ربطت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في رحلتها الماراثونية إلى عواصم المغرب العربي مطلع سبتمبر الماضي باستثناء العاصمة الموريتانية نواكشوط بين مسألتين اعتبرتهما أساسيتين لحل مشكلات المنطقة، هما: مكافحة الإرهاب أولاً وقضية الصحراء الغربية ثانياً، اللتين اعتبرتهما من أولويات واشنطن.

وتعهدت رايس على الدوام خلال زيارتها إلى الجزائر والرباط «بعمل المزيد من أجل التوصل لحل» لأزمة الصحراء الغربية التي لم تخف رايس صلتها بما تعانيه المنطقة من إرهاب. ولطالما كان الاستقرار الأمني في المغرب العربي مقدمة إلى الاستقرار السياسي بحسب واشنطن التي شددت على دفع مسيرة الإصلاح الديمقراطي إلى الأمام لمحاربة الإرهاب ربط رايس هذا أعقبه حديث عن نية الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون تعيين الدبلوماسي الأميركي المخضرم كريستوفر روس مبعوثاً خاصاً للمنظمة الدولية إلى الصحراء الغربية خلفاً للهولندي فان فالسوم المنتهية ولايته منتصف شهر أغسطس الماضي.

وفي ضوء تلقف كريستوفر لهذا المنصب فإن الجولة المقبلة من المحادثات ستشهد تحولاً مهماً بالنظر إلى ما صرحت به رايس وهو ما يعني ضغطاً أميركياً على أطراف الصراع في مستويين: الأول مغربي مغربي يتعلق بالتفاوض بين جبهة «البوليساريو» باعتبارها أنشئت في سبعينيات القرن الماضي بمبادرة من صحراويين يطمحون للاستقلال عن المغرب والثاني مع الجزائر التي كانت على مر العقود الماضية السند المعنوي والسياسي للجبهة المتواجدة بكثافة على الأراضي الجزائرية.

ويبدو جلياً انحسار دائرة الخلافات بين هذه الأطراف بعدما تخلت ليبيا عن دعمها للجبهة منذ ثمانينات القرن الماضي وهي التي ساهمت بالأسلحة والعتاد في تقوية شوكتها العسكرية في محاولة من الزعيم الليبي معمر القذافي في «معاقبة» العاهل المغربي الحسن الثاني الذي كان رافضاً لمبدأ الانقلاب على الملك إدريس السنوسي في ليبيا.

أصداء الماضي

وفي عودة إلى الماضي القريب، نجد أن دعوة الجمعية العمومية للأم المتحدة في قرارها رقم 40 ـ 50 بالعمل على إيجاد حل «يرضي أطراف النزاع» وتحرك أمينها العام آنذاك خافيير ديكويلار أتى أكُله ليطرح الأمين العام السابق على المغرب و«البوليساريو» صيف العام 1988 خطة لتنظيم استفتاء سيفضي في حالة إجرائه إلى أحد خيارين: إما انضمام الصحراء إلى المغرب أو الاستقلال عنه.

ولقيت خطة ديكويلار نجاحاً في البداية تمثل في قبول الطرفين بالخطة في 30 أغسطس العام 1988 أدى إلى وقف لإطلاق النار الذي انتهى رسمياً بين الجانبين في شهر سبتمبر العام 1991 وأسفر عن إنشاء بعثة للمنظمة الدولية مكلفة بإجراء الاستفتاء عرفت اختصاراً بـ «مينورسو» بقرار من مجلس الأمن الدولي يحمل الرقم 690 ـ 1991.

وطبقا لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة تنقسم هذه البعثة إلى ثلاثة أقسام: وحدة مدنية وأخرى عسكرية وثالثة أمنية، ويتكون طاقمها من 250 إلى 450 شخصاً من 25 دولة ما بين مراقب عسكري وشرطي مدني وتتخذ من مدينة العيون في الصحراء مقراً لها وقدمت «مينورسو» جملة من الاقتراحات بعد عمل دؤوب تتعلق بتحديد من يحق لهم التصويت في الاستفتاء.

وهم على وجه التحديد الصحراويون الذين تم إحصاؤهم من طرف الإدارة الإسبانية العام 1974 رغم احتجاج المغرب وإرساله طعوناً على اللائحة بلغت 131 ألف طعناً. وفي شهر ديسمبر 1999 أعلنت «مينورسو» تجميد خطة الاستفتاء الأممية بسبب الخلافات الحادة بين الطرفين المغربي والصحراوي على من يحق له التصويت. وتم على إثرها إلغاء الموعد الذي كان مقرراً للاستفتاء.

هذا الفشل الأممي في حل الأزمة دفع بأطراف إقليمية إلى التأثير على الصحراويين والمغاربة لاتخاذ مواقف متشددة مقابل اكتفاء المنظمة الدولية بالحفاظ على شرعية الأزمة التي باتت دولية بامتياز فيما كان حلها بيد المغرب والجزائر.

ومع وصول العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى الحكم دخلت القضية طوراً جديداً ليعلن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في تقرير له عن استعداد المنظمة الدولية لتأجيل الاستفتاء وتوالت الاحتجاجات الشعبية طيلة شهر سبتمبر 1999 داخل الأقاليم الصحراوية دفعت بالعاهل المغربي إلى إدخال تعديلات شملت الشخصيات المعنية بالملف الصحراوي وهو ما أعطى بصيص أمل في إمكانية حل الأزمة.

مخاوف مغربية

ورغم تدخل الطرف الأميركي للضغط على الطرفين من أجل القبول بخطة الأمين العام إلا أن موعد ابريل 2000 الذي حدده الأمين العام السابق كوفي عنان لإجراء الاستفتاء لم يتحقق. وتزامنت هذه الأحداث في وقتٍ كانت فيه تيمور الشرقية تحصل على استقلالها بفضل استفتاء شعبي عام وهو ما اعتبرته «البوليساريو».

نموذجاً لما ستؤول إليه قضية الصحراء جابهه التزام مغربي بموقفه السابق الرافض للأرقام التي توصلت إليها الأمم المتحدة في نتائجها الأولية لمن يحق لهم المشاركة بالاستفتاء والتي كشفت عن تفوق عددي بسيط لفائدة المغرب: 46255 داخل المغرب بما فيه الإقليم مقابل 37996 موزعة بين مخيمات تندوف للاجئين الصحراويين وموريتانيا.

وتخشى الرباط من أن فارق 8000 صوت قد يكون معرضاً للتغيير وغير ذي محل ثقة ما اضطرها إلى رفضه. وبرزت عثرة أخرى تتعلق بإعادة اللاجئين من مخيمات تندوف الصحراوية بعدما تم إحصاء حوالي 80 ألفاً منهم عرضته قيادة «البوليساريو».

وكذلك اللاجئون أنفسهم بدعوى غياب «ضمانات كافية في حالة عودتهم إلى داخل الصحراء»، ما فسر من قبل المغرب على أنه محاولة جزائرية للانتقاص من سيادة المغرب على المنطقة.

محاولات بيكر

في 25 يوليو 2000 أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا يحمل الرقم 1309 ويتضمن مبادرة فرنسية أميركية تقترح حلا سياسيا لمشكلة الصحراء دعا على إثره ممثل الأمين العام للأمم المتحدة المكلف نزاع الصحراء جيمس بيكر الطرفين إلى حل تفاوضي «يستبعد خطة الاستفتاء».

وهو ما أدى بالمنظمة الدولية إلى تقديم ما عرف بالحل الثالث أو اتفاق الإطار ينص على أن تمنح الأقاليم الصحراوية حكما ذاتيا موسعا مع البقاء تحت الحكم المغربي في غضون خمس سنوات يمكن بعدها إجراء استفتاء رفضته «البوليساريو» والجزائر وقبلت به المغرب.

ويقترح مشروع «الحل الثالث» أن تكون الجزائر وموريتانيا بمثابة «شاهدتين» عليه وفرنسا والولايات المتحدة بمثابة «ضامنتين» لتعزيز التسوية وتنفيذ الاتفاق. وفي العام 2003 أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1495 والذي مدد صلاحية «مينورسو» 3 أشهر إضافية حتى ال31 من أكتوبر من العام نفسه.

ما شكل حلاً وسطاً يجمع بين خطة التسوية التي اقترحها بيكر مع مواصلة الجهود بين الأطراف المعنية للتوصل إلى اتفاق عام يتضمن حكماً ذاتياً لسكان الصحراء لفترة تتراوح ما بين 4 إلى 5 سنوات تسبق استفتاء تحديد المصير حظي بتأييد الولايات المتحدة وموافقة جبهة «البوليساريو» والجزائر في حين رفضه المغرب مؤيداً من طرف فرنسا.

إذن، يبدو الدور الأميركي حاسماً أكثر من أي وقتٍ مضى لحل معضلة الصحراء الغربية التي باتت تشكل شوكة في الحلق المغربي وتؤرق بتداعياتها الأمنية عواصم القرار الغربي. ويتجلى الدور المحوري لواشنطن في تعيين الدبلوماسي الأميركي كريستوفر روس موفداً خاصاً للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء الغربية.

إضاءة

تأسست جبهة البوليساريو وهي اختصار لـ «الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب» في 20 مايو من العام 1973. وظهرت الجبهة إلى الوجود عقب مؤتمر تأسيسي بدعم من الجزائر التي لعبت دور الحاضنة فيما أدت ليبيا مهمة الممول والمزود بالأسلحة.

ومنذ تأسيسها وضعت هدف تأسيس دولة الصحراء الغربية المستقلة نصب أعينها فاستهلت باكورة عملياتها العسكرية في نفس يوم تأسيسها بهجوم على حامية إسبانية في منطقة الخنكة. وتزايد الاعتراف بـ «البوليساريو» دولياً خلال حقبة الثمانينات من قبل العديد من الدول خاصةً الإفريقية منها حتى بلغ 75 قبل أن ينخفض إلى 40 حالياً.

في حين تدعم العديد من دول العالم كفرنسا والولايات المتحدة وإسبانيا وجامعة الدول العربية باستثناء الجزائر والعديد من الدول الإفريقية والعالم سيادة المغرب على الصحراء الغربية وأي مبادرة تقترحها الرباط لحل هذه المسألة الشائكة.