هناك العديد من الأفكار السائدة حيال «حرب المستقبل». ومن أهم هذه الأفكار القول أن «الحروب بين الدول الكبرى» قد انتهت، مرّة واحدة وإلى الأبد بينما توسع أفق «الحرب الشاملة». وتؤكد إحدى الأفكار أن السيطرة على المنطقة الأوروبية-الآسيوية من قبل قوة واحدة أو تحالف عدد من القوى تشكل رهانا إستراتيجيا بالنسبة للقرن الحادي والعشرين، مثلما كان رهانا في الماضي وسببا في اندلاع العديد من الحروب.

وترى بعض الأفكار أن تاريخ التكنولوجيا هو بنفس الوقت تاريخ للحرب. من هنا تأتي أهمية «الثورات» المتعاقبة في مجال الشؤون العسكرية وتطور الأسلحة، ثم هناك أيضا البروز «المفاجئ» لنوع من «الإرهاب» الجديد الذي يشكل أحد التهديدات التي يواجهها القرن الحادي والعشرين.هذه الأفكار كلها وسواها يتعرّض لها المؤلف بالشرح والتحليل على اعتبار أن كلا منها تحمل «رسالة» بقصد صياغة رؤية ما بالنسبة للمستقبل الإستراتيجي للعالم.وفي المحصلة يؤكد المؤلف أن القرن الحادي والعشرين سيكون أيضا «قرن الفضاء» و«التحكم من بعد». وستكون «حرب المستقبل» هي مثل جميع الحروب، أي نشاط مألوف لدى البشرية.«بدون نظرية، تبقى الوقائع صامتة»، كما قال ذات يوم عالم الاقتصاد الشهير ف. هايك، وينقله مؤلف هذا الكتاب. ثم يشير إلى ضرورة صياغة «نظرية» لتأطير تاريخ الحرب «المعقّد والمتعرّج». وهو يبدأ بالتعرض لـ «التوصيفات الكبرى» للحرب على مدى 300 سنة تمتد من عام 1800 وحتى عام 2100. إنه يقصد «التوصيفات» التي تفتح، كما يقول، نوافذ مختلفة على الماضي والحاضر والمستقبل فيما يخص الحرب.

ويؤكد بداية أيضا أن ل«حرب المستقبل» سياقا تاريخيا وسياقا إستراتيجيا. هذا إلى جانب التأكيد أن لمفهوم «السياق» دلالتان. الأولى هي أنه لا يمكن أن يكون للحرب دلالتها إلاّ عبر «مرجعيتها» للظروف السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها التي أدت إليها، والثانية هي أن الحرب نفسها تشكل أحد هذه الظروف.

وبعد أن يشير المؤلف إلى أن مجمل الأعمال الخاصة بالدراسات الإستراتيجية والدولية تسودها غالبا «الفرضيات المسيطرة» أو «الحكايات الحربية» يناقش العديد من الأفكار السائدة حيال «حرب المستقبل».

ويحدد الرئيسية منها بالقول ب«تراجع، بل موت، الحروب الكبرى بين الدول» و«توسع أفق الحرب الشاملة» و«بروز حروب جديدة ما بعد حداثية أو حروب الجيل الرابع» و«بروز جدول أعمال جديد للأمن يرى البعض أنه ذو صلة واهية مع البعد الإستراتيجي» و«بروز قوة وحيدة أو تحالف قوي من أجل تأمين السيطرة على المنطقة الواقعة بين القارتين الأوروبية والآسيوية» و«تعاقب الثورات في مجال الشؤون العسكرية» و«التأكيد على تاريخ التكنولوجيا باعتباره تاريخا للحرب» و«البروز المفاجئ نسبيا لنوع من الإرهاب الجديد المستمد من المعتقد الديني كتهديد في القرن الحادي والعشرين» و«إمكانية، بل احتمال، نشوب الحرب بأشكال مختلفة وحيث أن التاريخ الماضي للحرب يمثّل أفضل دليل من أجل المستقبل».

كل فكرة من هذه الأفكار السائدة تحاول تقديم إجابة واضحة على السؤال التالي: ما هو السياق السائد للحرب في القرن الحادي والعشرين؟ ويرى المؤلف أن كلا منها تحمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، رسالة ترمي إلى صياغة رؤيتنا حيال المستقبل الإستراتيجي للعالم الذي نعيش فيه.

يشير المؤلف أولا إلى أن نظرية «الحرب الشاملة» عرفت رواجا كبيرا لدى المؤرخين في النصف الثاني من القرن العشرين، بعد أن كان النصف الأول قد عرف «ذروة» هذه الحرب الشاملة. ويرى المؤلف أنها كانت نتاج الإحساس بالقوة وتضافر ثلاثة عوامل تاريخية تمثّلت في ظهور، أو انبثاق، مشاعر وطنية حقيقية سببتها أولا الثورتان الأمريكية والفرنسية، وفي التصنيع، وفي ثورة الاتصالات التي غدت ممكنة بفضل التواصل الكهربائي والسكك الحديدية ثم الهاتف.

بالطبع كانت الحربان العالميتان، الأولى والثانية، وخاصة في المواجهة السوفييتية-الجرمانية، بمثابة حروب إبادة سياسية وبشرية حقيقية. لكن بالمقابل يرى المؤلف أنه يمكن اعتبار «السلاح النووي» كعامل في إعطاء الحرب مدلولها «الشامل»، وإنما اعتباره أيضا ك«تطور تقني جعل مفهوم الحرب الشاملة نوعا من العبث».

بالإضافة إلى نظرية ولادة وموت مفهوم «الحرب الشاملة» هناك أيضا النظرية القائلة أن الحرب الكبرى بين الدول قد «عفا عليها الزمن». وينقل عن باحثين في المعهد الحربي الأميركي قولهما: «إن الحرب الحاسمة بين الدول الكبرى تتجه قسرا عنها نحو مزبلة التاريخ».

إن المؤلف يكشف عن العديد من نقاط الضعف في مثل هذه النظرية. وفي مقدمتها الافتراض غير القائم على أي برهان والقائل أن الدول- وحتى الأكبر بينها - هي بصدد الانحطاط كقوى فاعلة في السياسة الدولية للأمن.

ونقطة ضعف أخرى تتمثل في «النظرة المحدودة» للأسباب التي تدفع الدول للدخول في مواجهات عسكرية، في الوقت الذي يمكن لهذه الدول أن تتواجه من جديد. ونقطة الضعف الرئيسية الثالثة يحددها المؤلف في القناعة «المتسرّعة» أن هناك توجها حاليا يمثل «الحركة الأخيرة للتاريخ»، وبالتالي ستختفي الحروب الكبرى بين الدول.

وهناك أيضا فكرة سائدة تقول إن الدول المالكة لقوات مسلّحة لم تعد القوى الأساسية في الحرب. وذلك مع بروز قوى تمثل حركات وليس دولا مما ينبئ ب«تراجع الحروب القديمة» وبداية مرحلة من «الحروب الجديدة» في منظور المستقبل.

وينقل المؤلف عن «أطلس التاريخ العسكري» الصادر عام 2004 الجملة التالية عن «حرب المستقبل»: «إن حرب المستقبل سترتبط بجملة من التبدلات في ميادين السياسة والثقافة والمجتمع وحتى في ميدان التكنولوجيا. فالقوى غير الدولية - التي لا تمثل دولة- غدت من القوة على المسرح الدولي بمقدار ما كانت عليه في الحقبة ما قبل الصناعية».

وما يحظى بالاتفاق العام تقريبا هو أن إحدى السمات الأساسية لحرب المستقبل أنها «ليست متكافئة»، بمعنى أنه ستتواجه فيها دول مع مجموعات لا تشكل دولا.

وينقل المؤلف عن معهد الجيش الأميركي للحرب رأيا حول سمة الحرب الجديدة في المستقبل جاء فيه: «بما أن الدول ستجد نفسها مرغمة على عدم خوض اعتداءات عسكرية صريحة فإن القوى المسلحة لجميع الأمم سوف تلتزم بالعمل على تشجيع السلام الداخلي وبمعارضة الأعداء الداخليين من دعاة الانفصال أو الميليشيات أو المتمردين أو الإرهابيين أو مجموعات الجريمة المسلحة أو أية جماعة مشابهة.

والعقدان الأولان في القرن الحادي والعشرين سيشهدان صراعات مسلحة طويلة ومعقّدة وغامضة أكثر مما سيشهدان من مجابهات قصيرة سياسيا وتؤدي إلى نتائج حاسمة». ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن مثل هذا الرأي هو اليوم الأكثر شيوعا بخصوص «حرب المستقبل».

الوجه الآخر لنهاية «احتكار الدول للسيطرة على الحرب» تمثل في بروز ما أسماه البعض ب«حرب الجيل الرابع» التي تتسم ب«تجابه» الثقافات وليس الدول فقط، بل وقولهم أن «حرب الجيل الرابع تعبر عن أزمة في شرعية الدولة». ونقرأ: «تستخدم حرب الجيل الرابع كل الشبكات المتوفرة - السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية- من أجل إقناع مسؤولي القرار السياسي لدى العدو أن أهدافهم الإستراتيجية لا يمكن بلوغها أو أنها باهظة الثمن جدا بالقياس إلى المكاسب المرجوّة منها».

هنا أيضا يرى المؤلف أن هناك «تسرعا» في الحكم على «انحطاط» دور الدولة. ويؤكد أن هناك أسبابا وجيهة للاعتقاد أن الحرب النظامية - بل والحرب غير النظامية- لا تزال مرشحة للبقاء والاستمرار فترة طويلة جدا أيضا من الزمن.

سادت في الرؤية الإستراتيجية الانجليزية-الأميركية فترة تمتد من بداية القرن التاسع عشر وحتى عام 1991 فكرة تقول بضرورة تجنب أن تسيطر على أوروبا ثم على المنطقة الأوروبية-الآسيوية (المنطقة الواقعة على طرفي التخوم المشتركة للقارتين) يمكن أن تؤدي للسيطرة على العالم، حسب مقولة للجغرافي البريطاني السير هارولد ماكندر.

هذا ما أثبتته التجربة التاريخية منذ أن انطلقت «شعوب من الفرسان» من آسيا واجتازت، من خلال المنطقة الواقعة بين الأورال وبحر قزوين، جنوب روسيا كي تصل إلى أواسط أوروبا. كما أثبتته الحربان العالميتان الأولى والثانية والحرب الباردة في القرن العشرين وحتى عام 1991.

وما يؤكده المؤلف بالنسبة للقرن الحادي والعشرين هو أن «التاريخ الرئيسي للحرب سوف يكمن في الجهود الجديدة التي ستبذلها القوى الأطلسية - وفي مقدمتها الولايات المتحدة- من أجل منع أية قوة مهددة من السيطرة على المنطقة الأوروبية- الآسيوية». ويرى أنه من المحتمل جدا أن يكون مصدر التهديد هو تحالف ما. أما اليابان والهند فستجدان نفسهما مرغمتين على الانحياز إلى تحالف بحري جديد تقوده الولايات المتحدة.

ولا يستبعد المؤلف احتمال قيام رؤية جيوستراتيجية مختلفة عبر توصل القوى الكبرى في المنطقة الأوروبية-الآسيوية إلى التوصل لتحالف إستراتيجي يهدف إلى مواجهة الهيمنة الأميركية. بكل الحالات، واعتمادا على فهم تجربة الماضي، يتم القول أن الأمثلة الكبرى لحرب المستقبل ستكمن في الصراع من أجل السيطرة - أو منع السيطرة- على المنطقة الأوروبية - الآسيوية التي قد تكون نقطة الانطلاق من أجل قيام «إمبراطورية عالمية حقا وتتمتع بقوة لا مثيل لها».

واليوم، وفي مطلع هذا القرن الواحد والعشرين، يرى المؤلف أنه من السهولة بمكان توقّع تعاظم تهديد جديد بصيغة قيام محور الصين- روسيا. ومن المحتمل، حسب التحليلات المقدمة، أن يتكرر النموذج - الموديل- الجيوسياسي للقرن العشرين.

أما «العالم البحري الذي تقوده الولايات المتحدة فسيتم كبحه في صراع طويل - ربما حرب باردة جديدة- ضد تحالف أوروبي-آسيوي». ويحدد المؤلف «مصدر الشك الوحيد» في معرفة هوية الحلفاء الإستراتيجيين للصين. وهل يتمثلون في روسيا؟ أم في روسيا والاتحاد الأوروبي؟ أم في الاتحاد الأوروبي وحده؟

وبعد أن يؤكد المؤلف على أهمية «الثورة في ميدان الشؤون العسكرية» وعلى «التكنولوجيا» يرى فيهما «نقطة ضعف» كبيرة أيضا، وهي إعطاء الأولوية للتجديد بأي ثمن، في الوقت الذي تتسم الحرب والإستراتيجية بتعدد جوانبها وبتعقيد هذه الجوانب.

من جهة أخرى، إذا كان القرن العشرين هو قرن «السلاح الجوي الجديد» في الحرب، وذلك اعتبارا من استخدام إيطاليا له عام 1911 ضد ليبيا ووصولا إلى حرب العراق 2003. ولكن مؤلف الكتاب يهتم تحديدا بتاريخية العمليات العسكرية الجوية وإنما بما «يكشفه» قرن كامل منها حول الحرب في هذا القرن الحادي والعشرين.

ويرى أنه سيكون «بدوره» أيضا «قرن القوات الفضائية»، و«التحكم من بعد». وسيكون على هذه القوات خدمة أهداف إستراتيجية. وسيتم أيضا الجمع بين القدرات الفضائية وقدرات التحكم من بعد ودمجها مع القوة البرية والبحرية والجوية.

لكن إذا أدى هذا إلى تغيير ما في سير هذا النمط أو ذاك من العمليات فإنه لن يؤدي بالمقابل إلى إحداث «ثورة» في الحرب نفسها وبحيث يمكن الحديث عن تغيّر في طبيعة الحرب نفسها. وفي المحصلة يرى المؤلف أن القرن الحادي والعشرين سيكون أيضا «قرن القوات الفضائية» و«التحكم من بعيد». هذا مع الإشارة إلى أن هذا «التحكم» سوف يجعل من الحرب «نشاطا أكثر تعقيدا».

وسيزيد من تعقيده أيضا واقع أن الإرهاب أصبح معطى جديدا في المشهد الإستراتيجي العالمي. وغدت مكافحته «إحدى المهمات الأساسية في القرن الحادي والعشرين». لكن هذا لم يمنع المؤلف من القول أن «حرب المستقبل غير موجودة» ذلك أنها ستكون «الحرب» بكل بساطة، والتي هي نشاط «مألوف» لدى البشرية.

الصفحات: 423

الكتاب: الحرب في القرن الحادي والعشرين

تأليف: كولن س. غراي - عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: ايكونوميكا- باريس- 2007