يختتم المؤلف كتابه بتأكيد أن هناك قرنا سياسيا جديدا ترتسم ملامحه اليوم، وهو قرن متعدد الأقطاب اقتصاديا وسياسيا، ومن المتوقع أن يؤمن هامشا كبيرا ومستمرا لفترة طويلة من الاستقرار والتنمية المستدامة.

لكن تثبيت أركان هذا القرن لا يمر من دون مصاعب، وأزمة الدولار الأميركي والانخفاض الكبير بقيمته مقارنة مع اليورو ستكون لها آثارها المخرّبة على العديد من الصناعات الأوروبية. وهذا الأمر يطرح بقوة مسألة الاستثمارات التي تتجه بالأحرى نحو الأسواق الداخلية. والمثال الروسي ذو دلالة كبيرة بهذا الخصوص ويمكن أن تقوم أيضا في المستقبل المنظور تجمّعات تضم عدة بلدان تلتقي حول سياسات مشتركة، وتضم بلدانا أعضاء في الاتحاد الأوروبي وغير أعضاء، مثل روسيا والنرويج. كما أن هناك أفق قيام مؤسسات نقدية ومالية ذات طابع إقليميز

مما سيؤدي إلى تهميش دور المؤسسات الدولية الحالية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وحتى منظمة التجارة العالمية. إجمالا يتطلب الدخول إلى القرن الحادي والعشرين تبنّي استراتيجيات كاملة جديدة، وهذا ما يؤكد عليه مؤلف الكتاب بالنسبة لفرنسا إن الأحداث التي شهدها العالم ما بين 1997 و2007 تعلن ولادة قرن سياسي جديد. هذا ما يؤكده المؤلف كي يشير مباشرة إلى أن نتائج سياسية مهمة سوف تستجد على صعيد المبادئ والمعايير السائدة ويرى أنه على الصعيد الاستراتيجي، لم يعد اهتمام أي بلد ينصب على الاندماج بأقل الخسائرفي مصير هوليس مصيره أساسا. بل أصبحت الاستراتيجية هي إيجاد أفضل التحالفات من أجل الوصول إلى أقرب صيغة ممكنة مما يعتبره هدفه المنشود.

ترجمة مثل هذه الآراء إلى الواقع تقول إن الفكرة التي برزت عام 1991 والقائلة إن القرن الذي يقرع الباب سوف يكون قرن الهيمنة الأميركية ولعدة عقود مقبلة على الأقل هي فكرة تؤدي إلى موقف دفاعي بالضرورة أما اليوم إذا كان هناك قبول عام بأن الأحادية القطبية في السيطرة على العالم قد انتهت وأنها لن تعود للظهور بعد أجل قصير وأن الهيمنة الأميركية سوف تواجه موجة متعاظمة من الاحتجاجات، فإنه يمكن تبنّي موقف مغاير، وليس دفاعيا بالضرورة ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن قيام القرن 21 متعدد الأقطاب اقتصاديا وسياسيا وحول استراتيجيات لدول مثل التي طورتها القوى الدولية الصاعدة، مثل الصين والهند، أو العائدة إلى المسرح الدولي، مثل روسيا، إنما سيكون قرنا مختلفا جدا عما عرفنا منذ عقد الثمانينات الماضي.

هذا القرن السياسي الجديد يمكنه أن يؤمن، كما يتم تصويره، منظومة مستقرة للتنمية. على أساس سبل غير تلك التي جرى اعتمادها خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة. ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن التحوّل نحو نظام عالمي جديد اقتصادي وجيوسياسي في الوقت نفسه لن يمر بهدوء، وأن أزمة طويلة الأمد تنتظر العالم.

التغير الرئيسي المحتمل يخص تبدّل منظومة النمو الاقتصادي، ذلك أن أحد رهانات القرن السياسي الجديد يتمثل في التحول من استراتيجيات النمو ذات التوجه الخارجي إلى ديناميكية تقوم على أساس تطوير الأسواق الداخلية للقوى الجديدة، مثل الصين والهند والبرازيل. ثم إن تطوير هذه الأسواق الداخلية سوف يستدعي إنشاء مؤسسات اجتماعية ليست موجودة في إطار الاستراتيجيات الراهنة.

ويتم القول إن قيام نظام منشود للنمو الاقتصادي بحيث يتمفصل مع بنية للاستهلاك أكثر اقتصادا لموارد الطاقة وأقل إنتاجا للنفايات، يمكنه أن يؤمن هامشا كبيرا من الاستقرار لفترة طويلة من الزمن. تبقى المشكلة هي أن مثل هذا النظام لن يتأتّى ميكانيكيا من الوضع القائم اليوم. ولا بد من توفير الشروط للانتقال من المنطق الراهن إلى المنطق الجديد.

وتبدو أزمة الدولار وانخفاض قيمته الكبير بالقياس إلى اليورو ذات طابع بنيوي وعميق. ذلك أنها سوف تحث مختلف صناديق الاستثمار، الخاصة أو العامة، على التخلّي عن الدولار. والخطر بالنسبة لمنطقة اليورو كبير على المدى القصير، فالتحوّل مفرط السرعة سيؤدي إلى زيادة هائلة في الخلل بأسعار صرف الدولار مقابل اليورو، الأمر الذي ستكون له نتائج قاتلة على قسم من الصناعة الأوروبية.

كذلك سيكون أمام صناديق الاستثمار الموجودة خارج منطقة الدولار أن تستثمر في منطقة اليورو، أو أن تستثمر في بلدانها الأصلية. روسيا مثال جيد على هذه المشكلة. فالعائدات المتأتية من المواد الأولية هي غالبا بالدولار الذي تنخفض قيمته سريعا، مما يدفع روسيا إلى شراء سندات في منطقة اليورو أو تمويل استثمارات في روسيا نفسها.

إن عملية استثمار عائدات المواد الأولية في الاقتصاد الروسي قد بدأت أصلا من قبل الشركات الخاصة أو من قبل الدولة. ويتم التأكيد أنها سوف تتسارع خلال السنوات المقبلة. لكن نظرا لوضع القطاع المالي في روسيا فإنه من المحتمل قليلا إعادة استثمار جميع المبالغ المتوفرة محليا، وحتى لو كانت الإرادة السياسية تريد ذلك.

إن قسما من هذه الأموال سوف يتم استثماره في منطقة اليورو. والسؤال المطروح على بلدان هذه المنطقة هو كيفية إدارة هذا التدفق لرؤوس الأموال من دون أن تكون لذلك عواقب سيئة على القدرة التنافسية للنشاطات الاقتصادية في منطقة اليورو نفسها ثم ماذا سيتم عمله برؤوس الأموال هذه؟

ويرى المؤلف أن النخب الأوروبية الحاكمة، وخاصة المفوضية الأوروبية، غير قادرة على عمل شيء في مواجهة هذه المشكلة ذلك أنها ترغمهم على القطيعة مع ثقافتهم اللبرالية الجديدة. أما الحل المقترح فهو أن تتبنّى مجموعة من البلدان مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا واسبانيا سياسات صناعية بالتنسيق فيما بينها، بحيث يمكن «دخول» الأموال الروسية ودون شك الصينية، في رأسمالها.

تتم الإشارة هنا إلى أن الحكومة الروسية فتحت بصراحة الباب أمام مثل هذه الإمكانية للمجموعات العامة الكبرى التي قامت خلال عامي 2006 و2007، لكن مثل هذه السياسة تتطلب تعديلات في القواعد الأوروبية الخاصة بالمنافسة.

هذا يعني، برأي المؤلف، أن ما قد يكون منطقيا بل ومرجوا على المدى المتوسط لن يكون ممكنا إلا عبر عملية إعادة بناء عميقة للمؤسسات الأوروبية المعنية، وهذا يعني بدوره أن أزمة تلوح في الأفق، ذلك أن مثل هذه العملية لن تكون سهلة بوجود 27 دولة يضمّها الاتحاد الأوروبي. إذن هناك تساؤلات تلوح في أفق السنوات المقبلة حول الاتحاد الأوروبي.

ولا يتردد المؤلف في القول إن الأوروبيين سوف يدخلون إلى القرن الحادي والعشرين بواسطة تجمّعات لبلدان حول سياسات مشتركة وليس بواسطة الاتحاد الأوروبي بصيغته الحالية. تتم الإشارة هنا إلى أن التجمّعات المقصودة يمكن أن تضمّ بلدانا ليست أعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل روسيا والنرويج.

مثل هذا التطور الذي ستؤدي أزمة الدولار إلى تسارعه أكثر فأكثر سيؤدي إلى «تجزئة» النظام النقدي العالمي. ومنطق الحركة الحالية يُفترض منه أن يؤدي إلى بروز تعددية قطبية نقدية ستكون مقدمة للتعددية الجيوسياسية.

ضمن هذا السياق ستبرز نقطة هامة لا بد من معالجتها وتخص العلاقة بين اليورو والروبل الروسي الذي أصبح أصلا عملة احتياطية على الصعيد الإقليمي بالنسبة للعديد من بلدان مجموعة الدول المستقلة. هذه المجموعة تضم جمهوريات سوفييتية سابقة التفّت حول روسيا.

ودور الروبل مرشح للتوسع، على الأقل عبر التدفقات المالية التي ستترتب على وجود أعداد كبيرة من العمال المهاجرين القادمين من بلدان آسيا الوسطى ومن أوكرانيا. والتحويلات التي يقوم بها هؤلاء العمال تمثل أحيانا حوالي 33 بالمئة من إجمالي الإنتاج الداخلي لبلد مثل طاجيكستان. ومثل هذا التوجه مرشح للتعاظم خلال السنوات المقبلة.

لكن هذا الدور الجديد ل«الروبل» لن يمر من دون طرح مشكلة حقيقية على الإستراتيجية الاقتصادية الروسية. ومن الممكن أن السلطات الروسية لا تريد التضحية بإيقاع نموها الاقتصادي من أجل تحمل مسؤولية نقدية إقليمية. وبكل الحالات سيكون من المفيد لروسيا ولبلدان منطقة اليورو تنسيق الجهود المشتركة من أجل خلق منطقة استقرار نقدي ومالي، وذلك في مواجهة منطقة الدولار وفي مواجهة بروز منطقة نقدية آسيوية.

من جهة أخرى، يتم التأكيد على أن تجزئة المجال النقدي الدولي وتعددية أقطابه في السنوات المقبلة تستدعيان قيام مؤسسات نقدية إقليمية، ذلك أن القرن الحادي والعشرين قد يقوم على أساس صناديق نقدية إقليمية ترفدها بنوك تنمية إقليمية أيضا، كما نقرأ. بالتالي سيكون من المطلوب إعادة النظر سريعا في دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بل ويرى المؤلف أنه ليس أكيدا استمرار بقاء هاتين المؤسستين، على الأقل بصيغتهما الحالية.

كذلك إن الجمع بين التعددية القطبية النقدية وبين نظام للنمو الاقتصادي يقوم على تطوير الأسواق الداخلية للقوى الجديدة الصاعدة وذات الأعداد الضخمة من السكان (الصين والهند)، لا بد له أن يطرح وبسرعة سبب وجود منظمة مثل منظمة التجارة العالمية.

هذا ومن المحتمل أن تتناقض حصة التجارة الدولية في التنمية الاقتصادية. السؤال المطروح لن يكون ذلك المتعلق بقواعد المنافسة في سوق عالمي شامل ولكن المتعلق بتنسيق الاستراتيجيات الاقتصادية للدول. ترجمة هذا الأمر خلال السنوات المقبلة تعني بالنسبة للمؤلف أن الدخول فعليا إلى القرن الحادي والعشرين يتطلب عودة البعد السياسي ودور الدولة في أشكال السلوك الاقتصادي.

يرى مؤلف هذا الكتاب أن حالة الاستقطاب التي ترتبت على فشل القرن الأميركي وعلى بروز القرن الـ 21 الجديد هي ذات أهمية خاصة بالنسبة لفرنسا. ثم يشير إلى أن فهم الرهانات القائمة يتطلب العودة إلى نقطة الانطلاق التي تمثلها «نهاية القرن العشرين السياسي عام 1991».

بعد انهيار جدار برلين سارع الرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا ميتران إلى تبنّي نوع من الاندفاع في طريق التوحيد الأوروبي. فكانت اتفاقية ماستريخت عام 1992 ثم الدعوة لتوسيع إطار الاتحاد الأوروبي.

كذلك أقحم الرئيس ميتران، على قاعدة اقتناعه بالتفوق الأميركي وباستمراره دائما، فرنسا بدون تحفظ في حرب الخليج الأولى وفي المفاوضات الحثيثة التي أدّت إلى إنشاء المنظمة العالمية للتجارة. ثم انضمّ الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك إلى «المنطق الميتراني» في البداية وحتى معارضته الشديدة للمغامرة العسكرية الأميركية في العراق عام 2003.

هنا لا يتردد المؤلف في القول إنه سوف ينبغي على فرنسا، إذا أرادت أن ترتفع إلى مقام رهانات الحقبة الحاضرة، القيام بقطيعة عميقة مع المفاهيم التي وجّهت السياسة الفرنسية ما بين عام 1991 وعام 2002، لاسيما وأنها مفاهيم عفا عليها الزمن. ذلك أن مفهوم السيادة سيكون في صميم القرن الحادي والعشرين، الذي ترتسم ملامحه بوضوح الآن.

وفي المحصلة النهائية يطرح المؤلف السؤال التالي: هل فرنسا هي ذات فاعلة في القرن الحادي والعشرين الجديد أم هي مجرد موضوع يخضع لقواعده ويلعب الدور المرسوم له؟ الإجابة المقدمة عن هذا السؤال تقول إنه في الوقت الذي تنهض الأمم من جديد لا بد من صياغة إستراتيجيات شاملة تعالج مجمل المشكلات المطروحة. والعمل على إقامة تحالفات دولية تسمح بتحقيق تلك الإستراتيجيات المنسّقة، احتمالا، مع البلدان المجاورة.

باختصار من المطلوب، كما تقول التحليلات المقدّمة، القيام بتغيير حقيقي من أجل الدخول بقوة إلى القرن الحادي والعشرين الجديد. ويتم تقديم أفق عام 2012، أي الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، للشروع بالدورة السياسية للتغيير. لكن بانتظار ذلك ينبغي العمل على توفير العناصر الضرورية للنجاح في التغيير المنشود.

المؤلف في سطور

* يحمل جاك سابير، مؤلف هذا الكتاب، شهادة الدكتوراه في الاقتصاد. عمل أستاذا لهذه المادة في جامعة باريس الثامنة عدة سنوات. أصبح بعد ذلك مديرا للدراسات في المدرسة العليا للدراسات الاجتماعية وأستاذا للاقتصاد في «الكوليج دو فرانس»، أعلى مؤسسة علمية في فرنسا. يعمل جاك سابير كمستشار لدى وزارة الدفاع الفرنسية.

* قدّم حوالي 15 مؤلّفا من بينها: «التأرجحات الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي 1941ـ 1985» و«الاقتصاديون ضد الديمقراطية» و«نهاية النزعة اللبرالية الأوروبية». وعرف بشكل خاص بتعمقه في دراسة الاقتصاديين السوفييتي و الروسي.

الصفحات: 255 (وسط)

الكتاب: القرن الحادي والعشرون الجديد

تأليف: جاك سابير ـ عرض ومناقشة: د.محمد مخلوف

الناشر: سويل ـ باريس ـ 2008