مع ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الطلب عليها، في الوقت الذي تتناقص فيه الاحتياطيات العالمية منها، تتوجه الأنظار إلى منطقة المحيط المتجمد الشمالي الغنية بموارد الطاقة والثروات الطبيعية الهائلة، هذا المحيط الذي تشغل شواطئه خمس دول فقط هي: روسيا والولايات المتحدة وكندا والنرويج الدنمارك.

وزادت حدة الصراع هناك مؤخرا بعد أن أعلنت روسيا عن سعيها لإثبات ملكيتها لمساحة تصل إلى أكثر من مليون و200 ألف كيلومتر مربع، تدعي أنها امتداد لأراضيها في قاع المحيط، وأرسلت بعثاتها العلمية لإثبات ذلك، ووضعت العلم الروسي في قاع المحيط. وهو الأمر الذي استنكرته بشدة الدول الأربع الأخرى، وتزايدت حدة الصراع خلال الأيام الماضية مع زيادة التحركات الروسية في منطقة القطب الشمالي.

إستراتيجية روسية : عقد مجلس الأمن الروسي اجتماعا في منتصف سبتمبر الماضي في جزيرة ألكسندرا بأرض «فرانز جوزيف» في المحيط المتجمد الشمالي، الأمر الذي أثار الولايات المتحدة وكندا، فقررا على الفور إرسال كاسحة الجليد الأميركية «هيلي» في مهمة في القطب لتحديد ملكية البلدين فيه، وبعد يومين التقى الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف في مجلس الأمن الروسي .

وأعلن أن روسيا ستضع قانونا يحدد ملكيتها في القطب الشمالي، وردت الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس على هذا قائلة: «إن أي قانون روسي حول هذا الشأن لن يحظى بأي اعتراف دولي»، وأثار حديث مدفيديف ردود فعل قوية وغاضبة في الدوائر الغربية، خاصة وأن الرئيس الروسي أكد على أن منطقة القطب الشمالي تشغل لدى روسيا أهمية إستراتيجية بالغة.

وأن هناك إستراتيجية لتحويل هذه المنطقة إلى قاعدة للموارد الطبيعية لروسيا في القرن الواحد والعشرين، وقال مدفيديف «سنسعى لإثبات حقنا وحماية مصالحنا في هذه المنطقة بمختلف الوسائل وهذا واجبنا تجاه الأجيال القادمة».

وأشار مدفيديف في حديثه إلى أن منطقة القطب تساهم الآن بنحو 20 في المئة من الناتج المحلي الروسي و22 في المئة من صادرات روسيا و11 في المئة من الدخل القومي، وأنه من المتوقع أن تتضاعف هذه النسب بعد إقرار المجتمع الدولي والأمم المتحدة لحق روسيا في المنطقة التي تدعي ملكيتها في القطب الشمالي، وأشار مدفيديف إلى أن روسيا لن تغتصب حقا من أحد.

بل تتمسك بالقانون الدولي لإثبات حقها، وتحدث سكرتير مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف قائلاً إن «الحكومة الروسية تعد الآن خطة لتنفيذ إستراتيجية الدولة في القطب الشمالي وأن هذه الخطة ستكون جاهزة للتنفيذ في أول ديسمبر المقبل».

الاستعداد للحرب

صحيفة «تايمز» البريطانية علقت على حديث مدفيديف قائلة إن «هذا مؤشر واضح على إعلان روسيا بداية الصراع على الثروات النفطية في القطب الشمالي»، وربطت الصحيفة هذه التحركات الروسية بالحرب الأخيرة في القوقاز، معتبرة أن روسيا لم تعد تعير للغرب أي اهتمام وأنها ماضية في فرض وجودها على الساحة الدولية حسبما يتراءى لها.

وكان الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا قد صرح بأن «الصراع على منطقة القطب الشمالي الغنية بالثروات الطبيعية على وشك الاشتعال بين روسيا والغرب»، وتوقع سولانا أن تشهد هذه المنطقة حروبا ضارية خلال القرن الجاري، كما ورد في التقرير الإستراتيجي للبنتاغون الأميركي لعام 2007 أن الصراع على ثروات القطب الشمالي سيولد حروبا في هذا القرن.

وأن على الولايات المتحدة الاستعداد لذلك، واتخذت الحكومة الكندية مؤخرا قرارا بإنشاء قاعدتين عسكريتين في منطقة القطب بهدف حماية مصالحها، رغم أن القانون الدولي يمنع أي انتشار عسكري في هذه المنطقة، أيضا الولايات المتحدة قامت مؤخرا ولأول مرة بإجراء مناورات عسكرية في القطب في منطقة ألاسكا.

تقديرات الأمم المتحدة تقول إن احتياطيات النفط في القطب الشمالي تعادل مرتين ونصف احتياطيات النفط في باقي بحار العالم، وان هناك أيضا احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي ومن الماس والذهب والبلاتين والنيكل، ويشير الخبراء إلى أن الاهتمام بثروات القطب الشمالي زاد مؤخرا بعد الارتفاع الملحوظ في درجة حرارة الأرض وذوبان الثلوج في القطب.

وناقشت القمة الأوروبية في 13 مارس الماضي هذه القضية وتوقعت زيادة الصراعات على هذه المنطقة حيث سيؤدي استمرار ذوبان الثلوج إلى سهولة الوصول للثروات الكامنة في قاع المحيط الشمالي.

رحلة إلى القاع

الصراع على القطب الشمالي بدا واضحا في شهر أغسطس من العام الماضي 2007 عندما أرسلت روسيا بعثتها العلمية إلى القطب، والمكونة من 350 فرداً، أبحرت على متن سفينتين من كاسحات الجليد العملاقة لمدة أسبوع كامل، وعند نقطة معينة أنزلت السفينتين مركبتي الغوص «مير1» في قاع المحيط، لمسافة نحو أربعة آلاف متر في رحلة غوص استمرت ثماني ساعات.

وبقت المركبتان في القاع ما يقرب من ساعة كاملة تجمع فيهما عينات من تربة القاع وصخوره ومحتوياته، وهي عملية معقدة للغاية، بهدف إثبات حق روسيا في امتداد جرفها القاري لمسافة أكبر بكثير من المئتي ميل بحري التي نصت عليها اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1982، وهو ما نصت عليه الاتفاقية الدولية لقانون البحار لعام 1997 التي تمنح الدول الحق في مد جرفها القاري لأكثر من مئتي ميل إذا أثبتت اتصال الجرف الخاص بها بهذه الأراضي الأخرى.

وهي الاتفاقية التي تستند إليها روسيا وتسعى إلى إثبات حقها في سلسلة جبال «لومونوسوف وميندلييف» الواقعة في قاع المحيط المتجمد الشمالي باعتبارهما مربوطين بالجرف القاري الروسي تعتبر أراضي روسية، وقامت البعثة الروسية بوضع علم روسيا المعد من البلاستيك في قاع المحيط، الأمر الذي شكل استفزازا واضحا للغرب.

وكتبت صحيفة «إندبندنت» البريطانية تشبّه رحلة البعثة الروسية للقطب بهبوط الإنسان على سطح القمر من ناحية الجرأة والإمكانات التقنية العالية والمكلفة، وقالت الصحيفة إنه لو نجحت روسيا في تحقيق أهدافها في القطب فسوف تضمن سيادتها على عالم الطاقة في المستقبل، حيث تؤكد المعلومات احتواء باطن القطب على أكثر من 52 في المئة من احتياطيات النفط والغاز في العالم.

الإمكانيات التقنية

ويقول نائب رئيس معهد القطبين في موسكو ألكسندر دانيلوف إن «روسيا لم تخالف القانون الدولي البحري، بل التزمت ببنود الاتفاقيات الدولية والإجراءات التي حددتها لإثبات الحق، حيث كانت روسيا تقدمت بطلب للجنة المعنية بالحدود البحرية في الأمم المتحدة العام 2001 تطالب بحقها في امتداد جرفها القاري في القطب الشمالي، وأرفقت طلبها ببعض الأدلة والبراهين.

ولكن اللجنة لم تقتنع بهذه الأدلة، وطلبت من روسيا مزيداً من الإثباتات، ما يعني أن الرحلة الروسية للقطب جاءت لتنفيذ طلبات اللجنة الدولية بجمع الأدلة والبراهين، وليست شكلاً من أشكال السطو والقرصنة كما صورها الإعلام الغربي».

الخبير البحري الروسي أناتولي كولودكين يقول إنه في هذه القضية بالتحديد «يتوقف الأمر على القدرة والإمكانات والتقنيات الحديثة العالية التي تمكن صاحبها من إثبات حقه القانوني، وهو الأمر المتوافر لروسيا حالياً من دون غيرها من الدول الخمس الأخرى.

حيث تملك روسيا أسطولاً من كاسحات الجليد القطبية العملاقة، والذرية يتجاوز عددها عشر كاسحات، بينما لا تملك الولايات المتحدة سوى كاسحة جليد واحدة تسمى «هيلي»، وتتبع لحرس الحدود، ولا تملك الدول الثلاث الأخرى هذه الكاسحات القطبية».

من يفوز بالسباق؟

الولايات المتحدة الأميركية لم يسبق لها أن أبدت اهتماماً بالقطب الشمالي، ولم يصادق الكونغرس حتى الآن على الاتفاقية الدولية للعام 1982، وربما يرجع هذا لأنها أقل الدول الخمس المطلة على المحيط في مساحة الجرف القاري، حيث إنه لا يربطها بالقطب سوى الجزء الشمالي من شبه جزيرة ألاسكا التي اشترتها من روسيا في القرن التاسع عشر.

الدنمارك لا تملك هناك سوى جزيرة غرينلاند، وربما الأمر يمس كندا بشكل أكبر، ولكنها بعيدة عن المنطقة التي حددتها روسيا لنفسها، والأمر في النهاية لا يخلو من الصراعات السياسية التي تثير قلق ومخاوف الغرب من هيمنة روسيا على القطب وثرواته الهائلة.

ردود

أثار حديث الروسي ديمتري مدفيديف ردود فعل قوية وغاضبة في الدوائر الغربية، خاصة وأن الرئيس الروسي أكد على أن منطقة القطب الشمالي تشغل لدى روسيا أهمية إستراتيجية بالغة، وأن هناك إستراتيجية لتحويل هذه المنطقة إلى قاعدة للموارد الطبيعية لروسيا في القرن الحادي والعشرين، وقال مدفيديف: «سنسعى لإثبات حقنا وحماية مصالحنا في هذه المنطقة بمختلف الوسائل .

وهذا واجبنا تجاه الأجيال القادمة»، وأشار مدفيديف في حديثه إلى أن منطقة القطب تساهم الآن بنحو 20% من الناتج المحلي الروسي و22% من صادرات روسيا و11% من الدخل القومي، وأنه من المتوقع أن تتضاعف هذه النسب بعد إقرار المجتمع الدولي والأمم المتحدة لحق روسيا في المنطقة التي تدعي ملكيتها في القطب الشمالي، وأشار مدفيديف إلى أن روسيا لن تغتصب حقا من أحد، بل تتمسك بالقانون الدولي لإثبات حقها.

تعليقات

أثار الموضوع عددا من التعليقات السياسية، منها قول الممثل الأعلى للسياسات الدولية والأمنية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا إن «الصراع على منطقة القطب الشمالي الغنية بالثروات الطبيعية على وشك الاشتعال بين روسيا والغرب». كما اعتبر تقرير لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن «الصراع على ثروات القطب الشمالي سوف يولد حروبا في هذا القرن وعلى الولايات المتحدة الاستعداد لذلك».

ورأت مصادر صحافية مثل صحيفة «إندبندنت» البريطانية أن «رحلة البعثة الروسية للقطب الشمالي والهبوط إلى قاع المحيط تشبه هبوط الإنسان على سطح القمر من ناحية الجرأة والإمكانات التقنية العالية والمكلفة».