ليس صحيحاً أن جميع الدول قد نشأت على أساس عرقي أو مذهبي وطائفي، إذ لو كان الأمر كذلك؛ لتشرذمت الأمم والشعوب إلى كيانات سياسية ليس لها أول ولا آخر، لكن الصحيح أن الدول في الغالب تتعدد فيها القوميات والأعراق والمذاهب فتصبح التعددية الإثنية والتنوع سبباً من أسباب نهضة الأمم أو تأخرها، وفقاً لطبيعة تعامل أنظمة الدول التعددية مع الجماعات الإثنية المختلفة على أرضها.

والواقع، أن معظم تلك الدول لا تحسن الاستفادة من هذا التنوع، بل ولا تحسن التعامل مع الجماعات الإثنية المختلفة فيها، كما أن هذه الجماعات ذاتها لا ترضى بمجرد العيش ضمن مجتمع الدولة الأكبر، بل تطالب بقدر من الاستقلال الذاتي الذي يضيق ويتسع بما يتماشى مع مقومات وجودها وطموحاتها.

وكذلك مدى امتلاكها لعناصر القوة في طرح مطالبها، سواء من خلال سماتها الخاصة، أو حجمها العددي، أو تركزها في نطاق جغرافي واحد، أو وجود امتداد جغرافي لها خارج حدود الدولة، أو تلقيها للدعم من أطراف خارجية.

وتعكس الخريطة الإثنية للوطن العربي صورة فسيفسائية هي في الواقع شديدة التنوع والاختلاف، اعتمدت على مجموعة كبيرة من العوامل لتنشئها، في مقدمتها العامل اللغوي والذي يرتبط باختلاف العرق، مثل: الأكراد والتركمان والأمازيغ.

كذلك العامل الديني والذي تعبر عنه جماعات المسلمين والمسيحيين واليهود والمذاهب غير التوحيدية مثل البهائيين. لذا، يمكن تصنيف الدول العربية من حيث تعدديتها الإثنية إلى ثلاث فئات رئيسة: الأولى تتمتع بقدر عالٍ من التجانس، مثل: السعودية ومصر وليبيا.

والثانية تتمتع بقدر متوسط من التجانس، مثل: الكويت والجزائر. والثالثة تتميز بدرجة عالية من التنوع، مثل: العراق ولبنان والسودان وسوريا، وهي الدول التي تثار فيها قضية العلاقة بين الجماعات الإثنية المختلفة، وطبيعة التوازن الإثني الذي يعكس تفوق جماعة ما على حساب غيرها.

تلك التعددية، التي هي في الواقع حقيقة اجتماعية تكاد لا تخلو منها دولة في العالم، لا يمكن أن تكون صفة سلبية أو إيجابية في حد ذاتها لمجتمع ما، وإنما يتوقف تأثيرها على عدد من العوامل التي تجعل منها خيراً أو شراً يعود على مختلف أطراف العلاقة.

وهي: طبيعة النظام الحاكم المسيطر على مقاليد السلطة والثروة، وكيفية توزيع الموارد الاقتصادية ودرجة وشكل استفادة الجماعات الإثنية المختلفة منها، وأخيراً العامل الخارجي الذي قد يتمثل في وجود امتداد خارجي للجماعة، أو وجود علاقة خاصة تجمعها بقوة خارجية، أو التدخل السياسي أو العسكري الذي تقوم به بعض القوى.

فنرى بعض الجماعات الإثنية التي حققت أهدافا كانت تسعى إليها بتسخيرها أحد تلك العناصر أو جميعها كما هو حال الأكراد والشيعة في العراق في حين بقيت جماعات أخرى مغمورة أو في طي النسيان.

سهير إبراهيم : salabed@albayan.ae