الحروب بين الدول ليست من «متاع الماضي» ولكن هناك إمكانيات كبيرة بأن تكون أيضا «حروب المستقبل»، ذلك أن أسباب نشوبها لا تزال قائمة وعديدة. ومع تأكيد المؤلف على وجود «استثناء» من حالة الحرب المحتملة يتعلق بأميركا الشمالية والاتحاد الأوروبي، فإنه يقول بوجود أسباب عديدة لقيام الحروب بين الدول، وليس أقلها تعاظم التغيرات المناخية وتنافس الدول من أجل الحصول على الثروات النادرة.
وهناك أيضا أخطار نشوب الحروب من أجل النفوذ وفرض الهيمنة ولعب دور أكبر على المسرح الدولي ؛ والإقليمي. ويحدد المؤلف بعض «الأمثلة» لإمكانيات قيام حروب في القرن الحادي والعشرين. هكذا يتم الحديث عن احتمال صدام بين محور صيني- روسي والولايات المتحدة على مبدأ «عدو عدوي هو صديقي»، واحتمال مواجهة صينية-أميركية حول تنظيم منطقة شرق آسيا وأمنها، واحتمال حرب صينية- روسية على خلفيات الحدود أو النفوذ، واحتمال صدام هندي- باكستاني يبرره «التاريخ» .
وليس المصالح، واحتمال حرب أميركية-إسرائيلية، أو إسرائيلية، ضد إيران على خلفية الملف النووي الإيراني. هذا إلى جانب احتمالات حروب أخرى بين روسيا وجمهوريات سوفييتية سابقة وبين اليونان وتركيا، وبين الكوريتين، الخ. وبكل الحالات يبقى «الخطر النووي» قائما.
يعالج مؤلف هذا الكتاب «حرب المستقبل» حسب نمطين هما الحرب النظامية والحرب غير النظامية. الحرب النظامية، كما يتم تقديمها، تجد مرجعيتها في المعركة بين القوات المسلحة النظامية للدول. أما الحرب «غير النظامية» فهي تدور بين القوات المسلحة للدول ومجموعات محاربة يمكن أن يكون مقاتلوها من الأجانب أو من سكان البلد الأصلي بدون أن تكون لهم «مقرّات ثابتة».
هذا التقسيم الذي يمكن أن يغطي أغلبية حالات الحرب له أيضا «استثناءاته»، ذلك أن بعض الدول قد تختار اللجوء إلى ممارسة الحرب غير النظامية، الأمر الذي قد يعكس «اختلالا كبيرا في موازين القوى» على صعيد القوات العسكرية النظامية. وينقل المؤلف عن الزعيم الصيني ماوتسي تونغ قوله إن كل حرب طويلة تعرف إجمالا ثلاث مراحل. المرحلتان الأولى والثانية تتميزان بالتركيز على التعبئة السياسية والمزج بين نمط «حرب العصابات» و«الحرب المتحركة». أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة قيادة العمليات العسكرية التقليدية.
بكل الحالات، من المحتمل أنه حتى في حالة الحرب النظامية على صعيد واسع قد تستمر العمليات «غير النظامية» بواسطة عناصر مدنية مسلحة أو بواسطة جنود نظاميين مهمتهم القيام بالحرب حسب أسلوب غير تقليدي مثل قوات العمليات الخاصة.
وما يؤكده المؤلف أن «حرب المستقبل» ستشهد نماذج للحرب في البر والبحر والجو والفضاء. لكن هذا لا يعني أن الدول سوف تقوم بحروب برية أو بحرية أو جوية أو فضائية، كل منها على حدة، ولكنها ستقوم بالحرب عبر التنسيق بينها كلها. ويشير المؤلف هنا إلى أن القوات المسلحة الأميركية هي بصدد الانتقال من مرحلة مجرد التداخل بين مختلف الجيوش البرية والبحرية والجوية وبحيث يعمل كل منها «دون توترات» مع الجيوش الأخرى، إلى مرحلة «الاندماج الوظيفي الحقيقي» على صعيد العمليات العسكرية، وهذا «الاندماج» أصبح ممكنا بفضل «شبكة الاتصالات» المتقدمة.
إن القوّات المسلحة، بمختلف مكوناتها، تتعاون فيما بينها بقدر من السهولة لم يكن هناك من يتصوره سابقا. لكن هذا لا ينفي واقع أن كل «محيط جغرافي» يفرض شروطه الخاصة حول إمكانيات المعركة. ويؤكد المؤلف أن هذه المقولة كانت صحيحة في السابق ولا تزال «سارية المفعول» في عصر «الاندماج» بعمل الجيوش في ظل ثورة الاتصالات.
ويشير المؤلف إلى أن «حرب المستقبل» بين الدول تستدعي وجود سياق سياسي «يقبل» فكرة أن العنف المنظّم مفيد ومشروع. لكن المؤلف يشير إلى أن التاريخ المعاصر لم يعرف «للأسف» ثورة هادئة تماما. ولا يتردد في القول أن المستقبل سوف يشهد حروبا من أنماط متنوعة بين الدول، خاصة أن أسباب «اندلاعها» متوفرة ومألوفة.
ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين ليشير إلى وجود «نفور أوروبي من الحلول العسكرية». ومثل هذا النفور لا يراه مجرد حالة «ظرفية» عابرة ولكنه غدا اليوم متجذرا بعمق بحيث أصبح يعبر عن «حالة ذهنية». ويتم النظر إلى ذلك أنه، من جهة، خبر ممتاز بالنسبة لأولئك «الإصلاحيين» الذين دعوا على مدى عقود عديدة من أجل السلام.
وهو من جهة أخرى، خبر «أقل امتيازا» بالنسبة لقضية «السلام والأمن» إذا اقتصرت مثل هذه الحالة على المجتمعات الغربية بما يمكن أن تثيره من «خلافات». هذا ما برز بوضوح أثناء «الخلاف الداخلي في الحلف الأطلسي» حيال الحرب ضد العراق عام 2003. ويرى المؤلف أنه وفيما هو أبعد من الأسباب المعقولة والمقبولة التي جرى تقديمها حيال السياسات الأميركية والبريطانية «الحربية» كان هناك «نفور ثقافي» أوروبي ضد الحرب حيث إن المجتمعات الأوروبية المعنية قد أصبحت «مجتمعات ما بعد حربية».
بكل الحالات يرى المؤلف أن أفق الحرب بين الدول لا يمثل مجرّد إمكانية نظرية، ذلك أنه ستكون هناك «حروب بين الدول» التي سيكون لديها «الأسباب الداعية للاقتتال».
ويتم في هذا الإطار تحديد استثنائيين هما أميركا الشمالية والحلف الأطلسي- الاتحاد الأوروبي. ويذكر المؤلف من الأسباب المحتملة لنشوب الحرب «تسارع التغيرات المناخية الضارّة» مما سيزيد من تنافس الدول من أجل السيطرة على الثروات النادرة والمطلوبة أكثر فأكثر في ظل التزايد السكاني الكبير.
هكذا يرفض المؤلف فكرة أن الحرب بين الدول هي «مشكلة الماضي». ذلك أن العديد من المخططين يرون ضرورة التمسك بالفرضية القائلة بإمكانية اللجوء إلى «ردع» أو حتى «قتال» الجيوش النظامية للدول المعادية. «الموضة» السائدة اليوم هي الحديث عن «حرب ضد الإرهاب» باعتباره «التهديد المسيطر». مع ذلك ليست هناك، حتى الآن، أية دولة قد اختارت إعادة بناء قواتها العسكرية على ضوء التركيز حصريا على التهديدات الصادرة من «أعداء غير نظاميين»، والمقصود هو الحركات المصنّفة ك«إرهابية».
الحرب بين الأجهزة العسكرية للدول «ستبقى ممكنة لفترة طويلة من الزمن أيضا»، هذا ما يؤكده المؤلف. ذلك أن القوى الصاعدة سوف تبحث عن تعزيز نفوذها في مناطقها، مما سوف يثير مخاوف الخارج بل ربما يدق ناقوس الخطر بالنسبة له.
ويقدّم المؤلف مثال الصين والهند وإيران على أنها ستحاول الحصول على قدر أكبر من «احترام» العالم بينما تتحسن مواقعها «نسبيا» على صعيد التراتبية الدولية. كما يرى المؤلف أن دولا متمسكة بتعاظم دورها الإقليمي قد تكون مستعدة للدخول في مواجهات عسكرية مع الخصوم المحليّين أو حتى مع قوة عالمية «قائدة» تتمثل حاليا في الولايات المتحدة الأميركية.
وبعد أن يشير المؤلف إلى «عدم واقعية» و«عدم فائدة» الدخول في عملية «التنبؤ» بحروب مستقبلية بين دول، يغامر بتقديم بعض الأمثلة «الافتراضية» لحرب نظامية قد تهز القرن الحادي والعشرين. وتتمثل هذه الأمثلة في:
* محور صيني - روسي ضد الولايات المتحدة، ويرى المؤلف أن الصين وروسيا، وأيضا إيران ودولاً أخرى مناوئة لقيام نظام دولي من نمط غربي يقوده الأميركيون، بدأت بتشكيل ما يمكن أن يصبح «كتلة» ترمي إلى مواجهة هيمنة الولايات المتحدة. ويشير المؤلف إلى أن هذا ما كان قد توقعه السير هالفورد ماكيندر، في بداية القرن العشرين عندما تحدث عن «محور» يحكم سيطرة على المنطقة الأوروبية-الآسيوية ويشكل تهديدا كبيرا للقوة المسيطرة على البحر.
ويرى المؤلف أنه ينبغي على أولئك الذين يدعمون فكرة أن العمليات «غير النظامية» تشكل المبدأ الأساسي للحرب في القرن الحادي والعشرين إعادة النظر في موقفهم على ضوء منظور إمكانية، بل احتمال، قيام حرب جديدة طويلة الأمد بين الولايات المتحدة وتحالف روسي- صيني. ومع الإشارة إلى وجود نقاط خلاف عديدة بين روسيا والصين، فإن السياسة الدولية تؤكد مبدأ أن «عدو عدوّي هو صديقي»، لزمن على الأقل.
* الصين ضد الولايات المتحدة، ويحدد المؤلف السبب الظاهري لهذا النزاع «المحتمل» بالوضع في جزيرة «تايوان»، بينما يرى أن السبب الحقيقي هو السيطرة في منطقة شرق آسيا وأمنها. تتم الإشارة هنا إلى أن المنطق الجيوسياسي يحدد وجود نزاع صيني-أميركي بنفس القدر من القناعة التي كان قد حدد فيها النزاع بين اثينا وأسبرطة، وبين روما وقرطاج، ومنذ فترة حديثة أكثر، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.
بالمقابل تقبل هيئات الدفاع المختصة الأميركية والصينية بالتبادل أن كل طرف يشكل تهديدا حاسما بالنسبة للطرف الآخر مستقبلا. ويرى المؤلف أنه من غير المحتمل أن تختزل أميركا رؤيتها الرسمية لحرب المستقبل إلى مجرد «»الإرهاب»، وننسى «الأخطار الكبرى» الأخرى. بالتالي لن تكون السياسة القومية الأميركية للأمن، مقتصرة أيضا على مواجهة الإرهاب.
* روسيا ضد الصين، المصدر الرئيسي لسوء التفاهم المستمر بين روسيا والصين يحدده المؤلف في كون أن بكين ترى من الظلم عدم الترسيم الدقيق لحدودها الطويلة المشتركة مع روسيا، خاصة في منطقة الشرق الأقصى. مع ذلك يمكن للحرب بين هذين الجارين أن تقوم على خلفية تطور دورهما السياسي، تعاظما أو تدهورا، على المسرح الدولي.
من جهة أخرى، إذا تدهورت العلاقات الصينية-الروسية إلى درجة الوصول إلى شفا الحرب، كما حدث خلال فترة 1969-1970، وبدأ الطرفان بالبحث عن «أصدقاء» بسبب عدم توفر «حلفاء حقيقيين» فإن الاتحاد الأوروبي قد يغدو، من وجهة نظر جيوسياسة، مهما بالنسبة للصين بمقدار ما ستكون الولايات المتحدة مهمّة لروسيا.
ينتج «التاريخ الإستراتيجي لحرب المستقبل» ثورات دبلوماسية. وعلى سبيل المثال، كانت السنوات العشر التي أعقبت هزيمة محور ألمانيا، إيطاليا، اليابان في الحرب العالمية الثانية قد شهدت واقع أن هذه البلدان غدت شركاء جديدين للتحالف الغربي في فترة الحرب الباردة.
* الهند ضد باكستان، يرى المؤلف أن نشوب حرب المستقبل بين هذين البلدين هي الأكثر شيوعا بين «نبوءات المستقبل» حول الحرب ويشير المؤلف إلى أن «الخصومة المستمرة» بين هذين البلدين ليست سوى «مسألة شرف»، وليس هناك ما يستحق حقيقة ما يدفع إليها على صعيد المصالح. لكنها بالمقابل اكتست «جرعة إضافية من إثارة الخوف» بسبب تزوّد الطرفين بالسلاح النووي.
* الولايات المتحدة وإسرائيل - أو إسرائيل وحدها- ضد إيران، ويرى المؤلف أن مثل هذه الحرب قد تكون «مشروعا جديا جدا». ذلك على أساس أن «الدولة الكبرى» الضامنة للأمن وحليفتها الإقليمية الرئيسية قد تبحثان عن «تأخير» البرنامج الإيراني لتصنيع الأسلحة النووية. وقد تلجآن «كحل بديل» إلى محاولة إثارة تطورات داخلية من أجل تغيير النظام.
ويرى المؤلف أنه من المحتمل بالنسبة للسنوات القليلة القادمة وبسبب التجربة الحالية في العراق، أن يخفف الأميركيون من حماسهم لتغيير النظام كهدف للحرب. وينقل المؤلف من المحلل الأميركي «فريديريك دبليو كاجان» تحذيره: «من السهل أكثر تدمير نظام قائم مما هو إيجاد نظام آخر شرعي ومستقر». وينهي المؤلف تحليله بالقول: «مع ذلك، إن حربا بين إيران والولايات المتحدة مثال ممكن للحرب بين الدول وربما على صعيد كبير».
ويذكر المؤلف أيضا حروبا محتملة بين روسيا واوكرانيا، وروسيا ولتوانيا واستونيا، واليونان وتركيا، وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، والولايات المتحدة ضد «الدول المارقة»، و«أوروبا القوية المتحالفة - ربما- مع روسيا أو الصين ضد الولايات المتحدة المهيمنة من وجهة نظر إستراتيجية وحلفائها. وفي جميع الحالات يؤكد المؤلف على وجود قدر ما من الخطر النووي.
الصفحات: 423
الكتاب: الحرب في القرن الحادي والعشرين
تأليف: كولن س. غراي - عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: ايكونوميكا- باريس- 2007
