وجدت نفسي مهموماً، منذ بدايات حياتي، بالشأن الاقتصادي في بلادي، كجزء من اهتمامي بالشأن العام. ورغم أنني حاولت أن أقرأ، وقد قرأت كثيراً، فإن تكويني الأكاديمي المحدود جعل معرفتي بالاقتصاد، في الحدود الأولية، الضرورية، للمسؤول السياسي. واعترف بأن قراءتي لسفر ماركس الأساسي (رأس المال) لم تكن كاملة.

بل هي اقتصرت على فصول أساسية منه، لا سيما ما يتصل بالقيمة، وبفائض القيمة، وبالأجور والأسعار والأرباح، وبالتراكم الرأسمالي الذي كان يرى فيه ماركس الموضوع الأساسي في الصراع والتنافس بين الرأسمال وبين أربابه، من جهة، وبين مشروعه هو، أي ماركس، من جهة ثانية وكان يتم هذان الصراع والتنافس، في مشروع ماركس الاشتراكي، باسم الطبقة العاملة وسائر المنتجين بسواعدهم وبأدمغتهم. وهو المشروع العظيم الذي كان يرمي ماركس منه تغيير العالم، في الاتجاه الأكثر تقدماً، والأكثر حرية للبشر، والأكثر عدالة اجتماعية.

وأشهد أن هذا القدر من قراءتي لـ «رأس المال» ولكتابات ماركس الأخرى السياسية خصوصاً، ولكتابات أنغلز ولينين ولآخرين ممن أتيحت لي إمكانية الوصول إلى بعض كتاباتهم وكتبهم، هذه القراءات هي التي جعلتني، منذ البدايات، وخلال فترة تحملي مسؤوليات سياسية، وهي التي تجعلني اليوم على وجه الخصوص، معنياً بالشأن الاقتصادي في بلدي وفي العالم، متابعاً للتحولات الجارية فيه.

مهموماً بالآثار السلبية التي يولدها النظام الرأسمالي في تطوره العشوائي، وحالماً مثل الملايين من أمثالي بالوصول إلى القدرة في ذات زمان، قدرة هذه الملايين على تحقيق تحررها من هذا النمط المتوحش من علاقات الإنتاج، التي تكونت، ولا تزال تتكون، خارج أي قانون.

ما فهمته من هذه الأزمة، ولا أظن أن ذلك صعب على الفهم لمن يريد أن يفهم، ما فهمته هو أن الرأسمال المعولم قد تجاوز، في طرائق تطوره، القوانين الموضوعة لكل عمل إنساني، لا سيما إذا كان هذا العمل من النوع الذي يتصل بحركة المال وبالتأثيرات التي يمارسها هذا المال في حياة البشر. وأول ما تجاوزه هذا الرأسمال المعولم في تطوره اللامحدود هو تحرره من الارتباط بقوانين تنظم حركته.

إذ هو وضع لحركته قوانين تخصه هو بالذات، من دون حساب للبشر. لكن ما هو أخطر من ذلك، ربما، في سلوك أرباب الرأسمال المعولم، هو تجاوزهم حدود الدولة الوطنية، وحدود القارات، وحدود المؤسسات المالية والسياسية الرأسمالية ذاتها، التي وجدت لكي تنظم العمل المالي والاقتصادي والسياسي في آن معاً.

إلا أن هذا التجاوز الذي اختاره الرأسمال المعولم في حركته إنما بلغ ذروته في المرحلة التي أعقبت انهيار النظام الاشتراكي العالمي. إذ تصور المنظرون لهذا الرأسمال المعولم، والمنظرون للنظام الرأسمالي في شكل عام، بأن انهيار النظام الاشتراكي قد حرم البشر من حقهم الطبيعي بالحلم بمستقبل أفضل لهم، في نظام تتوحد فيه الأقانيم الثلاثة الأساسية في حياة البشرية: الحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية.

وهذا التنظير هو الذي صار يعرف في الأدبيات المعاصرة بنظرية نهاية التاريخ. وبالطبع فقد كان ذلك التنظير من أسوأ ما أنتجته هذه المرحلة الجديدة في تاريخ العالم، المرحلة التي كانت تتهيأ شروطها قبل انهيار النظام الاشتراكي، ثم سلكت طريقها إلى التحقق في أعقاب ذلك الانهيار.

هذا التنظير العبثي الذي حاول أصحابه لي عنق التاريخ ولي عنق قوانينه الموضوعية، قد جاءت الأزمة المالية الراهنة التي تعصف بالعالم الرأسمالي، وتهدد البشرية كلها، وتهدد بالأخص الأكثرية الساحقة منها بمستقبل أسود، جاءت لتؤكد أنه، أي هذا التنظير، كان مناقضاً للقوانين الأولية والأساسية للحياة على الكوكب. فليس صحيحاً، ولا يمكن أن يكون صحيحاً، أن للتاريخ نهاية.

لقد عرف العالم أزمات عديدة في تاريخه الحديث. لكن أول أزمة رأسمالية كبرى شهدها العالم تلك التي حصلت في العام 1929، وقادت العالم إلى حرب كونية خلفت دماراً بشرياً ومادياً لا تزال شعوب أوروبا، خصوصاً، تتذكره، وتتذكر مآسيها فيه، وترفض الانجرار وراء المغامرين في اتجاهه من جديد.

وفي ظني فإن ذلك الذي حصل في أعقاب أزمة 1929 لن يتكرر على النحو ذاته. لكن الأزمات التي صارت فيما بعد، ومنها أزمة النمور الآسيوية وأزمة البرازيل والأرجنتين في أميركا اللاتينية في مطالع تسعينات القرن الماضي، قد تمكن الرأسمال العالمي، من خلال مؤسساته المالية الكبرى، من وضع حد لمفاعيلها.

وكان من طبيعة الأزمات السابقة بالمقارنة مع الأزمة الراهنة، تلك الأزمات المتصلة بالإنتاج أنها كانت تحل بإتلاف الفائض من الإنتاج، عندما كان يزداد العرض عن الطلب، من أجل خلق التوازن الطبيعي في السوق بين العرض والطلب. ورغم أن مثل تلك التدابير كان يصيب القسم الأعظم من الناس في كل بقاع الأرض، فإن الرأسمال ظل محافظاً على ذاته، قادراً على تجديد نفسه، متجاوزاً أزماته.

كلما كانت تظهر إلى الوجود من دون أن يأخذ بالاعتبار، العواقب الخطيرة التي كانت تصيب الملايين من البشر من جراء تلك التدابير. إلا أن الأزمة الراهنة إنما تختلف في طبيعتها عن تلك الأزمات السابقة، بما فيها أزمة 1929. فهي أزمة ناتجة في الأساس عن المضاربات، المضاربات في البورصة، وفي العقارات، وفي الاقتصاد الريعي.

وهي مضاربات لا علاقة ضرورية لها بالإنتاج الحقيقي. وهذا ما شهدناه في الارتفاع الجنوني في أسعار النفط والغاز، وفي الارتفاع الجنوني في العقارات وفي مشتقات مواد البناء. ذلك أن الرأسمال المعولم الذي حرر نفسه من القوانين الطبيعية، وتجاوز في شكل متعسف الحد الأدنى لرقابة الدولة، الرقابة القانونية الرامية إلى تنظيم حركته، وليس للتدخل المباشر في شؤونه، هذا الرأسمال قد سمح لنفسه، استناداً إلى حريته المطلقة هذه.

في أن يمارس كل أنواع الأعمال المالية، لا سيما غير الشرعية منها، وغير الإنسانية على وجه التحديد، ذات الصلة بالرقيق الأبيض، وبالمخدرات، وبتجارة السلاح، وبإثارة الحروب المحلية بهدف خلق أسواق لهذا السلاح. لذلك لم يكن مستغرباً أن يفيق العالم فجأة على هذه الأزمة المالية التي هزته، والتي لا نعرف كيف ستحاول الدول الرأسمالية الكبرى تجنيب العالم نتائجها الكارثية.

تطرح هذه الأزمة المالية الكبرى سؤالاً كبيراً، سؤالاً كثرت محاولات الإجابة عنه، وتعددت الاجتهادات والنظريات بشأنه. لكنها لم تأت بالجواب المنطقي المقنع، المنقذ من الكوارث. هذا السؤال الكبير هو السؤال المتصل بتحديد المعنى الحقيقي للعولمة الرأسمالية المعاصرة، وبتحديد الاتجاه الذي يسير فيه هذا الرأسمال المعولم، وإلى متى، وبأية كلفة للبشر عموماً.

وللكوكب الأرضي في بيئته وفي محيطه الخارجي. ولقد أتيح لي، منذ تسعينات القرن الماضي، أن أحضر العديد من الندوات التي نظمت في العديد من البلدان العربية، حول العولمة. كما تقصدت أن أبحث عن الكتب والكتابات، التي تعالج الموضوع. وقرأتها جميعها. واستمعت إلى شروحات أصدقاء لي من كبار خبراء المال والاقتصاد.

لكنني أعترف بأن ما قرأته وما سمعته كان، في معظمه، كلاماً أيديولوجياً في أحد اتجاهين، يساري رافض أيديولوجياً لفكرة العولمة، ويميني مبرر لها من دون إقناع، أو شارح لها ولطبيعتها، في شكل يشبه الموضوعية. كما كان بعض مما قرأته وسمعته عن الظاهرة يحاول جاهداً تقصي الأسباب الموضوعية التي أدت إلى ولادتها.

وقد وجدتني، في مرحلة لاحقة، في ضوء استشراء الظاهرة، في حاجة إلى العودة إلى ماركس. فقرأت بعض فصول كتابه «رأس المال»، لا سيما ما يتعلق منها بالتراكم الرأسمالي وباتجاهاته التاريخية. فاكتشفت ما لم أكن قد انتبهت إليه، في قراءتي الأولى لماركس، أن عبقري الألفية الثانية كان يستشرف في كتاباته عن التراكم الرأسمالي تحول الرأسمال من رأسمال وطني إلى رأسمال عالمي.

من دون أن يغامر في الحديث، ولم يكن ذلك ممكناً بالنسبة إليه، في ذلك التاريخ، عن المواصفات التي صارت تميز الرأسمال المعولم المعاصر. لكنني اكتشفت، في الوقت عينه، أن العولمة لا تنحصر في الرأسمال وحده. بل هي تتجاوز هذا الرأسمال ودوره وفعله. وما أرمي إليه بقولي هذا هو أن الرأسمال المعولم قد ولّد معه منجزات علمية هائلة لصالح تطوره هو، مقدماً في الآن ذاته، في هذه الإنجازات، تقدماً هائلاً للتطور الإنساني بشكل عام.

وفي هذا السياق لابد من الإقرار بواقع جديد ومهم بأن وظيفة ودور الرأسمال المعولم، في الشروط التي أشرنا إليها، قد قادا العالم، في التطور العاصف لهذا الرأسمال، إلى مرحلة جديدة من تاريخه. وإذا كان هذا الرأسمال، خلال ثلاثة أرباع القرن من وجود نظام عالمي اشتراكي، محدود القدرة، فإن انهيار هذا النظام النقيض قد هيأ له الشروط لكي يتابع تطوره، من دون معيقات من أي نوع.

الحقيقة الكبيرة التي اكتشفتها، وأنا أقرأ وأتابع السجالات حول العولمة، أن الرأسمال المعولم قد قاد العالم في تطوره إلى وحدة موضوعية غير مسبوقة في التاريخ. ووحدة العالم هذه إنما تعبر عنها، في شكل واضح، أوتوسترادات المعرفة وأوتوسترادات الاتصالات.

وهي إنجازات بالغة الأهمية بالنسبة إلى مستقبل البشرية. لكنهما، بالمقابل، تشكلان مصدر بؤسه وقلقه على مستقبله، لأنهما غير محكومتين بقوانين تنظم استخدام البشر لهما في شكل يخدم مصالحهم ويؤمن لهم مستقبلاً أفضل.

ذلك أن الذي يتحكم بهذه المنجزات العظيمة هو الرأسمال المعولم ذاته، ولمصالحه هو، وضد مصالح البشر. كما يستخدمه، خارج القوانين التي تنظمه، المتطرفون من كل الأنواع، الذين يعملون على تدمير حياة البشر في بلدانهم وفي البلدان الأخرى، من نوع ما حصل ويحصل في نشاط بن لادن وأمثاله في كل الأمكنة في عالمنا المعاصر.

خلاصة تأملاتي هذه، التي تنقصها المعرفة الحقيقية بعلم الاقتصاد، والمعرفة الحقيقية بالمال وبحركته، تقودني إلى تقديم بعض الاستنتاجات، ربما بقدر غير كاف من البراهين والأدلة، لكن بقدر كبير من الرغبة والحلم في التغيير، استناداً إلى مشروع ماركس الأصلي، معدلاً في الاتجاه الذي يجعله أكثر تطابقاً مع العصر ومع تحولاته.

الاستنتاج الأول

هو أن وحدة العالم التي أشرت إليها هي وحدة موضوعية، وعلينا أن نتعامل معها كحقيقة تاريخية خارج التصنيف الأيديولوجي لها. وهذا الإقرار بوحدة العالم إنما يرمي إلى جعل الشعوب، الصغيرة منها خصوصاً، تدرك أنها لا تستطيع أن تبقى في منأى عما يجري من تحولات في العالم، في الإيجابي من هذه التحولات، وفي السلبي منها في الوقت الراهن، على وجه الخصوص.

وهذا الإقرار بوحدة العالم يقضي بأن يخرج المغلقون على هوياتهم القديمة من الأسر الذي يضعون أنفسهم فيه، وأن يدخلوا في العصر، من دون التخلي عن هوياتهم، ولكن بالإقرار بأن هذه الهويات بحاجة إلى أن تتفاعل مع تحولات العصر وتغتني بها.

الاستنتاج الثاني

هو أن الدولة الوطنية لاتزال بحاجة إلى أن تتوطد مواقعها، وأن تعزز دورها كناظم للحياة في بلدانها، خلافاً لما شاع، بعد انهيار التجربة الاشتراكية، ورداً على المبالغة في إعطاء الدولة وظائف تتجاوز دورها.

ذلك أن وظيفة الدولة، بهذا المعنى، إنما تتحدد في الرقابة على حركة الاقتصاد الرأسمالي، وعلى همجيته وتوحشه، الرقابة خصوصاً على تجاوزه غير المشروع للأنظمة وللقوانين، وتجاوزه غير المشروع لحقوق الناس في أبسط أولوياتها.

إلا أن هذه الدولة لا يمكن، في العصر الحالي، وفي شروطه، إلا أن تكون دولة حق وقانون ومؤسسات، حتى في ظل النظام الرأسمالي المهيمن على العالم. فمن شأن هذه الوظيفة وهذا الدور للدولة في العالم المعاصر أن يمنعا وقوع ظاهرات تتكرر في البلدان المتقدمة وفي البلدان المتخلفة من نوع الدخول في الجريمة المنظمة، وفي الفساد، وفي سرقة خيرات المجتمع، وفي تدمير البيئة، وفي الاعتداء على المحيط الخارجي للكوكب.

الاستنتاج الثالث

هو أن الاتحادات التي نشأت والتي تنشأ في مناطق مختلفة من العالم ينبغي أن ترتقي إلى مستوى القدرة على لعب دور ناظم للحياة الاقتصادية في مجالاتها المختلفة، أسوة بما يفترض أن تقوم به الدولة في كل بلد، واستكمالاً رشيداً لدورها على صعيد الاتحادات الآخذة في التشكل في مناطق مختلفة في العالم.

الاستنتاج الرابع

هو أن منظمة الأمم المتحدة باتت بحاجة إلى أن تستعيد دورها الذي من أجله أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وهو دور لا يتعلق فقط بإقرار السلم، وبالعمل على حل النزاعات، وبالعمل على إعطاء الشعوب كافة، والقوميات الصغيرة والأقليات القومية، حقوقها، بما في ذلك حقوقها في تقرير مصائرها بحرية.

بل هو دور يجب أن يتجاوز تلك الوظيفة الأصلية إلى الرقابة على الرأسمال المعولم، من أجل منعه من تجاوز القوانين العامة، على حساب حقوق الشعوب والأمم، وحقوق البشر، مثلما تدل عليه الأزمات السابقة، وما تدل عليه خصوصاً الأزمة المالية الراهنة.

هذا الدور للأمم المتحدة هو أشبه بحكومة عالمية، شرط ألا يبقى حق النقض مقتصراً على الخمسة الكبار. بل ينبغي أن تدخل إليه دول كبرى من الأطراف، إضافة إلى ألمانيا، مثل البرازيل والهند واليابان، ودولة إفريقية من الدول الكبرى المستقرة أمنياً واقتصادياً.

الاستنتاج الخامس

هو أن هذه الأزمة المالية العاصفة إنما تتطلب من الطامحين إلى التغيير في بلداننا، أن يجهدوا بكل طاقاتهم لصياغة برنامجهم، أو برامجهم الرامية إلى تحقيق هذا التغيير. وهو جهد يقضي بالربط بين ما تحقق في القرن الماضي من إنجازات باسم الاشتراكية، ثم تبدد على يد من تقدموا لوضعه موضع التطبيق، وبين ما حصل من متغيرات في العصر الجديد، في ظل العولمة الرأسمالية، من إنجازات علمية، ومن كوارث اقتصادية ومالية وبيئية دفع الملايين من حياتهم الثمن الباهظ لها.