دخل شهر أكتوبر في ذاكرة لبنان كفأل خير على العلاقات اللبنانية السورية ففي العاشر من هذا الشهر عام 1943 قدّم رئيس الوزراء السوري سعد الله الجابري في مؤتمر الإسكندرية لمباحثات الجامعة العربية مذكرة رسمية اعترف فيها باستقلال لبنان بحدوده الحاليّة.

وبعد 65 عاما أصدر الرئيس السوري بشار الأسد في الرابع عشر من الشهر الجاري مرسوما رئاسيا بإنشاء علاقات دبلوماسية بين بيروت ودمشق واستحداث سفارة سورية في العاصمة اللبنانية. وتنازلت سوريا عام 1943 عن مطالبها باسترداد الأقضية الأربعة بعلبك والبقاع وطرابلس وصيدا ومرجعيون وصور التي سلخها من سوريا الاتفاق البريطاني الفرنسي على ترسيم مناطق النفوذ في الوطن العربي (سايكس- بيكو)الذي نتج عنه إنشاء دولة لبنان الكبير عام 1920. وما بين الاعترافين أعوام ملأى بالتوترّ وانعدام الثقة بين شقيقين سيطر الالتباس على علاقتهما عبر مسيرة طويلة.

في رأى نائب رئيس مؤسسة عصام فارس للدراسات الباحث الدكتور رغيد الصلح ان الخطوة السورية تجاه لبنان ذات«معنى رمزي» ولن يغيّر القرار الكثير في العلاقات «ليس بالضرورة أن تزيد الثقة المتبادلة» حتى انخفاض مستوى التدخّل السياسي في شؤون لبنان السياسية لا يراه الصلح حتميا»، متسائلا «ما الذي يمنع أن يتحوّل التدخّل عبر الحدود السورية اللبنانية إلى السفارة السورية في بيروت التي يمكن أن تتحول بدورها إلى عنجر ثانية؟».

لكنّ الصلح يستدرك بقوله «يبدو أن النوايا السورية تجاه لبنان لا تصب في هذه الخانة» أسباب عدّة تحول دون ذلك في مقدّمها «انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وتشكيل حكومة ائتلافية تضم المعارضة مما ولّد طمأنة لدى السوريين بأنّ لبنان لن يكون مركزا لصفقات وعمليات قد تهدد نظامهم وأمنهم والعكس صحيح لبنانيا».

من جهته، يعتبر رئيس حزب الكتائب سابقا المحامي كريم بقرادوني بأنّ قرار الرئيس السوري كان متوقعا عام 2005 بناء على اجتماع اللجنة اللبنانية السورية العليا، حين طرح الرئيس بشار الأسد حينها فكرة التبادل الدبلوماسي مع لبنان.

وكان سبق له أن قرر عام 2000 وفور تسلّمه رئاسة الجمهورية زيارة بيروت في خطوة أرادها للتأكيد على اعتراف سوريا بسيادة لبنان واستقلاله. تأجلت الزيارة بسبب الحملة التي قامت ضدّ سوريا في حينها لكنها تمّت عام 2002. ويستنتج بأنّ «همّ الرئيس السوري منذ توليه الحكم هو طمأنة اللبنانيين بأن لا أطماع سورية بضمّ لبنان أو جزء منه».

ماذا عن ترسيم الحدود؟ يجيب بقرادوني «الشرط السوري الوحيد هو أن يتمّ الترسيم من الشمال إلى الجنوب وليس من مزارع شبعا إلى الشمال. إنه موقف مبدئي للرئيس السوري بأنه لا يقبل ترسيم حدود واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي. والأمر يتعلّق بقبول الحكومة اللبنانية بأن يبدأ الترسيم من الشمال ولا يتمّ في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا».

أما عن انعكاس قرار فتح سفارة بين البلدين على العلاقات بين سوريا ومسيحيي لبنان فيقول بقرادوني «أنا على يقين بأن أحد دوافع إصرار الرئيس السوري على فتح سفارة في لبنان هو طمأنة هواجس المسيحيين».

ثمة خصوصية تاريخية وإستراتيجية بين لبنان وسوريا وخصوصا أن البلدين وبحسب ما يذكّر السوريون دوما كانا ينتميان إلى دولة واحدة تشكّل جزءا من الإمبراطورية العثمانية حملت تسمية «سوريا العظمى»، لكن في عام 1941 أعلنت السلطات الفرنسية انتهاء الانتداب لكلّ من سوريا ولبنان على التوالي معترفة باستقلالهما.

عام 1943 أعلنت الحكومة السورية الأولى وفي العام ذاته أعلن لبنان استقلاله لكن لماذا لم توجد علاقات دبلوماسية بين لبنان وسوريا؟ يجيب الدكتور رغيد الصلح بأنّ «الفكرة السائدة سلّمت بوجود علاقات خاصة بين البلدين مدعّمة باتفاق ضمني بين النّخب الحاكمة في سوريا ولبنان».

وعلى نغمة العلاقات المميزة حلّت في العهود الاستقلالية الأولى الكثير من الأمور العالقة على الهاتف، كما أن الرئيس كميل شمعون أسهم باتصالاته وعلاقاته الوطيدة مع انجلترا بحلحلة أمور عدة عالقة بين سوريا والمملكة المتحدة قبل فتح سفارة سوريا في لندن.

يذكر بأنّ الميثاق الوطني اللبناني تضمّن عام 1943 بندا تتعهّد بموجبه السلطات اللبنانية بألا تستخدم أراضيها مقرا أو ممرا لأعداء سوريا. بعد مضى سنوات على «العلاقات الخاصة» شهدت العلاقات مدّا وجزرا بين هدوء وتوتّر إلى حين اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 بعد اتخاذ المقاومة الفلسطينية لبنان منطلقا لعملياتها ضدّ إسرائيل أثر طردها من الأردن عام 1970.

انقسم البلد بين الجبهة اللبنانية المناهضة لهذه المقاومة والحركة الوطنية المؤيدة لها والتي خاضت حروبا ضد سوريا في المناطق الشرقية كما درجت تسميتها مما دفع بالرئيس اللبناني السابق سليمان فرنجية إلى الطلب من سوريا التدخل لوقف الاقتتال الداخلي.

ودخلت سوريا إلى لبنان بقرار جماعي لمؤتمر القمة العربي (1976) بإرسال قوات ردع عربية إلى لبنان. وبقي السوريون بعد الانسحاب العربي. ثم اجتاحت إسرائيل الأراضي اللبنانية كلها من الناقورة جنوبا إلى العاصمة بيروت شمالا عام 1982.

واندلع خلاف وانقسام بين اللبنانيين حول بقاء السوريين. وشكل بيان مجلس المطارنة الموارنة في سبتمبر عام 2000 الذي دعا إلى خروج السوريين من لبنان محطة بارزة على التحول بين البلدين. ثم انقلبت الأوضاع رأسا على عقب إثر اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري في 14 فبراير 2005، فاضطرت سوريا للانسحاب من لبنان بفعل القرار 1559 الصادر في سبتمبر2004.

مواقف

أعرب رئيس «حركة الشعب» النائب السابق نجاح واكيم، عن «أسف الحركة للقرار الذي اتخذته سلطتا البلدين لبنان وسوريا بتبادل التمثيل الدبلوماسي». وأكد في بيان أمس «نتطلع إلى تعزيز التعاون والتكامل وتمتين أواصر الأخوة بين أبناء الشعب الواحد في البلدين، بمعزل عن حسابات السلطات الرسمية».

وقال «لا شك في أن العلاقات بين لبنان وسوريا بحاجة إلى تصحيح وتطوير، غير ان المدخل الصحيح يبدأ بنقد تجربة الماضي القريب والبعيد، وتبيان الأخطاء والخطايا ومحاسبة المرتكبين الذين تسببوا بكل هذا الأذى والإضرار بمصالح سوريا ولبنان».

واعتبر القفز على هذه المسألة الهامة وعدم إجراء المحاسبة لا يبشر ببدء مسار جديد لتحقيق علاقات سليمة ومميزة بين البلدين، ولكنه يؤشر إلى إعادة إنتاج الأخطاء والخطايا، داعيا إلى «تفعيل المجلس الأعلى اللبناني السوري والبدء الجاد بتنفيذ الاتفاقات الموقعة بين البلدين».

بيروت ـ مارلين نصر (ينشر بترتيب مع الزميلة السفير)