يتردد بين وقت وآخر التحذير من هجرة المسيحيين العرب بصفة عامة، ومسيحيي العراق بصفة أكثر خصوصية.. هجرة تتصاعد منذ عقود في البلدان التي يشكلون جزءا من بناها الديموغرافية كما هو الحال في العراق ودول أخرى مثل لبنان ومصر وفلسطين وغيرها من الدول التي تضم بين جنباتها مسيحيين يتعرضون لشكل أو أكثر من أشكال العنف أو التمييز أو التهميش.
تلك الهجرة أو التهجير أياً كان فحواها قد لفتت الأنظار من حولها وأصبحت مدعاة للتدخل وذلك للحد من انتشارها، فجاءت تحذيرات متكررة من هجرة المسيحيين من العراق، حيث حض رؤساء الطوائف المسيحية هناك الحكومة على اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من «العمليات التي تقوم بها جماعات متطرفة».
مما يدفع إلى هجرة المسيحيين وتهجيرهم، فيتوجه بعضهم بدءاً نحو البلدان المجاورة وجزء آخر يغادر إلى منطقة كردستان في شمال العراق، وفي الحالتين نحو محطة انتقالية يهاجر منها مسيحيو العراق في أحوال كثيرة إلى دول أخرى وبخاصة الدول الأوروبية والأميركية.
تقلبات عاصفة
وفي هذا البلد متعدد الأعراق والأجناس، حيث يمثّل المسيحيون ثلاثة في المئة من عدد السكان، بقيت نسبة اللاجئين منهم هي الأعظم حيث تراوحت بين 20 و25 في بالمئة من عموم اللاجئين؛ ومن خلال نظرة شاملة على الوضع، يتبين أن حوالي 40 في المئة من أبناء هذه الجالية، حسب تقدير البعض، رحلوا عن العراق منذ العام 1987 حيث كان عددهم آنذاك بناء على الإحصائيات بحدود مليون وربع المليون مسيحي.
لكن وضع المسيحيين في العراق ظل أكثر سوءا من وضع نظرائهم في دول عربية أخرى، رغم اشتراكهم جميعا في التعرض للتهميش أو العزل أو حتى الاضطهاد كما تصفه بعض الأوساط، ففي ظل حكم صدام حسين بلغ تعداد المسيحيين 800 ألف نسمة من مجمل السكان الذين يعدون 26 مليون نسمة، وتضاءل عددهم كثيرا في ظل الاحتلال الأميركي وتنامي عمليات القتل والترويع إلى حد انهم أصبحوا بضعة آلاف.
تلك التقلبات التي لحقت بالنظام السياسي العراقي عامة نتيجة للاحتلال الأميركي وإسقاط النظام الحاكم في بغداد، وما خلفته من آثار اقتصادية واجتماعية دفعت الملايين من مسيحيي العراق إلى الهجرة، الأمر الذي أسفر عن مجموعة من النتائج السلبية من أبرزها: تغييرات في البنية الحضارية والثقافية لمناطق سكناهم، والتي كانت في الأساس منطقة تنوّع ديني يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود إلى جانب أتباع ديانات أخر.
كذلك ظهور مزيد من الكراهية بين أبناء الوطن الواحد على أسس مذهبية وعرقية، فضلا عن إظهار الإسلام مظهر غير القادر على التعايش مع الآخر، وإظهار المسلمين في ثوب الرافضين للحوار المسيحي الإسلامي.
الأمر الذي يضر بالإسلام والمسلمين ويهدر قرونا من التعايش، وأخيرا فقدان العراق جزءاً من طاقاته وقدراته البشرية والمادية، وهي طاقات يحتاج إليها في عملية التنمية وفي مسيرته من أجل التقدم في جوانب مختلفة لمواجهة التحديات، الحالية والمستقبلية، لا سيما في ظل انقسام طائفي يثقل كاهل العراقيين كافة.
ضربات موجعة
ولكن، أصيب المسيحيون حاليا ممن عاشوا بسلام مع جيرانهم المسلمين ولسنوات طويلة بضربات موجعة مع تصاعد موجة «التطرف الديني» ضدهم في العراق، وفي مقابلة له مع الرئيس الأميركي جورج بوش، عبّر بابا الفاتيكان عن قلقه من «أن المجتمع الذي ينشأ في العراق لا يتقبل أتباع الديانة المسيحية».
وهذا ما يقلق العديد من الأوساط المسيحية وغير المسيحية خوفا من استمرار «حملة العنف الشعواء مستمرة ضدهم»، بخاصة في المناطق غير المستقرة من البلاد، في حين عاش المسيحيون في ظل النظام السابق في بيئة غلبت عليها العلمانية وكانوا محل حماية ضد المتطرفين، وحرص حزب البعث على منع أي تعرض لهم.
بل وكانت لهم مشاركة سياسية واضحة وان كانت محدودة، حيث تبوأ بعضهم مناصب رفيعة في عهد صدام حسين، منهم على سبيل المثال طارق عزيز الذي أصبح نائبا لرئيس الوزراء. إلا أن هناك من يحمل رأيا مغايرا بحق علمانية وديمقراطية النظام العراقي السابق.
ويتهمه بالتفريق الديني ضد مسيحيي العراق، مشيرا إلى تعرض الآشوريين في ظل حكم حزب البعث إلى برنامج تهميش وترحيل داخلي يهدف إلى إجراء تغييرات في الوضع السكاني والسياسي لمناطق سكناهم، ومن ثم تصبح الغلبة فيها للجماعات الإسلامية السنية على حساب غيرها.
وباعتبارهم أقلية صغيرة، اضطر الكثيرون من المسيحيين إلى الهروب من المناطق المتفجرة إلى خارج العراق أو اللجوء إلى مناطق أكثر أمنا داخل البلاد، كما هو حال إقليم كردستان الواقع شمالا. حيث احتضن الإقليم الكردي آلاف العائلات المسيحية الهاربة من المدن التي تسيطر عليها العنف مثل بغداد والموصل.
حيث انتقلت هناك حوالي 2800 عائلة مسيحية إلى أربيل وسكنت 1550 عائلة أخرى زاخو على الحدود العراقية التركية، بحسب ما ذكر مركز «هزل» الثقافي، مضيفا ان الحياة في الشمال تعتبر أكثر أمناً لكنها ليست سهلة على الإطلاق.
لأن التدفق الضخم لعشرات آلاف اللاجئين أدى إلى ارتفاع حاد في الإيجارات والأسعار، فالتضخم يتصاعد بينما فرص العمل تتقلص، مما يحتم البحث عن فرص أخرى أو مناطق أخرى أكثر أمنا واستقرارا وأكثر رفاهية.
هؤلاء المسيحيون، رغم انهم يشكلون أقلية داخل بلد يتمتع بدرجة عالية من التنوع، يسعون كغيرهم من سكان العراق إلى زيادة نسبتهم العددية مقارنة بباقي الديانات لما يترتب عليه من حقوق سياسية واقتصادية وثقافية قد يحصلون عليها وفقا لدرجة الديمقراطية التي يتمتع بها النظام الحاكم. إلا أن العراق لا يزال أسيرا لاحصاءات وتقديرات غير دقيقة عن توزيع سكانه حتى بعد سقوط نظام صدام حسين، بقيت تتجاذبها مصالح متضاربة لأطراف متعددة.
حقائق وأرقام
ويعتقد ان تعداد سكان العراق بلغ نحو 28 مليون نسمة، لكن لم يجر تعداد دقيق وفعلي للسكان منذ العام 1997، بل ولا تعترف غالبية الأوساط العراقية الا بالتعداد الذي اجري العام 1947 الذي تناول التوزيع الجغرافي والإثني لفئات الشعب العراقي لاعتباره الأكثر حيادية حيالها جميعا.
ونتيجة للأوضاع الأمنية المتدهورة واستمرار أعمال العنف التي تهز بغداد يوميا، تقرر إرجاء تعداد السكان المقرر في العام 2007 ليصبح موعده في أكتوبر 2009، لعل الهدوء يكون قد حل هناك. ولم يتوقف الأمر عند تثبيت نسبة في تعداد قد يحدث وقد يبقى مؤجلا لفترة أطول، ولكن تواصلت عمليات هجرة أو تهجير المسيحيين من مناطق سكناهم مما أثار مخاوف أوساط عدة.
ففي الموصل، معقل تواجد مسيحيي العراق، ارتفعت وتيرة الاعتداءات التي يتعرضون لها من قبل جماعات مجهولة وصفها البعض بأنه لـ «متشددين إسلاميين» تمثلت في عمليات قتل وخطف وإحراق بيوت وكنائس، كان من أبرزها خطف اسقف الكلدان المطران بولس فرج رحو والعثور عليه ميتا في الموصل بعد أسبوعين من اختفائه.
ورغم ما أعلن عنه رئيس الوزراء نوري المالكي من اتخاذ الإجراءات «الفورية اللازمة» لإعادة المسيحيين إلى الموصل تتالت حركة النزوح الجماعية والتي بلغت حصيلتها حتى الآن أكثر من 1300 عائلة.
