ألوف من «سجناء الرأي» أغلقت عليهم، في أواسط القرن الماضي، سجون الولايات المتحدة (راعية الديموقراطيات) في العالم.. ألوف دخلوا وخرجوا وبقي منهم اليوم (رسمياً) مئة على الأقلّ، تقرّ أميركا بوجودهم ليس كسجناء سياسيين، بل كمجرمين مدانين. ترتفع القائمة موسمياً كلما انضمّ «سجناء حرب» إليها.
وهؤلاء هم الأجانب من المهاجرين الذين يُجرجَرون إلى سجون الحظر السياسي، ساعة الأزمات الأمنية (الحربية). وللسجناء السياسيين وسجناء الحرب معاً، سار مئات الناشطين في نيويورك يهتفون للإفراج عنهم، قبل نحو أسبوعين. رغم ذلك، فلم تنقل أي من وكالات الأنباء المعروفة ولا مجرد صورة للحدث، في وقت لا توفر فيه مراسلاً لتغطية تظاهرة لحقوق الحيوان، مثلاً. وكأن هناك إنكارا (أكثر من رسمي) للسجناء السياسيين، ومعظمهم من السود والمهاجرين. وكأن هناك خشية من أن يشوّهوا «الحلم الأميركي».
دعونا لا ننبهر، إذاً، ببلاغة «التعديل الأول» من الدستور ـ مفخرة المشرع الأميركي ـ والذي يكفل حرية الرأي والمعتقد والعمل السياسي السلمي. فثمة في الديمقراطية العظمى، هي الأخرى، أجهزة أمنية تنكّل وتقتص حين لا يعجبها قول قائل.
وكما يوجز أحد مؤسسي حركة «جيريشو» أشانتي آلستون، وهي حركة تأسست منذ 10 أعوام لمتابعة قضية السجناء السياسيين (وسجناء الحرب)، ف«الولايات المتحدة ترفض الاعتراف بوجود سجناء كهؤلاء، لأن ذلك يمثل إهانة كبرى لصرحها الديمقراطي».
ويُرجع بعض المؤرخين الأميركيين حركة قمع الناشطين السياسيين في الولايات المتحدة إلى العشرينات من القرن الماضي. لكن أكثر من تلقفتهم القضبان كانوا في الواقع ضحايا برنامج أطلقه مكتب تحقيقات الاستخبارات الفيدرالية الأميركية (إف بي آي) في العام 1956: «برنامج مكافحة التجسس» .
وفي حمايته ل«السلم الأهلي»، استهدف «برنامج مكافحة التجسس» القياديين والناشطين في الجماعات والأحزاب المعارضة الثورية، الذين كانوا يسعون بمعظمهم لتحسين الفرص والظروف المعيشية للسود والفقراء والنساء. وتراوحت تقنيات «الاستهداف» هذه من تلفيق رسائل غرامية لتدمير علاقاتهم الزوجية، مروراً بتدمير ممتلكاتهم واعتقالهم وإدانتهم بتهم ملفقة، إلى تنفيذ أبشع عمليات الاغتيال ضدهم: كحرق منازلهم لقنصهم بالرصاص وهم فارون (حزب النمر الأسود ـ بوبي هادن 1968)، أو قتلهم مع عائلاتهم وهم نيام (رئيس الحزب في شيكاغو ـ فريد هامبتون 1969).
وبحلول نهاية الألفية الثانية، كان قد تبقى في السجون الأميركية نحو 100 سجين سياسي و«سجين حرب» معظمهم من الذين لاحقهم «برنامج مكافحة التجسس» في الخمسينات والستينات، وسجنهم بناء على تهم ملفقة: نهب، سرقة، الاعتداء على الشرطة، حيازة أسلحة. ومن 100 سجين قبل 11 سبتمبر 2001، ارتفع عدد السجناء والمعتقلين السياسيين (أو الحربيين) بعد الهجمات على برجي التجارة العالمية والبنتاغون إلى الألف في أقل من أسبوع، معظمهم يتحدرون من الشرق الأوسط.
في الوقت ذاته، عمدت إدارات السجن على تجميع السجناء السياسيين، بعد ساعات معدودة من وقوع الهجمات، ورمتهم طيلة أسابيع، في زنازين انفرادية تحت الأرض ـ ما يعرف باسم «الحفر» لأسابيع من دون أن تسمح لمحاميهم بالاطلاع على أماكن وجودهم. وتم تبرير هذه التصرفات، لاحقاً، بأنها «لأمنهم الشخصي».. بل بدأ محامو السجناء والمعتقلين السياسيين و«الحربيين» يتعرضون هم أيضاً لملاحقات ومضايقات من قبل الاستخبارات الفيدرالية.
بيروت ـ ديالا شحادة
صفحة تنشر بالترتيب مع الزميلة«السفير»
