«الحروب غير النظامية» تسمية تشمل الإرهاب وحرب العصابات والحروب الثورية والانتفاضات المسلّحة والحروب الأهلية والاثنية، الخ. ويبقى الإرهاب هو الأكثر «بروزا» بينها في الحقبة الراهنة حيث أنه يعبّر عن المواجهة بين الجيوش النظامية لقوى كبرى أحيانا وبين مجموعات أقل تسلحا مما يعطي لهذه المواجهة صفة «الحرب غير المتكافئة». لكن إذا كانت كل حقب التاريخ قد أثبتت أهمية التكنولوجيات الحديثة في سير الحروب فإنها ليست «كافية» وحدها لتحقيق الانتصار الحاسم.
يبقى الخوف الأكبر هو دخول أسلحة الدمار الشامل بمكوناتها المختلفة، النووية والكيميائية والبيولوجية، إلى مجال النشاطات الإرهابية. مع ذلك يتم تصنيف الإرهاب في خانة «الحروب غير المتكافئة». هذا إلى جانب التأكيد أن جميع الحروب هي عامة «غير متكافئة». فالقوة العسكرية الأميركية الحالية كبيرة إلى درجة أنه «لا تكافئها» أية قوة أخرى من حيث موازين القوى. وهي تعتمد كثيرا على تعزيز «قواتها الخاصة» في منظور المستقبل في المحصلة يرى مؤلف هذا الكتاب أن السنوات المقبلة، خاصة على المدى القصير، ستشهد مزيدا من الإرهاب و«الحروب غير النظامية». لكن الخطر الأعظم هو في المواجهة بين القوى الكبرى. هناك العديد من أشكال الحرب «غير التقليدية»، أي تلك التي تتواجه فيه الأمم والدول، ومن بين هذه الأشكال الحرب الثورية وحرب العصابات والإرهاب وحروب التحرير والانتفاضات المسلّحة والحرب الاثنية والحرب الأهلية وأشكال متنوعة أخرى من «الحروب».
ولكل حرب منها «طريقتها الخاصّة» المفضّلة أو سمتها السياسية النوعية. بكل الحالات يجمعها المؤلف كلها تحت عنوان عريض هو «الحرب غير النظامية». وتتم الإشارة بداية إلى أن الحكومات تميل إلى معاملة الإرهابيين كمجرمين ذلك أن الرهان في مثل هذا النموذج من النزاع هو «شرعية» الأطراف الداخلة فيه بنظر المجتمع. لكن يبقى الإرهاب هو عمل حربي والحرب غير النظامية لا تزال ميدانا لا يخضع كثيرا للقواعد القانونية الصارمة الدقيقة.
ويرى المؤلف أن تعريفات الإرهاب ليست غائبة حقيقة، ولكنها تحتوي كلها تقريبا على «الحشو» عبر الحديث عن أهداف وصفات ونوايا إستراتيجية من الصعب أن «يستوعبها» أي تعريف. وينقل المؤلف في هذا الإطار التعريف الذي قدّمه المحلل «جيمس كيراس» في كتابه الذي يحمل عنوان: «الإرهاب والحرب غير النظامية».
وجاء فيه: «يمكن تعريف الإرهاب أنه الاستخدام المديد، أو التهديد بالاستخدام المديد، للعنف من قبل مجموعة صغيرة من أجل غرض سياسي مثل بث الخوف أو جذب الانتباه على ظلم سياسي أو إثارة رد مُبالغ فيه ولا تكمن المثابرة فيه طويلا».
مثل هذا التعريف يراه المؤلف «مقنعا» ولكنه «مطاط» جدا. ويفضّل عليه التعريف الذي قدمه «بروس هوفمان» وجاء فيه: «الإرهاب هو الإثارة المتعمدة للخوف واستغلاله بواسطة العنف أو التهديد به بهدف تحقيق تغيير سياسي».
وفيما هو أبعد من التعريفات يرى المؤلف في الإرهاب نوعا من «الحرب غير النظامية» التي تعبر عن مفهوم «يشمل أشياء كثيرة» ويندرج في إطار الاهتمام ب«حرب المستقبل». ذلك أن الحرب ونماذج العمليات «الحربية» هي بصدد «التطور» والانتقال من الخضوع ل»مركزية الدولة» إلى الخروج عن هذه «المركزية».
وفي كل حقبة من حقب التاريخ جرى التأكيد على أن التقنيات الحديثة والأفكار الجديدة «تكتب» صفحات جديدة أيضا في «كتب التاريخ الإستراتيجي». ويشير المؤلف إلى أنه من وجهات نظر تقنية أو تكتيكية لا يمكن حقيقة إيجاد أية سابقة «مطابقة أو قريبة» للمستجدات التي ترتبت على القوة الجوية أو الحرب الميكانيكية أو الحرب النووية أو التحكم عن بعد أو حرب الفضاء أو حتى وجود منظمة متطرفة لديها شبكات على الصعيد العالمي.
بكل الحالات يرى المؤلف أن القاعدة «الذهبية» الناجعة في كل الحروب قال بها قبل 2500 سنة منظّر الحرب الصيني الكبير صن تسو وجاء فيها: «إن ذلك الذي يعرف عدّوه ويعرف نفسه لن يواجه أي خطر في مئة معركة، وذلك الذي لا يعرف عدوّه ولكنه يعرف نفسه قد ينتصر أحيانا وقد ينهزم أحيانا أخرى. أما ذلك الذي لا يعرف عدوّه ولا يعرف نفسه سيكون لا محالة مهزوما في كل معركة يخوضها».
ويقرّ المؤلف أن التكنولوجيا تصنع فرقا. لكن ما طبيعة هذا الفرق وما هي نتائجه؟ إنه يشير في معرض الإجابة بأن منظور وقوع أسلحة الدمار الشامل بيد عدو «غير نظامي»، أي لا يمثل دولة، ويمتلك وسائل «ارتباط» عالمية، يشكل «كابوسا» لا سابق له في التاريخ.
لكن بكل الحالات يتم التأكيد أنه في الوقت الحاضر هناك صعوبات عديدة وجدية عملية يُفترض منها أن تمنع وقوع أسلحة من مختلف أنواع أسلحة الدمار الشامل بيد مجموعات لا تمثل دولا. مع ذلك هناك اتجاه واضح نحو «زيادة عدد ضحايا» العنف الإرهابي. وكانت الولايات المتحدة الأميركية قد عرفت أكبر خسارة في عدد الضحايا خلال تاريخها من جراء تفجيرات 11 سبتمبر 2001 بسبب تفجيرات «معادية» جرت على أراضيها.
بالمقابل يرى المؤلف أن «إمكانية، بل وجود احتمال كبير بحصول الإرهابيين في المستقبل على أسلحة دمار شامل ليس ضربا من العبث». وهذا يعني أيضا امتلاك وسائل قتل الآلاف وربما الملايين من البشر. ومهما كان بعيدا تصور إمكانية استخدام الأسلحة البيولوجية مثلا، فإنه «من السهل رسم الصور المرعبة لمستقبل زاخر بالكوارث النووية والبيولوجية التي قد يثيرها عن عمد مقاتلون غير نظاميون.
الكثير من هذه الصور هي نتاج مخيلة جامحة وتنتمي إلى المخيلة التاريخية للكوابيس الشعبية»، كما يقول المؤلف. هذا قبل أن يضيف أن «التهديد بقتل عشرات أو مئات الآلاف من البشر، إذا لم يكن أكثر، فقد أصبح تهديدا ذا سمة مختلفة عن الإرهاب التقليدي».
بالمقابل تتم الإشارة إلى أنه إذا كان الإرهاب، بكل تنوعاته، هو أحد أنماط «الحرب غير النظامية» فإنه يقدم أيضا نموذجا ل»الحرب غير المتكافئة». وقد أصبح يمثل في النقاشات السائدة، خاصة إذا أضيف له بُعد أسلحة الدمار الشامل، النمط الأكبر ل»التهديد غير المتكافئ».
لقد أصبح «تهديد كل التهديدات»، كما يعبّر المؤلف كي يشير مباشرة إلى أن الولايات المتحدة كانت تعتبر في مطلع عقد الستينات الماضي أن مصدر التهديد الأكبر هو «حروب التحرر الوطني». ويرى المؤلف أن الحروب غير النظامية هي بطبيعتها «غير متكافئة». لكن الأطراف الداخلة فيها تبحث عن «فرض إرادتها» على الجميع.
ثم إن الحرب غير النظامية تبقى «حربا» بالمعنى الكامل للكلمة، وليست نوعا من السلوك المختلف «نوعيا». مع ذلك من الدقة التأكيد أنها، إلى حد كبير، أكثر «سياسية» من الحروب النظامية. هذا البعد السياسي لا ينبغي، أيضا، أن يطمس حقيقة أن كل الحروب، بكل أنواعها، لها علاقة بالسياسة وتتم قيادتها على أساس النتائج السياسية المترتبة عليها.
وفي منظور المستقبل يرى المؤلف أن جميع الحروب التي تنخرط فيها القوة الأميركية «الأعظم» لا يمكنها إلا أن تكون، بدرجة ما، حروبا «غير متكافئة». هذا لسبب بسيط هو أن «عدم التكافؤ» يترجم واقع أنه لا توجد، ولن توجد في المنظور القريب، أية دول «محاربة» أخرى تتساوى مع الولايات المتحدة من حيث موازين القوى.
ويتم التأكيد في هذا السياق على أنه في المنظور الأميركي، وأيضا من منظور جميع أولئك الذين يولون ثقتهم للولايات المتحدة باعتبارها تقوم بدور «الشريف» الذي يضمن النظام العالمي، من المحبّذ أن تكون القوة ذات المسؤولية هي الأقوى عسكريا لعدة سنوات أيضا. لكن ما يتم «تحبيذه» بدرجة أقل هو أن هذا التفوق لم يسمح ل»الشريف» الأميركي بالقضاء على خصم «لا يتكافأ» معه في القوة.
وما يؤكده المؤلف أيضا هو أن التطور العسكري الأميركي خلال العشرين أو الثلاثين سنة القادمة سيمثل تحديا مستمرا بالنسبة لأولئك الذين قد يسعون إلى «تشويش» النظام العالمي الذي يتزعمه الأميركيون. ثم إنه بمقدار ما تكون القوة العسكرية لدولة وشهرتها كبيرتين، يكون اعتزازها «الإستراتيجي» بنفسها أكبر أيضا.
ولا شك أيضا أن القوات النظامية لأغلبية الدول هي أقوى، حسب المعايير العسكرية للمقارنة، من قوات الأعداء «غير النظاميين». مع ذلك لا يعني «التفوق العسكري» أن الانتصار «مؤمّن». هذا ما تبيّنه وقائع الحاضر القائم ولكن أيضا دروس جميع الحروب الماضية.
ويرى مؤلف هذا الكتاب أن الحرب غير النظامية قد تكون هي الصيغة الغالبة في الحروب خلال السنوات القادمة، ولكن الحروب بين الدول، بما في ذلك الدول الكبرى، لا تزال متوقعة خلال القرن الحادي والعشرين، وأن «المستقبل الإستراتيجي» لا يعود إلى الحروب غير النظامية.
وبالتالي لا تقتصر «الهموم الإستراتيجية» على مواجهة الإرهاب الذي قد يعرف «موجات قوية» أيضا خلال العقدين القادمين، ولكن ربما سيكون على هذا القرن الجديد أن يواجه «دورة» أو «دورتين» من العنف المسلح على خلفية البحث عن تعزيز النفوذ بين القوى الكبرى المتنافسة وحلفائها. ويستشف المؤلف من المشهد الدولي القائم اليوم وجود إمكانيات «واقعية» للدخول في حرب باردة جديدة، كمرحلة أولى.
ويرى المؤلف أنه في الوقت الذي يكرّس فيه الخبراء الإستراتيجيون الغربيون كل جهودهم لمكافحة ما يطلقون عليه تسمية الإرهاب، فإنهم «يتجاهلون» التحولات التي تجري في العالم وتنبئ بإمكانيات مواجهات كبرى بين القوى الكبرى أيضا.
ويتم في هذا الإطار تحديد أحد هذه التحولات بالقرار الذي اتخذته روسيا حيال الحرب الأميركية ـ الانكليزية ضد العراق في ربيع عام 2003. ذلك القرار الذي اختارت من خلاله «سبيل عدم التعاون» مع الولايات المتحدة مما شكّل قطيعة في حالة «شبه التحالف الواقعي» مع واشنطن. لقد قررت موسكو آنذاك الاقتراب من الموقف الفرنسي ـ الألماني.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه المؤلف اعتقاده «القوي» أن المحور الروسي ـ الصيني هو بطريقه ل«الانبثاق» واقعيا بهدف معارضة الهيمنة الأميركية على الصعيد العالمي، فإنه لا يولي أهمية ب«تفاصيل» مثل هذا المحور. المهم برأيه هو معرفة أن نموذج الصراعات من أجل النفوذ والتفوق بين القوى الكبرى لا يزال موجودا بقوة.
ويركز المؤلف على فكرة أساسية فيما يخص حروب المستقبل القريب وهي أن القوى النظامية للدول يمكنها أن تتصرف في الحرب على شاكلة المجموعات «غير النظامية»، وذلك بواسطة «القوات الخاصة» التي تمثل عادة «قوات النخبة». هذه القوات، ومهما كانت تسميتها، يتم تدريبها وتجهيزها وتنظيمها للقيام بعمليات «غير تقليدية» ضد الأعداء «النظاميين» أو «غير النظاميين». بهذا المعنى يمكن وصف القوات الخاصة أنها «عناصر حرب عصابات يرتدون الزي العسكري الموحّد».
ويصل المؤلف إلى القول أنه من المألوف اليوم تأكيد أن مستقبل الحرب سيعود بالأحرى إلى «القوات الخاصة التي ترتدي الزي العسكري الموحّد». ومثل هذا الدور هو موضوع نقاش مستفيض حول السمة المستقبلية للجيش الأميركي. وتدل الأرقام على أن السياسة الدفاعية الأميركية زادت من «استثماراتها» في ميدان القوات الخاصة على خلفية أنها فعّالة من حيث تقديم الدعم الضروري للسياسة الخارجية لقوة كبرى.
«المحظور» الذي يحذر منه المؤلف في هذا الإطار هو أن البيروقراطية العسكرية الأميركية بمحاولتها تحويل جزء هام من قواتها المسلحة إلى قوات خاصة، يمكنها أن تحدّ بنفس الوقت من القيام ب«عمليات خاصة». ويرى المؤلف في المحصلة أن السنوات المقبلة ستشهد الكثير من الإرهاب، خاصة على المدى القصير، لكن نتائجه الرهيبة لا تقارن مع احتمالات المواجهة القائمة بين القوى الكبرى.
إضاءة
يؤكد المؤلف أن التطور العسكري الأميركي خلال العشرين أو الثلاثين سنة القادمة سيمثل تحديا مستمرا بالنسبة لأولئك الذين قد يسعون إلى «تشويش» النظام العالمي الذي يتزعمه الأميركيون. ثم إنه بمقدار ما تكون القوة العسكرية لدولة وشهرتها كبيرتين، يكون اعتزازها «الإستراتيجي» بنفسها أكبر أيضا.
ولا شك أيضا أن القوات النظامية لأغلبية الدول هي أقوى، حسب المعايير العسكرية للمقارنة، من قوات الأعداء «غير النظاميين». مع ذلك لا يعني «التفوق العسكري» أن الانتصار «مؤمّن». هذا ما تبيّنه وقائع الحاضر القائم ولكن أيضا دروس جميع الحروب الماضية.
ويرى أن الحرب غير النظامية قد تكون هي الصيغة الغالبة في الحروب خلال السنوات القادمة، ولكن الحروب بين الدول، بما في ذلك الدول الكبرى، لا تزال متوقعة خلال القرن الحادي والعشرين، وأن «المستقبل الإستراتيجي» لا يعود إلى الحروب غير النظامية. وبالتالي لا تقتصر «الهموم الإستراتيجية» على مواجهة الإرهاب الذي قد يعرف «موجات قوية» أيضا خلال العقدين المقبلين، ولكن ربما سيكون على هذا القرن الجديد أن يواجه «دورة» أو «دورتين» من العنف المسلح على خلفية البحث عن تعزيز النفوذ بين القوى الكبرى المتنافسة وحلفائها.
الصفحات: 423
الكتاب: الحرب في القرن الحادي والعشرين
تأليف: كولن س. غراي - عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: ايكونوميكا- باريس- 2007

