المستقبل يبقى مجهولا ومحاطا بأسئلة استفهام كبيرة وكثيرة. والواقع «يكذب» غالبا القراءات والتوقعات المقدّمة لهذا المستقبل. مع ذلك يرى مؤلف هذا الكتاب، اعتمادا على محاولة «فهم» السياق السياسي والاستراتيجي والاجتماعي الذي يشهده العالم أن القرن الحادي والعشرين سيشهد الكثير من الحروب.
ذلك إن الحرب التي شكّلت إحدى المعطيات «المستدامة» في المسيرة الإنسانية من الثورة الزراعية قبل 6000 سنة من الميلاد وحتى الثورة الصناعية العلمية في القرنين التاسع عشر والعشرين سوف «تتأقلم» مع السياق القادم. وهكذا يتم التأكيد على «أهمية السياق» في فهم الأسباب الداعية للقول أن المستقبل «يعد بالحروب».لكن إذا كان الأمر كذلك فلا أحد يمكنه بالمقابل أن يقول من سوف يتحارب مع من ولا الأسلحة المستخدمة ولا الأسباب الكامنة وراء نشوب الحروب. المهم إذن هو دراسة «السياق» بكل مكوناته السياسية والاستراتيجية ولكن أيضا الاجتماعية والثقافية. ذلك أن كل السياسات الخارجية والاستراتيجيات تندرج في إطار ثقافة «قضية» داخلية. ثم إن الحروب نفسها تشكل «عامل تضامن» قوي حول الأنظمة القائمة، مهما كانت. وبكل الحالات يبقى للتكنولوجيا دورا كبيرا في الحروب، اليوم، وغدا.
كتب مؤلف هذا الكتاب في الجملة التي تصدّرت صفحته الأولى ما يلي: «إلى ابنتي تونيا مع أمنياتي أن تعيش في عالم يعمّه السلام على عكس توقعات والدها».
واختار قبل الشروع في تحليلاته، خمس جمل قالها أصحابها في فترات مختلفة وجاء في إحداها: «من المستحيل استشراف المستقبل، وكل المحاولات الرامية إلى تقديم توصيف دقيق قليلا لهذا المستقبل تبدو مثيرة للضحك بعد عدة سنوات». وتقول ثانية: «الماضي هو دليل قليل المصداقية بالنسبة للمستقبل، ولكنه الدليل الوحيد الذي نملكه». وجاء في ثالثة: «التقنيات تأتي وتروح ولكن الإنسان البدائي يبقى تابعا في داخلنا». الجملتان الأخريتان تذهبان في نفس الاتجاه.
هذه الجمل «المختارة» كلها تدل على مؤشر واحد هو أن المستقبل يبقى مجهولا ومحاطا بإشارات استفهام كثيرة، وكبيرة. وإذا كان محللون ومعلّقون ومنظّرون قد بشّروا عند انهيار المعسكر الشيوعي بأن حقبة جديدة من التفاؤل والازدهار سوف تغمر البشر والبشرية مع الانتصار «الحاسم» للرأسمالية و«نهاية التاريخ»، فإن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 «كسرت» كل تلك التوقعات.
وخفّ عدد من «الخبراء» والمعلقين إلى القول أن حربا عالمية ثالثة قد بدأت وانقلبت صورة القرن الحادي والعشرين «الواعد» إلى صورة قرن «زاخر بالتهديدات».
على قاعدة هذه الملاحظة الخاصة بـ «تكذيب» الواقع غالبا للقراءات المقدّمة للمستقبل يتساءل المؤلف: «ماذا يمكن للمرء أن يقول ويكون هاما ثم لا تكذبه وقائع الغد الكبرى»؟ ويضيف: «يمكن للبعض أن يوجهوا لي النقد لتأكيدي أن الحروب لا تزال تلوح في الأفق». ثم يكرّس المؤلف فصلا كاملا في الكتاب كي يشرح أسباب الحروب وأسباب السلام ليؤكد من خلال ذلك أن «منطق الحرب» هو الذي لا يزال سائدا وليس «منطق السلام».
ويشير المؤلف إلى أن «المؤسسة الاجتماعية المعروفة باسم الحرب» ظلّت قائمة بعد «الثورة الزراعية» قبل 6000 سنة من الميلاد، كما ظلّت قائمة بعد الثورتين الصناعية والعلمية في القرنين التاسع عشر والعشرين. وبالتالي قد يمكن القول أنها سوف تعرف كيف «تتأقلم» مع مجمل التبدّلات التي ستكدسها التقنيات والاقتصادات والممارسات السياسية والاجتماعية على طريق المستقبل الطويل. الحرب إذن تشكل بعض «متاع» المستقبل على أساس التعريف القائل أنها تعني «التهديد بالعنف المنظّم أو استخدام العنف من أجل تحقيق غايات سياسية».
في الوقت ذاته يحذر المؤلف من «أخطار التوقعات المستقبلية»، ذلك أن هناك قاعدة عامة تقول أنه بمقدار ما يكون التوقّع «مفصّلا» تكون «فائدته» أكبر. ولكن هذا لا يمنع واقع أن «درجة التفصيل» تتماشى مع «درجة الخطأ». ثم ليست هناك أية «بلّورة سحرية» تسمح ب«رؤية المستقبل». هناك فقط «معلومات» قد تساعد في فتح السبيل أمام «فهم» جزء من المستقبل.
الصعوبة، كما يحددها المؤلف، هي في التوصل إلى إعطاء معنى دقيق، إلى هذه الدرجة أو تلك، للمعلومات المتوفرة. هكذا وعلى قاعدة عدم إدراك المعنى الحقيقي للأحداث والسياقات لم يتم التوصل إلى «فهم» مسبق للحربين العالميتين الأولى والثانية ولا ل«الحرب الباردة» التي سادت في العلاقات الدولية أثناء وجود الاستقطاب الثنائي الدولي بين المعسكرين، الرأسمالي والاشتراكي (السابق).
بكل الحالات يبقى المستقبل زاخرا بالمفاجآت، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب ثم يضيف: «حتى رجال الدولة الذين يملكون، كما يبدو، تأثيرا شخصيا على مجريات التاريخ قد يجدون ما يفاجئهم كثيرا لاحقا». ولا يغيّر من هذا الأمر كثيرا ما تقدمه وسائل الإعلام، وخبراؤها في ميدان «معرفة المستقبل». وحتى رجال العلم ليسوا بمنجاة من ارتكاب أخطاء فادحة في قراءاتهم المستقبلية.
وهذا ما يدلل عليه المؤلف بعدة أمثلة كقول الدكتور «ديونزوس لاردنر» أستاذ الفلسفة الطبيعية وعلم الفلك في جامعة لندن، في أواسط القرن التاسع عشر: «لن يكون السفر ممكنا في القطارات ذات السرعة الكبيرة إذ سيفقد المسافرون القدرة على التنفس وسيموتون».
أو قول اللورد كيلفن، عالم الرياضيات والفيزياء ورئيس الجمعية الملكية العلمية البريطانية، حوالي عام 1895 ما مفاده: «من المستحيل التوصل إلى اختراع الآلات الطائرة الأكثر وزنا من الهواء». ومثل أخير هو قول الأميرال «وليان ليهي»، مستشار الرئيس الأميركي ترومان: «أكبر الحماقات التي ارتكبناها هي الاعتقاد - بإمكانية اختراع القنبلة النووية-، هذه القنبلة لم تنفجر أبدا وإنني أتحدث من موقعي كخبير في المتفجرات». لقد تلفّظ الأميرال بهذه الجملة عام 1945 وقبل فترة قليلة من قنبلتي هيروشيما وناجازاكي.
وبصدد الحديث عن «أشكال القطيعة والاستمرارية» في التاريخ، يرى المؤلف أنه يمكن تصوّر «التاريخ من حيث أنه تاريخ التهديد بالقوة واستخدامها ونتائجه على مجرى الأحداث، على أنه «تعاقب» للفترات «المختلفة». ذلك أن التاريخ لا يمكنه أن «يقول لنا» ما الذي سوف يجري ولكن من المفروض أن يساعدنا، عبر تذكيرنا بما جرى، على صياغة ما قد ينبغي أن ننتظره من المستقبل.
إن مؤلف هذا الكتاب يشرح على مدى فصل كامل ما يسميه «أهمية السياق» في فهم الأسباب الداعية للقول أن المستقبل «واعد» بالحرب. وهو يقدّم ثلاث مجموعات من الأسباب وراء ذلك.
المجموعة الأولى تتمثل في «آلية العمل المستمرّة والمألوفة للسياسات الداخلية في العالم». وتتعلق المجموعة الثانية ب«قوة الجذب المتنوعة والحقيقية لدى رجال السياسة حيال الحرب». أما المجموعة الثالثة فتخص «بعض السمات المستدامة للطبيعة الإنسانية الفاعلة في المجتمعات».
وما يؤكده المؤلف هو أنه إذا كانت الحرب ليست بعيدة عن «مشهد المستقبل» فإنه «لا يمكننا أن نعرف من سوف يتحارب مع من في المستقبل، ولا معرفة الأسلحة التي سيتم استخدامها ولا الخلافات الكامنة وراء نشوب الحرب بدقة». كما يؤكد على أن «التوجهات» التي تظهر في فترة ما يمكن أن تتغيّر، بل وتنتفي «ذاتيا» منذ أن يكتشف البشر المعنيون بها خطورتها ويباشرون ببذل الجهود من أجل تغييرها. وهناك دائما «المستجدات» التي تترتب على الأحداث الطارئة وغير المتوقعة.
مع ذلك وبالاعتماد على الأسباب المقدّمة كمبرر لرؤية المستقبل «واعد» بالحروب يرى المؤلف أن المعطيات السياسية للسياق الراهن تسمح باستعادة ما قاله ذات يوم منظّر الحرب الأكبر في التاريخ الأوروبي فون كلاوزفتس وجاء فيه: «ينبغي العلم بضرورة عدم التفكير بالحرب باعتبارها معطًى مستقلا عن سياقه وإنما باعتبارها دائما أداة للسياسة، بتعبير آخر أن كل تاريخ للحرب يمكن أن يخالف تصورنا». مثل هذا القول يراه المؤلف «صائبا» بالنسبة للقرن الحادي والعشرين، كما كان «صائبا» بالنسبة لجميع الحقب السابقة.
ولا يقتصر المؤلف على دراسة «السياق السياسي» في منظور المستقبل ولكنه يؤكد أيضا على أهمية دراسة السياق في الميادين المتعلقة ب«المجتمع والثقافة». ذلك ضمن المقياس الذي يرى فيه أن «الحرب هي مؤسسة اجتماعية، وإلى حد ما هي أحد تعبيرات ثقافة مجتمع ما». ثم إن كل سياسة وكل استراتيجية يتم إعدادهما أولا في «سياق وطني». وقد تتأثران أو ربما يتم الشروع بهما أو تجاوزهما بناء على اعتبارات خارجية، لكن إعدادهما وتنفيذهما يتعلقان بمسارات تندرج في إطار الثقافة الوطنية الداخلية.
ثم إن السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية تندرجان أولا أيضا في إطار السياسة الوطنية قبل أن يتم استخدامها ضد الخارج. الحرب المستقبلية ستقوم بالضرورة على خلفية المصالح الحيوية للأطراف الداخلية فيها. لكن بكل الحالات يشكّل السياق السياسي والاجتماعي والثقافي الداخلي الميدان الذي تتم عليه المجابهات السياسية والخلافات بين الأشخاص والمعارك المالية.
بل ويرى المؤلف أن «قرارات الحرب والسلام قد تكون محكومة بكثير من الأحيان باعتبارات تتعلق بالسياسات الداخلية». المثال الذي يضربه على مثل هذه الحالة هو الحرب العراقية-الإيرانية لسنوات 1980-1988.
ذلك على أساس أن الحرب تشكّل في الغالب «عاملا في زيادة التضامن خاصة بالنسبة للأنظمة التي لا تحظى بقاعدة شعبية قوية». هكذا لا تبدو منظورات حروب المستقبل وفترات استمرارها متعلقة تماما بحسابات «عقلانية» لموازين القوى القائمة على المسرح الدولي. «الوظيفة الداخلية» أو «الإقليمية» للحرب، ينبغي إذن أخذها بعين الاعتبار.
ويناقش المؤلف في هذا الإطار مفاهيم «الانتصار والهزيمة والخسارة والمعاناة» في الحروب. إنه يؤكد اعتمادا على تحليلات المؤرخ «جيريمي بلاك» أن «الحرب والنجاح في الحرب يتعلقان، من حيث مفهومهما، بالثقافة». هكذا يمكن للغربيين أن يُصابوا بدهشة «حقيقية» عندما يدركون أن الرئيس العراقي صدام حسين كان على قناعة «حقيقية» أنه قد انتصر في حرب الخليج عام 1991.
بل وأقام نصبا «قوس النصر» للاحتفال بذلك «الانتصار». كيف ذلك؟ نقرأ: «كان على قناعة مثل العديد من العرب أنه انتصر إذ استطاع الصمود أمام الطاغية الأميركي، وفي الواقع أمام تحالف كبير سعى لإذلاله». لكنه ظلّ رئيسا واستمر نظامه». ما يؤكده المؤلف هو أن واشنطن «لم تفهم أبدا» هذا المنطق «الثقافي».
«إن حرب المستقبل ليست مرادفا لتكنولوجيا المستقبل، وحتى لو امتلكت الحرب دائما بُعدا تكنولوجيا». هذا ما يكتبه المؤلف في مطلع حديثه عن دور التكنولوجيا في الحرب، ثم يؤكد أن حقبة المعلوماتية الجديدة في الحروب قد وضعت، إلى حد كبير، حدّا نهائيا لحسابات المعطيات الحربية والتكنولوجية التي كانت قائمة في الحقبة الصناعية.
ويتم تحديد نقطة «الانعطاف» الأساسية في الانتقال من حقبة إلى أخرى بحرب الخليج الأولى عام 1991. لكن هذا لا يمنع واقع أن «الحرب النظامية» بين الدول التي لا تزال تعيش في الحقبة الصناعية ستتابع الاعتماد في حساباتها «الحربية» على العناصر التقليدية للقوة العسكرية المتمثّلة أساسا في عدد الجنود والأعتدة.
هكذا اعتبر عدد من الاستراتيجيين العسكريين سابقا أن الأسلحة أو التجهيزات تشكل 99 بالمائة من الانتصار بينما لا تبلغ حصة الاستراتيجية والقيادة والشجاعة والانضباط والتموين والتنظيم وجميع المؤهلات المعنوية سوى واحد بالمائة فقط.
وينقل المؤلف في هذا الإطار عن الأميرال الأميركي «بيل اوينس» قوله عام 2000: «إن التكنولوجيا التي تمتلك عليها القوات المسلحة الأميركية والتكنولوجيا التي هي بصدد التطور يمكنهما إحداث ثورة في سير العمليات العسكرية، فهذه التكنولوجيات تسمح برؤية «ثاقبة دقيقة لأرض معركة واسعة كالعراق أو كوريا بصورة لا سابق لها، وفي النهار كما في الليل وفي كل الظروف وباستمرار».
لكن هذه الرؤية «التكنولوجية» للحرب ودورها الراجح بالقياس إلى الأبعاد الأخرى تجد ما يخفف منها في رؤية أخرى عبّر عنها المؤلف في عدة «خلاصات» هي بالتتالي: السياق الاستراتيجي والسياسي والعملياتي يزيد من ميزات أو يقلل من قيمة الإمكانيات التقنية، وطريقة استخدام هذه الإمكانيات له، وقيمة المحارب أكبر من قيمة السلاح الذي يمتلكه.
ومن السهولة بمكان تعويض خلل تقني نظريا لكن الأمر ليس دائما كذلك عمليا، ومن الممكن حدوث أشكال خلل حقيقية في مجال التجهيزات، وأخيرا هناك ميل نحو التقليل من الميزة التكنولوجية. ويختتم المؤلف شرحه بصدد التكنولوجيات ودورها بجملة تقول: «التكنولوجيات تأتي وتروح لكن الإنسان البدائي يبقى قابعا بداخلنا».
الصفحات: 423
الكتاب: الحرب في القرن الحادي والعشرين
تأليف: كولن س. غراي - عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: ايكونوميكا- باريس- 2007

