أتيح لي، بفعل مهمات مبكرة أوكلت إليّ في منظمات عالمية منذ مطالع خمسينات القرن الماضي أن أتابع مسيرة غيفارا ابتداء من المرحلة التي ارتبط فيها مصيره، في العام 1956، برفيق عمره فيدل كاسترو لتحرير كوبا من دكتاتورية باتستا. هذه المتابعة المبكرة لمسيرة غيفارا تجعلني اليوم أكثر تحرراً مما ساد في الكتابات حول أسطورة هذا البطل الثوري الرمز، الذي تتعلق بنموذجه أجيال متعددة الانتماءات في العالم المعاصر، في نضالها من أجل مستقبل أفضل لحياتها ولحياة شعوبها.
وإذ أشير إلى ما أعتبره تحرراً نسبياً، وتمايزاً نسبياً أيضاً، عن النمط السائد في الكتابات الكثيرة عن غيفارا، فلأنني سأتحدث عنه كإنسان حقيقي، وليس كأسطورة. لكن الإنسان الحقيقي في شخصية غيفارا لا يلغي الطابع الأسطوري فيها، بالمعنى المجازي المتصل بالأساطير ويبرز الأسطوري في سيرة غيفارا في طابع المغامرة التي اختارها نمطاً لحياته، المغامرة المقرونة عنده بالحلم لتحقيق أهدافه بواسطتها. وهي المغامرة التي برزت في حياته قبل أن يصبح رمزاً من رموز الثورة الكوبية مع كاسترو، وبعد أن غادر كوبا في الخفاء إلى بوليفيا لينضم إلى ثورتها ويصبح شهيداً في ذلك المعنى الأسطوري للشهادة.
إلا أن غيفارا اختار، قبل أن يذهب في رحلته الأخيرة إلى بوليفيا، أن يزور بعض البلدان العربية والإفريقية والأميركية اللاتينية، التي رأى فيها احتمالات ثورة مقلبة من النوع الذي كان يحلم به، وهي زيارات أصابته بالخيبة، فقرر أن يذهب تجاه بوليفيا. لنتذكر، في هذا السياق، بعض فصول سيرته الأولى، قبل أن يصبح ثائراً ممتهناً، ثم بطلاً وشهيداً.
ولد أرنستو غيفارا دي لسرنا في العام 1928 في مدينة روزاريو في الأرجنتين، كان الابن الأول لأب من الطبقة الوسطى. تابع دراسته الابتدائية والثانوية والتحق بالجامعة لدراسة الهندسة. لكنه في عام 1948 غيّر تخصصه والتحق بكلية الطب في جامعة بيونيس أيرس. قام في عام 1950 برحلة في شمالي الأرجنتين على دراجة نارية، اجتاز خلالها 4500 كيلومتر.
وفي عام 1951 انطلق مع صديقه ألبرتو جرانادو في رحلة على دراجة نارية في أميركا اللاتينية، استمرت عاماً كاملاً. وشملت الرحلة، إضافة إلى الأرجنتين، كلاً من الشيلي والبيرو وكولومبيا وفنزويلا، ثم ميامي في الولايات المتحدة الأميركية، ومنها إلى الأرجنتين مجدداً. في عام 1953 تخرج أرنستو طبيباً.
وشرع في رحلة جديدة داخل القارة قادته إلى بوليفيا والبيرو والأكوادور وبنما وكوستاريكا وغواتيمالا. في غواتيمالا التقى بالثائر الكوبي الشاب أنطونيو لوبيز. وفي بوليفيا تعرف إلى الثورة التي كانت اندلعت في وقت سابق.
ويتحدث في كتابه «مذكرات الحروب الثورية» عن لقائه بكاسترو وعن النقاشات التي دارت بينهما، النقاشات التي جعلتهما صديقين ورفيقيّ رحلة ثورية كانا يحلمان بأن يحققا فيها الانتصار في كوبا، ثم في دول أخرى في أميركا اللاتينية. لكن لهذه الرحلات في وجدان هذا الثائر الشاب أحلاماً كانت تتجاوز تلك اللحظات الزمنية المرتبطة بهذه الرحلات، تتجاوزها إلى أفق لم يكن قد تبلور في ذهن غيفارا بعد.
والتوقف عند بعض يومياته في رحلته الطويلة عبر القارة الجنوبية لأميركا، يقدم لنا بعض العناصر المهمة عن شخصية غيفارا الإنسانية في المراحل التي سبقت العاصفة، وهي العاصفة التي حولت سيرته الشخصية والثورية إلى أسطورة، وصارت تؤرخ بها مراحل حياته، لكن الأهم في هذه اليوميات، يومياته في بوليفيا التي كان يكتبها بصورة متواصلة حتى اللحظة التي تم فيها القبض عليه وإعدامه مع رفاقه.
يقول كاسترو في المقدمة التي وضعها في كتاب غيفارا «يوميات بوليفيا»: «كان من عادة تشي، في حياته كمحارب، أن يدون ملاحظاته اليومية في كل عناية واهتمام... وكنا نستطيع أن نرى تشي ـ كما سماه الكوبيون تعبيراً عن مودتهم له منذ اللحظات الأولى ـ وهو يخرج دفتراً ويسجل فيه ملاحظاته في خط الطبيب الذي تصعب قراءته لصغر حروفه».
في غواتيمالا تفجرت أول ملامح الثائر في شخصية غيفارا، كان ذلك في عام 1954، فقد صعقته إطاحة الحكومة الثورية بتدخل مباشر من المخابرات الأميركية. وبدأ يدرك، منذ تلك اللحظة، أن للثورة بداية لا نهاية لها، وأن لها أبطالاً يسقطون على الطريق، وأبطالاً آخرين يولدون ليكملوا المسيرة. ترك غواتيمالا في ذلك العام الحاسم من حياته، وتوجه إلى المكسيك.
وكانت المكسيك، في ذلك التاريخ، ساحة للحركات الثورية من كل الأنواع. تعرف هناك، في البداية، إلى جماعة ثورية كوبية، ثم التقى بفيدل كاسترو، الذي كان قد فرّ إلى المكسيك، بعد فشل الهجوم الذي قام به في عام 1953 ضد حامية المونكادا في مدينة سانتياغو دي كوبا.
في المكسيك تزوج غيفارا من هيلدا غاديا التي أنجبت لهما ابنته هيلدا غاديا. واتفق مع كاسترو، وانضم إلى مشروعه في حرب العصابات لتحرير كوبا من دكتاتورية باتستا. وفي لقائه مع كاسترو بدأت الرحلة التي كان يبحث عنها لتحقيق حلمه الثوري. وكان عام 1956 عام البدء الحقيقي بالثورة التي كان ميدانها ومسرح الأعمال الثورية فيها كوبا، كنموذج أول للثورة، بنظر غيفارا.
ويشكل مركب «غرانما»، الذي قاده إلى الانتصار التاريخي على فلول جيش باتستا في مدينة سانتا كلارا في عام 1959، الرمز الحي لتلك المغامرة الثورية الحافلة بالبطولات. انتصرت الثورة في ذلك العام بالذات (1959). وبدأ غيفارا حياة زوجية جديدة، بزواجه من أليد مارش التي أنجبت لهما أربعة أبناء، كما بدأ حياة ثورية من نوع مختلف، من موقع السلطة في كوبا المحررة.
تسلم في دولة الثورة مناصب وزارية عدة، من موقعه كشريك أساسي لفيدل كاسترو في إنجاز المهمة التاريخية الأولى للثورة، المتمثلة بإسقاط الدكتاتور وإقامة دولة الفقراء والمظلومين، التي يفترض بها، في منظور غيفارا، أن تقدم لهؤلاء الحرية في حياتهم، بديلاً من العبودية، والتقدم لبلدهم، التقدم الذي يهيئ لهم الشروط الضرورية للعيش الكريم.
إلا أن تاريخ غيفارا، بعد انتصار الثورة في كوبا، يشير إلى أنه رأى في الدولة ما يشبه النقيض للثورة. وتلك هي قراءتي لسيرة غيفارا، التي حولته مغامراته الثورية وأحلامه، وخيباته، ثم استشهاده، إلى بطل أسطوري في العصر الحديث.
حاول غيفارا، من موقعه في السلطة في كوبا، أن يعرف بدقة مدى العلاقة بين الثورة وأهدافها، وبين الدولة التي قامت بعد انتصار الثورة. والمقصود بالعلاقة هنا هو مدى التطابق بين أهداف كل منهما. كما أراد أن يعرف مدى الإشعاع الذي ولدته الثورة الكوبية بانتصارها، وبثته في أرجاء العالم الثالث، فسافر إلى بوليفيا فيما بدا كمحاولة منه لاستطلاع شروط الدخول إليها، في عمله الثوري الجديد، الذي كان ينتظره، بعد أن أنجز مهمته، مع صديقه كاسترو، في تحرير كوبا بالثورة.
أسئلة كثيرة أثارها التحول الذي حصل في حياة غيفارا، بعد الأعوام الأولى التي قضاها في مواقع مسؤولة في السلطة إلى جانب رفيقه فيدل كاسترو. وفي الواقع فإن غيفارا كان قد بدأ يتحول، خلال الثورة وبعد انتصارها خصوصاً، إلى ثوري راديكالي.
وقادته راديكاليته، كماركسي، إلى الاختلاف أيديولوجياً وسياسياً مع الاتحاد السوفييتي، إذ كان يطالب بلد الاشتراكية الأول بأن يقدم إلى الدول الفقيرة كل ما تحتاج إليه من أجل نهوضها. ولم يكن يعنيه، في هذا الموقف، ماذا كانت ستشكل تلك العطاءات من دون حساب من عبء على الشعب السوفييتي بالذات، الشعب الذي كان قدم في الحرب العالمية الثانية تضحيات جسيمة لتحرير بلاده وتحرير العالم من النازية ومن الأخطار المرتبطة بها.
لكن غيفارا كان يريد، إضافة إلى تلك التقديمات السخية من الاتحاد السوفييتي إلى البلدان الفقيرة، كان يريد أن يتخلى الاتحاد السوفييتي عما اعتبره هو مساومات غير مقبولة مع الإمبريالية الأميركية، باسم التعايش السلمي. إلا أن الأهم من ذلك هو أن غيفارا كان بدأ يرى في ممارسة الدولة الكوبية لدورها ما اعتبره يتناقض مع مفهومه للثورة ولاستمرارها، حتى وهي تتخذ صفة الدولة ووظيفتها.
التناقض بين الدولة والثورة كان هاجسه الأخير حين قرر أن يذهب خفية في عام 1966 إلى بوليفيا للانضمام إلى الحركة الثورية فيها، استكمالاً لما اعتبره، وفق مفهومه للثورة، نهجاً ثورياً في ممارسة وظيفة الدولة، من جهة، ولجعل الثورة، من جهة ثانية، ثورة دائمة، تشمل العالم كله، لا سيما في القسم الجنوبي منه.
ملحمة غيفارا لا تختصر برواية فصولها، وحسب، على أهمية هذه الفصول كوقائع وكأحداث. لا بد من قراءة الأثر الذي خلفه غيفارا وراءه بعد إنجازاته الثورية، وبعد استشهاده. إذ هو لم يتحول إلى رمز للثورة وللثوار، وحسب، ولا هو صار، بالنسبة إلى الكثيرين في شتى بقاع الأرض، مسيحاً جديداً، وصار، بالنسبة إلى كثيرين آخرين، أيقونة تقتنى في بيوت الحالمين بالثورة، أو المتملقين لها ولأبطالها في بلدانهم.
الأهم من كل ذلك هو أن غيفارا تحول إلى صاحب فكر نظري للثورة. وصار هذا الفكر يحمل صفة وسمة «الغيفارية». وقد تحولت «الغيفارية»، مثل الماوية، إلى فكر ثوري نقيض للنموذج الثوري السوفييتي. وصار حملة هذا الفكر الجديد، الآتي من القارة الأميركية الجنوبية ومن القارة الصينية إلى بلدان العالم الثالث.
ومنها بلداننا، فكر اليسار الجديد، الذي ولد معادياً للأحزاب الشيوعية، وللنموذج السوفييتي للاشتراكية الذي ارتبطت به تلك الأحزاب. لكن «الغيفارية»، كفكر وكنظرية للثورة، لم تعش طويلاً. وحلت محلها صورة غيفارا «المسيح» الجديد.
وأذكر أنني، في عام 1970، العام الذي صادف مروره مائة عام على ولادة لينين، ألقيت، بالمناسبة، محاضرة في المركز الثقافي السوفييتي في بيروت بحضور عدد كبير من القيادات السياسية ومن المثقفين، وبحضور السفير السوفييتي سرفار عظيموف.
وقد حرصت أن أقدم في المحاضرة صورة لغيفارا مختلفة عما كان قد ساد في حزبنا، قبل ثورة التجديد التي ارتبطت باسم مؤتمره الثاني (1968). وكان جوهر ما قصدت إليه من التذكير بغيفارا هو إنصاف الرجل من قبل مسؤول شيوعي عربي.
وكان بعض الإنصاف، في محاضرتي تلك، يتمثل بالتأكيد بأن البطل الثوري غيفارا لم يكن مغامراً بالمعنى المتعارف عليه بالمغامرة، أي الترف الفكري، بل هو كان صاحب هم ثوري، هم يرمي إلى تحرير العالم وتحرير شعوبه من جلاديهم، وسالبي حقوقهم، الذين يتمثلون بالإمبرياليين القدامى والجدد، عتاة الرأسمال المهيمن على العالم.
وإذ أذكر بما قلت عن غيفارا قبل ثمانية وثلاثين عاماً، فإنني أريد أن أضيف إلى قولي القديم ذاك، بعد انهيار التجربة الاشتراكية وتراجع الحركات الثورية كلها، بأن غيفارا البطل والأسطورة كان إنساناً حقيقياً.
وحين نعود إلى قراءة يومياته على متن دراجة نارية، وفي يومياته في بوليفيا، سنكتشف السمة الحقيقية للإنسان الحقيقي في غيفارا.
إذ هو بصفته الإنسانية هذه، العامرة بها يومياته الأولى والأخيرة، قرر تحويل حلمه بالتغيير إلى نهج عملي، إلى طريق وطريقة يكمل بهما حركة البشر، في التاريخ القديم والحديث، الحركة المتواصلة مرحلة إثر مرحلة، وحقبة إثر حقبة، في التحرر من كل أنواع العبودية ومن كل أشكال الظلم والقهر والاستغلال التي سادت وما تزال تسود حتى أيامنا هذه.

