقد حطت بين ظهراني غرباءٍ مثقلين بغبار الشك تجاه الآخر الذي ترسخ منذ قرون طويلة في الذهنية الأوروبية في نظرتها إلى ذلك الغجري الطفيلي المحب للتنقل ليلقي بعباءة كسله على وهم المكان.

كما تتجلى على الجهة المقابلة في رفع المهاجرين لصولجانات معتقداتهم الدينية في وجه سكان البلاد الأصليين ورفضهم الاندماج، وليس الذوبان، في مجتمعاتهم الجديدة بدعوى الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية وإلى رفض العديد منهم التماهي مع قوس قزح الحياة المهنية الأوروبية.

والاكتفاء بالعيش على مكرمات المعونات الاجتماعية والتأمين الصحي الذي يستل من جيوب دافعي الضرائب الأوروبيين ما يثير سخط الكثير منهم ويشعرهم بالغبن.. فيما يركز اليمينيون الأوروبيون على التبعات الاقتصادية أولاً والثقافية ثانياً والديمغرافية ثالثاً لتواجد المهاجرين الكثيف في المشهد المجتمعي الأوروبي.

وتبقى هناك بعض المنارات المضيئة وسط عتمة عواصف الاصطفاف الحضاري الهوجاء لتمنح عقلاء الجانبين بعض الأمل في تنقية أجواء التسامح من الهواء الملوث بالخوف من الآخر والشك به كفشل حركة «من أجل مدينة كولن» الألمانية مؤخراً في تنظيم مؤتمرٍ معادٍ للإسلام في المدينة إثر تنسيق المهاجرين المسلمين لجهودهم مع المنظمات الحقوقية.

أتت أكلها بمنع سلطات المدينة ل«حليقي الرؤوس» من عقد تجمعهم الداعي إلى المحافظة على الطابع «الأوروبي الأبيض» لألمانيا، أو كتعيين المغاربية رشيدة داتي وزيرةً للعدل في فرنسا مثلاً وهي التي نشأت في الضواحي لعائلةٍ من 12 فرداً، في وقتٍ يبدو فيه هؤلاء المتسربلون بثياب التغريب بحاجةٍ طفوليةٍ ماسة إلى العدل بعدما كان تسرب من بين أصابعهم في أوطانهم المنسية.

رؤوف بكر : bbaker@albayan.ae