يذكرنا المؤلف هنا بأن عملية «عاصفة الصحراء» ـ حرب الخليج الأولى ـ عام 1991 قد أظهرت تفوقاً ساحقاً للقوات المسلحة الأميركية. تفوّقا على صعيد الأسلحة والتكنولوجيات المتقدمة والكفاءات القتالية ليلا ونهارا والقدرة العالية في التنسيق بين سلاح الجو وسلاح البر. وقد اعترف الجميع وعلى رأسهم السوفييت وبعدهم الروس بذلك التفوق العسكري الأميركي. وتعزز ذلك التفوق إثر العملية العسكرية الجوية التي قامت بها قوات الحلف الأطلسي في كوسوفو عام 1999.

مظاهر القوة هذه كلها وجدت ما يقابلها من نقاط الضعف في العقيدة العسكرية الأميركية خلال حرب العراق 2003 ثم خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في لبنان خلال صيف عام 2006 حيث إن الجيش الإسرائيلي يتبنّى الخطوط العريضة لنفس العقيدة العسكرية الأميركية خلال سنوات التسعينات، خاصة فيما يتعلق بتبني الإيديولوجية «العقابية».وبشكل عام كانت نتائج الغزو الأميركي للعراق عام 2003 كارثة على الصعيد الإنساني العراقي، وكارثة على صورة القوة العظمى الأميركية.

إن التأمل بما يمكن أن يكون عليه المستقبل يتطلب العودة إلى التبدلات التي عرفها فن الحرب أثناء الفترة الانتقالية بين قرنين، والتي يحددها المؤلف بسنوات 1991-2003، وأيضا إلى النتائج المترتبة على التدخل الأميركي في العراق وما يتم تأكيده منذ بداية التحليلات الخاصة بالقرن الجديد والمسألة العسكرية هو أن بروز أي قرن سياسي جديد يرتبط بالتبدلات الجذرية في فن الحرب. هكذا يعتبر مؤرخون وباحثون عديدون أن القرن العشرين، مثلا، بدأ مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914.

النقاشات حول التبدلات العميقة الأخيرة التي شهدها فن الحرب هي سابقة كثيرا، في الواقع، على عام 1991، وهي تندرج إلى حد كبير في إطار نقاش آخر يخص «الثورة في الشؤون العسكرية». ويرى المؤلف أنه من الهام في هذا السياق معرفة أن الجيش الأميركي قد تبنّى مفاهيم عسكرية سوفييتية، وجعل منها مواضيع للنقاش الاستراتيجي خلال سنوات التسعينات وينقل المؤلف عن المنظّرين العسكريين السوفييت تعريفهم الحديث ل«الثورة في الشؤون العسكرية» أنه يعني رسميا «التبدلات الأساسية المستجدّة بفعل التقدم العلمي والتقني في مجل تطوير وسائل المعركة المسلحة وفي تنظيم وتهيئة القوات المسلحة وأيضا في طريق قيادة الحرب والعمليات العسكرية.

والثورة الحديثة في الشؤون العسكرية بدأت بعد الحرب العالمية الثانية عندما جرى تجهيز القوات المسلحة بالأسلحة النووية وبالأعتدة الإلكترونية وبأنظمة المراقبة الآلية ورسائل أخرى».

إذا كان القرن الحادي والعشرون الجديد ممهورا بأزمة المؤسسات الاقتصادية للهيمنة الأميركية، فإنه كان ممهورا أيضا، كما يؤكد المؤلف، بأزمة في فن الحرب الأميركي، الذي بدا أنه كان متفوقا على جميع القوى الأخرى.

كانت عملية «عاصفة الصحراء» ـ حرب الخليج الأولى عام 1991- قد أظهرت تفوقا عسكريا أميركيا شاملا، الأمر الذي تمّ التعبير عنه بالسيطرة على الأسلحة ذات الدقة العالية في التسديد وبالسيطرة على التكنولوجيات الإلكترونية والقدرة على القيام بعمليات ليلية ونهارية بنفس الفاعلية وبدرجة التكامل التي تمّ التوصل إليها في مجال التنسيق بين المعارك الجوية والمعارك البرية.

وللمرّة الأولى في التاريخ بدا أنه يمكن الوصول إلى إنهاء القوة السياسية والعسكرية للخصم بوسائل «غير نووية». «تتم الإشارة هنا إلى أن مثل هذه النتائج كان قد ارتقبها الأخصائيون السوفييت فيما كانوا يطلقون عليه تسمية «الثورة في الشؤون العسكرية» خلال مطلع سنوات الثمانينات المنصرمة. وقد كانوا يرون بذلك «ثورة ثانية» بعد تلك المرتبطة بالانتشار الكبير للأسلحة النووية.

إن القدرات التي أظهرتها القوات المسلحة الأميركية في بلوغ أهدافها خلال عملية «عاصفة الصحراء» كان لها تأثير كبير على العسكريين السوفييت، وبعدهم على العسكريين الروس. لقد كان من الواضح إذن ان الولايات المتحدة الأميركية قد بلغت آنذاك تفوقا كبيرا على مختلف الأصعدة التقنية والعملياتية.

وتعزز ذلك التفوق أثناء تدخل قوات الحلف الأطلسي في كوسوفو عام 1999 حيث جرى تفكيك وسائل الدفاع الصربية بسرعة مدهشة. إذا كانت قد ظهرت بعض «الإخفاقات» مثل الفشل في توجيه ضربة حاسمة لمعسكرات تدريب للقاعدة في أفغانستان أو أثناء العمليات الأميركية في الصومال، فإن ذلك لم يؤد إلى التشكيك بمدى التفوق العسكري الذي حققته القوات المسلّحة الأميركية.

مع ذلك، يميّز المؤلف عدة «نقاط ضعف» عرفتها القوات الأميركية أثناء المرحلة المسماة «نظامية» في التدخل بالعراق عام 2003. إن التجهيز «اللوجستي» للقوات الأميركية كان إشكاليا، فالتقدم السهل الذي تمّ تحقيقه إنما يعود إلى ضعف الخصم وحالة الانقسام السياسي التي كان يعاني منها أكثر مما يعود إلى السيطرة الحقيقية لقدرة المناورة العسكرية للقوات الأميركية.

ثم ظهرت بسرعة بعد ذلك الصعوبات، وكان لا بد للجيش الأميركي من شن الهجوم مرتين على الفلّوجة التي لم يكن يدافع عنها سوى أعداد متواضعة من الميليشيات ذات التجهيز العسكري المتواضع وإنما ذات الإدارة القوية. ولا تزال القوات الأميركية غير قادرة للسيطرة على الوضع في مواجهة مجموعات تمارس المقاومة بأشكال مختلفة. ونفس الضعف تبديه القوات الأميركية في أفغانستان، وإنما بقدر أقل بكثير من الصدى الإعلامي، اعتبارا من عام 2006.

ويرى المؤلف أن حرب لبنان في صيف عام 2006 أكّدت محدودية فن الحرب الأميركي. ذلك أن الجيش الإسرائيلي هو أفضل من تمثّل الدروس الأميركية لحرب 1991. لكن تكشّف أنه ليس بقادر على تدمير حزب الله. ذلك أن مقاتلي هذا الحزب أرغموا الجيش الإسرائيلي، عبر الجمع بين عمليات «شاملة»، على الدخول في إستراتيجيتهم وبالتالي الحكم عليه بنوع من «الجمود».

هذا مع أن إسرائيل قد أنفقت، حسب المعلومات التي يقدمها المؤلف اعتمادا على مصادر عسكرية إسرائيلية، حوالي 6 مليارات دولار، أي ما يعادل 10 ملايين دولار تقريبا ل«كل مقاتل عدو» جرى قتله أثناء المعارك.

الأسباب التي يقدمها المؤلف لذلك الفشل كثيرة، وفي مقدمتها المبالغة في الثقة بسلاح الجو، والمبالغة بالمقابل في التقليل بقوة الخصم، وعدم زج عدد كاف من القوات البرية في المراحل الأولى للهجوم.

كما يشير المؤلف إلى الإيديولوجية العقابية لدى العسكريين الإسرائيليين، والتي دفعتهم إلى قصف أهداف اقتصادية ومدنية في لبنان مما سبب خسائر تقدر ب10 مليارات دولار، وذلك بأمل دفع السكان اللبنانيين إلى التمرّد ضد حزب الله. لكن آثار التدمير جاءت على عكس ما كان يرغبه أولئك العسكريون الإسرائيليون.

هذه الإيديولوجية العقابية موجودة أيضا في العقيدة العسكرية الأميركية وحيث تترافق مع فكرة تفوق الخيار الجوي، والتي تعززت بعد حرب الخليج الأولى عام 1991 والتي يقوم عليها اليوم الخطاب حول «الخسائر صفر».

هذا التعبير يعني انعدام الخسائر في القوات القائلة به وما يقابله سقوط أعداد كبيرة من الخسائر لدى الخصم، وليس بين القوات العسكرية فقط وإنما بين السكان المدنيين خاصة. بكل الحالات تتم ملاحظة وجود تقارب كبير بين العقيدتين العسكريتين الإسرائيلية والأميركية خلال سنوات التسعينات.

ومقابل فشل الإستراتيجية الجوية «العقابية» في لبنان تعززت مواقع حزب الله. وهذا الوضع يشبهه المؤلف بذلك الذي عرفته حركة طالبان في أفغانستان التي اكتسبت بعض الشرعية بعد هزيمتها العسكرية خلال 2001-2002، الأمر الذي لم يمنعها من إقامة شبه دولة في المناطق الجنوبية من البلاد.

تتم الإشارة هنا إلى أن التشابه «النسبي» بين الأوضاع في أفغانستان والعراق ولبنان يدل على «العيوب» والتي تشتمل عليها العقيدة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية. ثم من الواضح للعيان أن عدم قدرة الجهاز العسكري الأميركي على فرض قراراته في الواقع يشير إلى أزمة حقيقية في مفهوم التفوق العسكري للولايات المتحدة.

ثم إن تكرار الأمر على عدة مسارح عمليات يعني أنه لا يتعلق بالخصوصيات المحلية للخصوم وإنما بالعقيدة العسكرية الأميركية نفسها. ويدل الفشل الأميركي في العراق على التناقض القائم داخل هذه العقيدة بين «القواعد التكتيكية» و«الأهداف الإستراتيجية».

فإذا كانت الحرب هي متابعة السياسة بوسائل أخرى، كما قال منظّر الحرب الشهير كلاوزفتس، فإن الأعمال العسكرية «التكتيكية» الأميركية قامت بتدمير الأهداف السياسية المرجوّة، وهذا يعني وجود خلل كبير. فالنتائج جاءت على عكس الأسباب المعلنة للشروع في الحرب. هكذا كان الأمر في العراق.

وهكذا كان أيضا في لبنان خلال العملية العسكرية الإسرائيلية خلال صيف 2006. هذا التناقض يجد فيه المؤلف مؤشرا على وجود أزمة في فن الحرب. يرى مؤلف هذا الكتاب في حالة التدخل العسكري الأميركي في العراق عام 2003 «كارثة إنسانية كبرى».

وفيما هو أبعد من المشكلات الأخلاقية التي يثيرها هذا التدخل فإنه لا يمكن تجاهل واقع أن الكارثة الحاصلة خلقت الشروط السياسية-العسكرية لفشل الحرب الأميركية في تحقيق الهدف الأكبر المعلن لها، أي «إعادة بناء» الشرق الأوسط على أسس «تتآلف» مع الهيمنة الأميركية.

أما السؤال الحقيقي المطروح اليوم على المسؤولين العسكريين والسياسيين الأميركيين فهو كيفية الخروج من الورطة العراقية. وهذا ما يشابه إلى حد كبير هزيمة إستراتيجية، ولكن ليس بسبب قوة الخصم وإنما بسبب الطريقة التي تبنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في القتال.

لقد بدا منذ البداية أن قوات «التحالف»، وخاصة القوات المسلّحة الأميركية، ليست قادرة، أو ربما «ليست راغبة» في حماية السكان المدنيين الخاضعين لسيطرتها، وذلك منذ الأيام الأولى للاحتلال. وهنا يتحدث المؤلف عن نهب المتاحف والمكتبات في الأيام التي تلت دخول القوات الأميركية إلى بغداد.

هكذا اختفت (000 14) قطعة أثرية من المتحف الوطني العراقي ما بين 10 و12 أبريل-نيسان 2003، حسب الأرقام المقدّمة. ثم استمرّت أعمال السلب والنهب في الأسابيع اللاحقة بإيقاع «أقل»، لكنها طالت العديد من المواقع الأثرية. وجرى عموما بين القطع المسروقة في «أسواق الفن».

إن هذا التخريب للتراث التاريخي للعراق، وفيما هو أبعد من جميع الاعتبارات الأخلاقية، رأى به قسم من العراقيين اعتداءً متعمدا عن سابق قصد وتصميم. ويرى المؤلف أنه على الرغم من وقوع أحداث أكثر خطورة على يد قوات الاحتلال في العراق، فإن نهب المتاحف كان عملا ذا قيمة رمزية عالية حرم الأميركيين من دعم المثقفين العراقيين لهم مع أنهم كانوا يتمنون تحريرهم من نظام صدام حسين.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يراه أكثر سوء، وهو يحدده في عمليات الاعتقال العشوائية التي دلّت تقارير للصليب الأحمر أن نسبة 70 بالمئة منهم كان قد جرى اعتقالهم خطأ أو دون سبب مقبول. يضاف إلى هذا اللجوء إلى التعذيب الجسدي للسجناء اعتبارا من عام 2004، الأمر الذي قاد إلى «فضيحة ابوغريب».

وهذه «الفضيحة» لم تكن، حسب قول المؤلف، سوى جزء يسير من الإساءات التي اقترفتها القوات الأميركية، أو القوات الخاضعة لقيادة أميركية، وقد دلّ تقرير للصليب الأحمر عام 2008 على أن شروط الاعتقال قد ازدادت سوءً.

إن ممارسة التعذيب أثارت احتجاجات داخل القوات الأميركية نفسها، وقد قامت القيادة نفسها بقمعها فهي المسؤولة عمليا عن شيوع تلك الممارسات واستمرارها. وتدل الأرقام المقدّمة على أنه في نهاية الفصل الأول من عام 2007 أن عدد المعتقلين لدى قوات التحالف الموالي لأميركا بلغ 000 18 شخص. كما قامت القوات الأميركية بعمليات «تمشيط» يزداد إيقاعها باستمرار، ومما يزيد بدوره من الأزمة الإنسانية الكبرى للعراقيين، ويؤدي إلى أزمة حقيقية في العقيدة العسكرية الأميركية.

حقائق

* على الرغم من أن الكثيرين يعتقدون أن الثورة في الشؤون العسكرية هي تطور حديث ينتمي إلى الأمس القريب، إلا أن الحقيقة هي أن تطبيق هذا المفهوم بدأ بعد الحرب العالمية الثانية مع تجهيز القوات بالأسلحة النووية والمعدات الإلكترونية وأنظمة المراقبة الآلية وغيرها من الوسائل العسكرية الحديثة.

* يرتبط هذا المفهوم في تجلياته الحديثة باسم دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي السابق، الذي بادر فور عودته إلى منصبه للمرة الثانية بتوظيف منجزات الثورة في الشؤون العسكرية بهدف إنشاء جيش مستقبلي يعيد صياغة الوسائل التي تخاض بها الحروب في القرن العشرين، بما يكفل بصفة خاصة الوصول بخسائر الجيش الأميركي إلى الدوران في فلك الرقم صفر .

* من أبرز أدوات تطبيق هذا المفهوم الاستعانة بنظام كمبيوتري فائق يعمل كشبكة إنترنت قتالية ترصد الآليات القتالية وتمنع خروجها عن مسارها وتعرضها للنيران بما في ذلك النيران الصديقة.

* يعمل هذا النظام وفق حلقة مغلقة، لكنه يمكن كذلك عند الضرورة أن يعمل مستقلا بفصله من الشبكة حيث يظل يؤمن الخدمات ذاتها أقوى المقاتلة.

الصفحات: 255 (وسط)

الكتاب: القرن الحادي والعشرون الجديد

تأليف: جاك سابير ـ عرض ومناقشة: د.محمد مخلوف

الناشر: سويل ـ باريس ـ 2008