قربت الأزمة المالية بين مشاعر الأفراد على مستوى العالم، فالكل يشعر بالقلق من المستقبل، ولم يجد الناس سوى الدولة ملاذا لهم. ففي لحظة متشابهة عالميا ظهر الجميع ضعفاء أمام أنفسهم وأمام عجزهم، إذ اكتشف الأغنياء الذين احترفوا الاستقواء على الدولة أنهم أضعف من أوهام القوة والثروة في مرحلة فارقة من حاضر الإنسانية.
في مصر مثلا سارع بعض الذين كانوا يحتقرون التعامل مع بنوك الدولة إلى الهرولة إليها لإيداع أموالهم، بعدما انتابهم الهلع، وهم يرون البنوك التي أعطوها ثقتهم تتهاوى تحت ضربات الأزمة المالية. وكان هؤلاء يفضلون التوجه إلى البنوك الأجنبية إمعانا في إخفاء ثرواتهم أو لتهريبها إلى الخارج.
وفي روسيا يقف أباطرة المال الذين ضاعت أموالهم في بنوك الخارج أمام أبواب الكرملين يطلبون معونته لإنقاذهم وشركاتهم من الإفلاس، وكان هؤلاء يرفضون نداءات الدولة الروسية لهم بالمساهمة الفعالة في الاقتصاد الوطني عبر الإبقاء على أموالهم في الداخل.
وفضلوا تهريب أموالهم ورفضوا إعادتها، بل ان بعضهم كان يردد أنه وحده الذي يقرر من يحكم روسيا، ثم وقعت الأزمة المالية فوق رؤوسهم. ولم يجد هؤلاء لهم معينا سوى الدولة التي استقووا وتطاولوا عليها.
وفي معظم الدول النامية كان الأغنياء يرفضون بصوت عال تدخل الدولة لإغاثة الطبقات الفقيرة من خلال تقديم التسهيلات الحياتية في مجالات الصحة والتعليم والإسكان لهم. كانوا يعتقدون أن الدولة خلقت لهم وحدهم.
اليوم يدرك الجميع من واقع المعاناة المشتركة أن الدولة يجب أن تكون للجميع، أن تكون حارسا على حقوق الفقراء مثلما هي ضامن لأموال الأغنياء، وأن تعيل الفقراء والأغنياء في شدتهم، فالكل في حق الدولة سواء. لقد وصف أحد المفكرين الاقتصاديين بشاعة الأزمة الحالية بقوله: «لن تنجو من آثار هذه الأزمة قرية على وجه الأرض».
وهذا الوصف واقعي جدا رغم قسوته، فما ظهر من الأزمة ليس سوى القشور. ولهذا فلا مخرج منها إلا بالتكاتف المجتمعي الداخلي على مستوى كل دولة. وبالتكاتف العالمي بين كافة الدول غنيها وفقيرها، وإلا فإن الأزمة ستأخذ الجميع إلى مجهول تتهاوى فيه دول ونظم حكم ظنت أنها أقوى من عاتيات الأزمان.
لكن البادي أن الدول الغنية لاتزال تتصرف على طريقة أنا ثم الطوفان، غير عابئة بالدول المستضعفة، وهي بذلك لم تتعلم من درس الأزمة جيدا. ولذا فالمستقبل قد يحمل لها ولغيرها الكثير من المفاجآت غير السارة، إن هي تصرفت مثلما تصرف مترفوها قبل الأزمة. فالمترفون في أي مجتمع هم عنوان الدمار سواء كانوا أفرادا أم مؤسسات يديرها حمقى.
أحمد الكناني