لم تكن المواجهات الأخيرة بين العرب واليهود في الحي الشرقي من مدينة عكا مجرد حادث عابر اتخذ بعداً قوميا، بل تعدى ذلك بكثير، إذ ألقى الضوء مجدداً على إشكالية كبرى لا يزال يعاني منها عرب 48 منذ إنشاء الدولة العبرية في العام 1948.
وهذه الإشكالية هي أن هذه الفئة (فلسطينيو المناطق المحتلة في العام 48) التي تمثل نحو 20 في المئة من سكان الدولة العبرية تخوض صراع بقاء ووجود ضد العنصرية والتمييز والتهميش ومخططات التهجير (الترانسفير) التي تمارسها إسرائيل بحقهم لخلق ما تسميه «يهودية الدولة العبرية» والتي تجد لها آذانا صاغية وتفهما عميقا بل وتشجيعا من جانب أطراف دولية مهمة مثل الولايات المتحدة الأميركية وقبل الخوض في تفاصيل الواقع الأليم لعرب 48 نعرج أولا على الأحداث الأخيرة في عكا والتي اندلعت مساء الثامن من الشهر الجاري وهي ليلة بدء احتفالات عيد «يوم الغفران» اليهودي التي تتوقف فيها حركة السيارات في المدن والأحياء اليهودية في أعقاب دخول مواطن عربي بسيارته إلى الحي الشرقي في عكا الذي تسكنه أغلبية يهودية وعندها أحاطه مئات الشبان اليهود الذين راحوا يرجمونه بالحجارة.
وتمكن المواطن العربي من الهرب من المكان، لكن الشائعات التي وصلت البلدة القديمة العربية أفادت بأنه قتل فتجمع مئات الشبان العرب وتوجهوا إلى الحي الشرقي، على بعد كيلومترات قليلة جدا، ووقعت مواجهات بين العرب واليهود استمرت عدة أيام وجرى خلالها تدمير أملاك، خصوصا سيارات وواجهات المحلات العربية فضلا عن إصابة واعتقال العشرات من العرب.
ورغم اعتراف قائد الشرطة في منطقة شمال إسرائيل شمعون كورين بان «المتظاهرين اليهود هم الذين ينفذون أعمال شغب في مدينة عكا، وان الجهة الأساسية التي تقوم بأعمال شغب هم اليهود ونحن لا نعتزم التنازل لهذه المجموعة ونعلم من يقف وراء إضرام النار (في البيوت العربية) والتحريض» إلا أن ذلك لم يحل دون تصاعد الدعوات العنصرية والتحريضية الإسرائيلية ضد عرب عكا، التي أصبحت مثل كرة الثلج حيث دعت جماعات يهودية متطرفة إلى مقاطعة المصالح التجارية العربية في عكا وتهجير العرب.
كما دخل الكثير من السياسيين الإسرائيليين المتطرفين على الخط لصب الزيت على النار،حيث طالب زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» المتطرف افيغدور ليبرمان ب«قمع العرب» الذين قال انهم يقومون بانتفاضة جديدة في قلب (إسرائيل)واتهمهم بارتكاب «مجازر» ضد اليهود. كما دان النائب المغالي في التطرف ارييه الداد ما وصفه بـ «المذابح التي يرتكبها العرب». وقال إنه «يجب الا يفاجأ احد إذا حمل اليهود السلاح للدفاع عن أنفسهم فيما الشرطة لا تفعل شيئا لحمايتهم».
عكا تحترق
لكن في مقابل هذه الأصوات والدعوات العنصرية، كانت هناك جهات إسرائيلية أكثر عقلانية وحيادية وموضوعية، مثل صحيفة«هآرتس» التي أصدرت ملفا عن الأحداث عنونته ب: «عكا تحترق»، مثل اسم الفيلم الأميركي الشهير «مسيسبي تحترق»، الذي يصور عنصرية البيض ضد السود. ووصف الصحافي جدعون ليفي عكا بأنها «البوسنة الصغيرة». وكتب أن «عكا لا تشبه البوسنة فقط، وإنما تشبه نابلس أيضا، ففي كل ركن فيها يوجد حاجز».
دور المستوطنين
ليس هذا فقط بل أن «هآرتس» فضحت جانبا مهما من الخلفيات المحركة لهذا الحرائق، إذ قالت إن «هناك تقارير تشير الى وجود نشاط تقوم به جهات يمينية متطرفة مع مستوطنين تم إخلاؤهم من قطاع غزة في إطار خطة فك الارتباط، يهدف إلى الاستيطان في المدن المختلطة مثل اللد والرملة ويافا،، وهذا الأمر حدث في عكا، إذ تم جلب نحو 200 مستوطن من اليمين المتطرف إلى عكا وافتتاح معهد ديني تابع للتيار الديني القومي الصهيوني في المدينة».
وعكا مثل غيرها من المدن العربية المختلطة في إسرائيل،تنشط فيها منذ سنوات حركات يمينية استيطانية متطرفة تحرض ضد العرب، وبدأت هذه الحركات تتغلغل في المدينة وترفع شعار إخلائها من العرب، وهؤلاء شحنوا الأجواء بعد أن بات عرب عكا يواجهون خطرا محدقا يستهدف وجودهم وهويتهم، على خلفية سياسة إقصاء وتضييق من قبل السلطة.
إذ تسعى المؤسسات الإسرائيلية إلى تهويد المكان والثقافة والتاريخ من خلال مخططات إسكان ومشاريع تطوير على حساب الوجود العربي في المدن العربية وعلى حساب سكانها الأصليين. ولاشك ان ذلك الأمر هو سياسية متبعة منذ صدور قرار التقسيم 181 في 29 نوفمبر 1947 حيث كان يقطن المنطقة التابعة للدولة العبرية حسب قرار التقسيم ما يزيد على 634 ألف عربي في 219 قرية وأربع مدن: حيفا وطبريا وصفد وبيسان.
وفي غضون سبعة أشهر (من ديسمبر 47 وحتى يونيو 1948) تم تهجير ما يزيد على 239 ألف عربي، وإخلاء وتدمير 180 قرية عربية وكذلك تهجير سكان ثلاث مدن كبرى هيك صفد وطبريا وبيسان، وبقي في حيفا نحو 1950 فلسطينياً بينما هُجر حوالي 122 ألفاً، وأخليت 70 قرية تماماً، وهُجر سكان ثلاث مدن ( يافا وعكا وجنين ) وجزء كبير من سكان اللد والرملة، واستمر التهجير بعد قيام الدولة الإسرائيلية، واستمر الاستيلاء على القرى والأراضي العربية حتى يومنا هذا.
مظاهر التمييز
فضلا عن ذلك، يعاني عرب 48 من التمييز العنصري من قبل السلطات الإسرائيلية،حيث يرصد برهوم جرايسي وهو صحافي وكاتب سياسي من الناصرة في مقال له بعنوان: «ميزانية إسرائيل.. حرب وعنصرية» مظاهر هذا التمييز في النقاط التالية:
- يعاني عرب 48 من نسبة بطالة تصل بالمعدل إلى أكثر من 16 في المئة، بينما بين اليهود تتراوح ما بين 5 إلى 6 في المئة، ليكون معدل البطالة العام في إسرائيل في حدود 7,7 في المئة.
-الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة،تحرم البلدات العربية من ميزانيات التطوير، وإن حصلت عليها، فإنها تكون شحيحة، وتتراوح ما بين 25 في المئة إلى 35 في المئة من الميزانية التي يستحقها الفرد العربي بالمعدل، لتكون متساوية مع الميزانية التي تصرف على الفرد اليهودي بالمعدل.
- جميع البلدات العربية في مناطق 1948 محرومة كليا من مناطق صناعية، وقد بلغت السياسة العنصرية إلى درجة مصادرة الأراضي العربية من مناطق نفوذ البلدات العربية ، لإقامة مناطق صناعية عليها، ولكن تكون تابعة لمدينة يهودية لا تتصل جغرافيا بهذه المنطقة.
- إسرائيل تصرف على كل طالب من المستوطنين حوالي 2050 دولارا، بينما تصرف على الطالب اليهودي داخل إسرائيل 1040 دولارا، أما حصة الطالب من عرب 48 فهي بالكاد تتعدى 250 دولارا.
- نسبة الفقر بين عرب 48 تساوي ثلاثة أضعاف نسبتها بين اليهود، فبينما تقل النسبة بين العائلات اليهودية عن 20 في المئة، إلا أنها بين العائلات العربية تصل إلى 47 في المئة وأكثر، وفقا للمعطيات الصادرة عن مؤسسة الضمان الاجتماعي الإسرائيلية الرسمية.
ميراث من العنصرية
من هذا كله، يتضح أن ما حدث في عكا لم يكن حدثا عابرا، وإنما نتيجة طبيعية لميراث طويل من التهميش والعنصرية ضد سكان الأرض الأصليين وأصحابها، ومحاولة اقتلاعهم من قراهم ومدنهم بكل الوسائل والأساليب، في ظل تواطؤ دولي تتضح معالمه يوما بعد يوما في شكل توفير مظلة حماية في مجلس الأمن الدولي وإفشال أي محاولة من جانب الدولة العربية لإدانة إسرائيل على جرائمها الكثيرة بحق الفلسطينيين.
أو عبر إمداد الدولة العبرية بكافة أنواع الأسلحة واحدث المنظومات العسكرية في العالم،لضمان استمرار تفوقها على الدول العربية كافة،ومن ثم مواصلة نهجها الاستعماري العدواني من دون توقف. لكن من الواضح أيضا، انه رغم اختلال موازين القوى لصالح إسرائيل، إلا أن هناك شيئا لم تقدر الدولة العبرية على قهره منذ عقود مضت.
وهى ارادة البقاء التي يتمتع بها عرب 48، وإصرارهم على مقاومة كل المحاولات الرامية إلى سلخهم عن هويتهم الفلسطينية العربية، خصوصا من الناحية الثقافية،وتمسكهم الدائم بتراثهم الوطني ووقوفهم المستمر إلى جانب اخوانهم في الضفة الغربية وقطاع غزة،وذودهم المتواصل عن المقدسات الإسلامية في القدس العربية المحتلة.
تاريخ : محاولة لجعل عكا سجناً للعرب
من المفارقات التي تلفت الانتباه ان مدينة عكا حاولت إسرائيل تسويقها كنموذج للتعايش السلمي بين اليهود والعرب، كانت في الماضي سجنا لمؤسس البهائية، وفي الوقت الحاضر تحاول الدولة العبرية جعلها سجنا للعرب. ويعيش في عكا 53 ألف شخص ويقول موقع المدينة على الانترنت ان نحو 28 في المئة منهم عرب.
وعلى مدى أربعة آلاف سنة مضت قامت مدينة بالقرب من موقع عكا الحديثة على ساحل البحر المتوسط عند الطرف الشمالي لخليج حيفا. ويسكن العرب بشكل أساسي منطقة الميناء القديمة ذات الاسوار فيما يهيمن اليهود على الضواحي الحديثة لعكا.
واستولى قادة الحملات الصليبية على المدينة من الحكام العرب في القرن الثاني عشر وجعلوها عاصمة لمملكتهم في القدس ومركزا تجاريا رئيسيا قبل أن يدمرها المماليك تقريبا العام 1291. وقد استعادها في القرن الثامن عشر أحمد باشا (الجزار) ثم اصبح واليا عثمانيا عليها.
وتنازعت البحرية الفرنسية والبريطانية السيطرة على ميناء المدينة خلال حروب نابليون.
وكانت قلعة عكا سجنا لفترة طويلة واحتجز به بهاء الله وهو فارسي أسس البهائية خلال الحكم العثماني في القرن التاسع عشر وفي وقت لاحق سجنت بها القوات البريطانية التي احتلت فلسطين بين عام 1917 و48 عربا ويهودا. واستولت القوات الإسرائيلية على عكا العام 1948 إلى جانب نحو 78 في المئة فيما كانت فلسطين تحت الحكم البريطاني.
غضب : هّبة أكتوبر.. نموذج للمقاومة
سبقت المواجهات الدامية الأخيرة بين العرب واليهود في عكا مواجهات مماثلة وعمليات توتر مستمر، كان ابرزها «هبة اكتوبر» في المثلث والجليل العام 2000 التي سقط فيها 13 شهيدا من عرب ال48.
وكانت القوات الإسرائيلية استخدمت القناصة لتفريق المظاهرات التي هبت دفاعا عن المسجد الأقصى المبارك. وأقرت لجنة «أور» الإسرائيلية التي شكلت للتحقيق في الجريمة أن إطلاق الرصاص المطاطي الذي أدى إلى نتائج قاتلة قد نفذ هو أيضا بشكل مخالف لأوامر الشروع بإطلاق النار.
كذلك فقد تبين أنه وفي كل واحدة من الحالات لم يتشكل خطر حقيقي يبرر إطلاق النار الذي أدى إلى مقتل المواطنين.لكن رغم ذلك فلم يتم توجيه ولو تهمة واحدة في جرائم قتل الشبان العرب.،كذلك وقعت اشتباكات بين الشرطة الإسرائيلية ومتظاهرين عرب قرب مدينة الطيرة العربية للاحتجاج على نزع أراض عربية لشق طريق في نهاية أكتوبر 2001.
وفي مارس 2003 أعلن جهاز الأمن الداخلي الإسرئيلي (شين بيت) القبض على ثلاثة من عرب إسرائيل عقب اكتشاف ورشة لتصنيع المتفجرات داخل إسرائيل، والرجال الثلاثة من بلدة جلجوليا قرب الضفة الغربية. وفي أكتوبر 2002 بدأت محاكمة أربعة من عرب إسرائيل يقيمون في القدس بتهمة مساعدة منفذي أربع عمليات مقاومة جرت في إسرائيل خلال العام 2002، منها ثلاث عمليات استشهادية.
خالد سيد أحمد

