الصراع الجاري على ثروات القطب الشمالي حالياً، والذي بدأت مؤشراته بعد الرحلة الروسية للقطب وزرع العلم الروسي في قاع المحيط المتجمد في أغسطس من العام الماضي، تكشف في جوهره عن قضية مهمة تتصل إلى حد كبير بالأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي يعيشها العالم الآن.
هذه الأزمة التي كشفت عن الخلل الكبير الكارثي الذي سببه غياب دور الدولة في ظل هيمنة اقتصاد السوق بمفاهيمه الأميركية التي تحظر تدخل الدولة بأي شكل من الأشكال في أنشطة الأسواق والمال، وتجعل من دور الدولة مجرد شكل، إن لم يكن إطارا شرعيا لممارسات غير شرعية.
ونذكر هنا أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل رفضت الذهاب إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الدورة 63 للجمعية العامة للأمم المتحدة التي انعقدت الشهر الماضي، وقالت إن سبب رفضها هو غضبها من الإدارة الأميركية التي لم تسمع لنصيحة الأوروبيين في العام الماضي عندما طلبوا منها التدخل لوقف الفساد في أسواق المال الأميركية، حيث ردت إدارة بوش قائلة ان التقاليد الأميركية لا تسمح بتدخل الدولة.
ولكن ما علاقة ذلك بالقطب الشمالي وثرواته؟
القطب الشمالي منطقة طبيعية بكر ووعرة ،وظروف العمل فيها تحتاج لاستثمارات كبيرة وبرامج وخطط عمل طويلة الأمد، وأهم شيء أن هذه الاستثمارات التي ستوجه لهذه المنطقة الآن لن تحقق عوائد وأرباحا قبل 20 عاما على الأقل، وهذا الشكل من الاستثمار لا يتعامل معه اقتصاد السوق ورأس المال الخاص الذي يسعى لتحقيق أكبر الأرباح بأقل التكاليف في أقل فترة زمنية ممكنة.
ولا يوجد المستثمر الخاص المستعد لإيداع أمواله في مشاريع سيأتي عائدها بعد عقدين من الزمان، وربما لهذا نجد أن دولتين مثل بريطانيا والولايات المتحدة لا يعرف اقتصادهما الخطط الخمسية والعشرية، كما أنه لا يتعامل أيضا مع مفاهيم مثل «المشاريع الوطنية» و «الاستثمار من أجل الوطن» أو «من أجل الأجيال القادمة»، مثل هذه المفاهيم تتعامل معها الدولة ورأس المال العام.
لهذا استغلت روسيا الفرصة في ظل توافر السيولة المالية لديها من عائدات الطاقة، لتتجه للقطب الشمالي وتضع يدها على ثرواته، بينما لم تفكر الولايات المتحدة ولا أية دولة أخرى أن تحذو حذوها لأن دور الدولة عندهم مشلول وعديم الفاعلية، ولا تتدخل الدولة عندهم إلا لإنقاذ رأس المال الخاص، مثلما حدث في واشنطن الأيام الماضية.
بينما امتنعت الإدارة الأميركية والدولة هناك عن تمويل المشاريع الوطنية، وأكبر مثال على ذلك وكالة «ناسا» للفضاء التي تقلصت ميزانيتها بأكثر من 60 في المئة، فاضطرت للجوء لروسيا لتتعاون معها في أبحاث وأنشطة الفضاء. هذا يجعلنا نعود لسؤال قديم ومهم للغاية، وهو: ما مدى المصداقية الوطنية لرأس المال الخاص إذا كان لا يشارك في بناء مستقبل الوطن والأجيال القادمة؟.
د. مغازي البدراوي : elmoghazy@hotmail.com