الماء يعني الحياة.. مقولة اعتاد عليها البشر على مر السنين، هذا المورد الهام مهدد بالنضوب وقد يصبح مع الزمن سلعة تتنافس عليها الدول في الأسواق العالمية. ويعزز هذا حقيقة أن المياه العذبة مرشحة مع الأيام للتحول إلى مادة للتجارة إلا أن هذه السلعة ليست كغيرها إذ أن ظروفا مختلفة جعلتها سلعة إستراتيجية. أهم تلك الظروف التباين الشديد بين دول العالم فيما تملكه منها واستمرار تقلص احتياطياتها بسبب تنامي الاستهلاك والتلوث والتغير المناخي.

وفي الوقت الذي تتوافر فيه المياه بكميات هائلة في روسيا وكندا، البلاد الأكثر ثراء بمصادر المياه في العالم، وفي الوقت الذي نرى فيه الأعاصير والأمطار الغزيرة تجتاح مناطق من العالم بين الحين والآخر مسببة الفيضانات التي تغرق مدن وتشرد مئات الآلاف من سكانها نرى مناطق أخرى تتشقق فيها الأرض من شدة الجفاف وتنفق الحيوانات وينزح البشر مبتعد عنها.

تزايد شح المياه

ولا شك أن احتياطي المياه، من أهم الموارد الإستراتيجية في جميع البلدان في العالم وبالنسبة للبلدان الحارة بشكل خاص. ويقع استخدام هذه الموارد بالشكل الصحيح، في مقدمة قضايا عالم اليوم. ويذهب الباحثون السياسيون، إلى أنه إذا كان العالم سيقف على عتبة حرب عالمية ثالثة، فإن ذلك لن يكون من أجل الأراضي والنفط، بل من أجل الماء.

فالمياه تغطي 70 في المئة من سطح الكرة الأرضية، إلا أن 5. 97% منها مياه مالحة. فيما تشكل نسبة المياه العذبة 5. 2% منها فقط، فيما أن حوالي ثلثي هذه الكمية الضئيلة نسبيا، في حالة تجمد في القمم، والكتل الجليدية.

وحسبما تفيد معطيات «اليونسكو» فإن مياه الشرب باتت شحيحة، وأن سكان الدول المتقدمة صناعيا، يستهلكون من المياه بمعدل 10 أضعاف سكان الدول النامية، ما بين 500 إلى 800 لتر للفرد الواحد يوميا في مقابل 60 إلى 150 لترا.

والمناطق التي تعاني من العطش وشح المياه تتحدد بشكل خاص في الشرق الأوسط وشمال الصين، والمكسيك، وبلدان شمال أفريقيا وجنوب شرقي آسيا، وعدد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. ورغم شح مياه الشرب يسكب 90% من قاذورات الصرف الصحي، و70 في المئة من نفايات المياه الصناعية، في البلدان النامية في الأنهار وغيرها من دون أي تطهير.

ويقضي أكثر من مليونين و200 ألف شخص نحبهم سنويا بسبب الأمراض الناجمة عن تدني المياه، وتلوثها. فيما يصارع تلك الأمراض سنويا، أكثر من 250 مليون شخص. ويقيم في المناطق التي تعاني من شح المياه في الحال الحاضر 40 في المئة من سكان المعمورة. وبعد 20 عاما سيعيش ثلثا البشرية في مثل هذه الظروف.

الصدارة من جديد

وأصبح نضوب الموارد المائية من جديد موضوع للمناقشة في وسائل الإعلام الغربية المختلفة. وأعد الخبراء الدوليون كالعادة تقرير يشير إلى أن حالة الأحواض المائية في الأرض يرثى لها، حيث يعاني نحو مليار نسمة من شح الماء كما يعاني منها من وقت لآخر مليار ونصف مليار نسمة. والسبب هو أن البشرية غير قادرة على الاستفادة من الموارد الطبيعية بشكل عقلاني.

إن الإنسان ينسف بنشاطه الاقتصادي آليات طبيعية لتجديد الموارد المائية، فهو يلوث الأحواض المائية إذ يقذف فيها كميات كبيرة من نفايات الإنتاج ويقطع الغابات حولها ويشيد المباني قرب أحواض الماء المحمية. وشن البشر الحرب على الطبيعة دون أن يعوا عواقب تصرفاتهم.

ويبدو أن هذه العواقب ستلمس قريبا، فسيحرم مليارا نسمة تماما نحو العام 2050- حسب بعض التنبؤات - من مياه الشرب فيما سيعاني ثلثا سكان الأرض من نقصه الشديد. وفي البداية ستشمل هذه التغيرات الخطيرة بلدان آسيا الوسطى حيث موارد الماء قليلة جدا ومن ثم ستتوسع منطقة الكارثة تدريجيا وستمس آثارها الجميع، فالبلدان التي لا تعاني من قلة المياه سيتدفق عليها النازحون من المناطق التي تعيش الأزمة المائية.

ولا يستبعد أيضا نشوب الحرب للسيطرة على موارد الماء. وأغلب الظن أنه يستحيل درء الأزمة المائية العالمية إلا أنه يمكن إبعادها بعض الشيء. ولهذا الغرض يجري البحث عن صيغ مختلفة لحل المشكلة. فيمكن مثلا تحلية المياه.

ومن المرجح أن الدول الكثيرة التي ستعاني من نقص المياه ستسلك هذا الطريق. ويرتبط استخدام المياه لحد كبير بتطوير قطاع الطاقة إذ ينبغي حل مسائل تحلية المياه ومما لا شك فيه أن الطاقة النووية ستساعد في تذليل صعوبات كثيرة. فإذا أقمنا مجمع تحلية المياه بالقرب من المحطة الكهروذرية سيكون بالإمكان إنتاج كمية هائلة من مياه الشرب النقية باستخدام بضعة أطنان فقط من اليورانيوم في العام.

العناية بالبيئة

لكن أنجع طريق لتأجيل نشوب الأزمة المائية هو العناية بالبيئة. وفي الحقيقة توجد في الأرض احتياطات كبيرة من المياه ويعود سبب مشكلة نقصه في أحيان كثيرة إلى تلويث البحيرات والأنهار. ويمكن للمياه أن تكون عنصرا للحرب بقدر ما هي عنصر للسلام والذي يحدد ذلك هو الإنسان ذاته وليس معني ذلك بالطبع أن المياه ليست عنصرا للتوتر والصراعات بل علي العكس هناك عشرات الأمثلة علي حوادث العنف التي فجرها شح المياه.

ولكن المشكلة أن الإدارة بكفاءة للحيلولة دون وقوع هذا السيناريو الكابوسي تحتاج إلي تغيرات جذرية في المجتمعات التي تعاني من شح المياه. وهذه التغييرات لا تقتصر فقط علي تغيير السياسات الموجودة ولكنها تقتضي أيضا لامركزية السلطة وبشكل خاص في بلادنا العربية التي تعاني بالفعل من شح وتوترات بسبب المياه مما يجعل مستقبل الأمن الغذائي مظلما.

إن نقص المياه اللازم لتأمين إنتاج الغذاء الكافي للعدد المتزايد من السكان يشكل اكبر تحد أمام الدول العربية. وعندما يتم التركيز علي القيمة الاقتصادية للمياه والتعامل معها علي أنها سلعة قابلة للاتجار فإن الأطراف المتنازعة تدرك على الفور أن فوائد التعاون تفوق التكاليف الناتجة عن التنازع علي الملكية. إن الساحة ممهدة الآن لتعاون دول المنطقة لتطوير وإدارة موارد المياه بعد تغيير النظام السياسي في العراق وبعد بزوغ فجر الانفتاح السياسي في سوريا وإدراك تركيا لأهمية أصولها.

ولا تزال مشكلة التزود بالمياه غير محلولة بالكامل، وفي هذا الصدد فإن استثمار المياه يجري أساسا من الموارد السطحية علما أن أكثر من 40% من مواقع اغتراف المياه، لا تتوفر فيها منشآت التطهير، والتصفية التي تؤمن التعقيم، والتقنية التامة. وليس حال شبكات أنابيب المياه أفضل فهي بالية بنسبة 50%. كل ذلك يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع مستوى الإصابة بأمراض الكبد والأمعاء والأمراض السارية الأخرى.

نزاعات وحروب

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن 145 دولة من دول العالم تحصل على جزء من حاجتها من مياه الشرب من أنهار مشتركة، وكان ذلك سببا في خلافات ونزاعات وربما حروب في الماضي على شاكلة تلك التي يثيرها نهر النيل ونهر الفرات وإذا لم يتحرك العالم لحل أزمة المياه في أسرع وقت فإن 145 دولة من دوله ستجد نفسها مضطرة إلى خوض حروب طاحنة تقضي على اقتصادها وإمكاناتها من أجل حماية المصادر المائية.

ففي الخمسين عام المقبلة، ووفق معدلات النمو السكاني الحالي في العالم، من المتوقع أن يصل عدد سكان الأرض إلى تسعة مليارات نسمة وسوف تزداد الضغوط على مصادر المياه بشدة. ويتوقع خبراء الأمم المتحدة أن يشهد عام 2025 نقصا في المياه بحيث يصنف ثلث سكان العالم ضمن متوسطي وشديدي الحاجة للمياه.

أي سيتوافر للفرد الواحد مقدار يقل عن 50 لترا في اليوم الواحد. ومن المتوقع أن يصاحب ذلك انتشار الأمراض وسوف يرتفع عدد وفيات الأطفال الذين هم دون أعمار الدخول إلى المدارس بمرض الإسهال بسبب تلوث المياه إلى 15 مليون طفل في العام.

مشكلة غير محلولة

لا تزال مشكلة التزود بالمياه غير محلولة بالكامل، وفي هذا الصدد فإن استثمار المياه يجري أساسا من الموارد السطحية علما أن أكثر من 40% من مواقع اغتراف المياه، لا تتوفر فيها منشآت التطهير، والتصفية التي تؤمن التعقيم، والتقنية التامة. وليس حال شبكات أنابيب المياه أفضل فهي بالية بنسبة 50 في المئة. كل ذلك يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع مستوى الإصابة بأمراض الكبد والأمعاء والأمراض السارية الأخرى.

موضوع مناقشة

أصبح نضوب الموارد المائية من جديد موضوعا للمناقشة في وسائل الإعلام الغربية المختلفة. وأعد الخبراء الدوليون كالعادة تقرير يشير إلى أن حالة الأحواض المائية في الأرض يرثى لها، حيث يعاني نحو مليار نسمة اليوم من شح الماء كما يعاني منها من وقت لآخر مليار ونصف مليار نسمة. والسبب هو أن البشرية غير قادرة على الاستفادة من الموارد الطبيعية بشكل عقلاني.