يؤكد المؤلف هنا أن القرن الحادي والعشرين لن يكون أميركيا، على عكس ما كانت توحي به السنوات الأولى التي أعقبت حرب الخليج الأولى، وانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وهذا ما يؤكده العديدون أيضا. لكن هذا لا يعني أبدا أن الولايات المتحدة لن تكون إحدى أكبر القوى العالمية في العقود المقبلة، كما يؤكد مؤلف «القرن الحادي والعشرون الجديد».

فالولايات المتحدة لم تعد القوة الوحيدة التي تأمر فتُطاع، ولكن أصبح هناك من يقدمون على معارضتها، وتقديم رؤية أخرى للعالم وللمستقبل غير رؤيتها. وهذا ما عبّر عنه الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين في الخطاب الذي ألقاه بمؤتمر دولي بميونيخ حول الأمن في شهر فبراير 2007 لقد أكد بوتين أن العالم أحادي القطب مرفوض ومستحيل. وكذلك لا يمكن لأية قوة دولية أن تمارس هيمنتها على العالم وتخضع القانون الدولي لإرادتها ولمشاريعها، ذلك أن الدول تتمسك دائما بسيادتها الوطنية ولا يمكنها القبول بهدر هذه السيادة. كما تتمسك إلى حد كبير بالحق الدولي، مع الحذر حيال ما يسمى بـ «حق التدخل الإنساني» الذي يتحول أحيانا إلى «استعمار إنساني»، هذا إذا لم يكن إلى «حرب إنسانية» حقيقية، تحت مسميات عديدة.

في الوقت الذي تستمر التهديدات بإمكانية القيام بعمل عسكري ضد إيران وتتشوش العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة مع ما يمكن أن يترتب على هذا بالنسبة للقارة الأوروبية، يبدو أن «القرن الأميركي» يبتعد. ويبرز السؤال حول الطرق التي سوف تتحرك على أساسها الدول، ولكن ليس الدول وحدها وإنما بعض الحركات السياسية المتطرفة المنظّمة التي تأخذ بعدا دوليا ويؤكد مؤلف هذا الكتاب على القول ان فرضية أفول القرن الأميركي لا تعني أبدا أن الولايات المتحدة لن تكون دائما قوة كبرى. ذلك أنها تمتلك باستمرار أوراقا رابحة على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والعسكرية. لكنها مع ذلك لم تعد قادرة على الهيمنة على العالم نظرا للضعف النسبي في قدراتها العسكرية ولتضاؤل إمكانيتها في إقامة تحالفات عريضة ولتراجع مكانتها الفكرية والثقافية.

ويعبّر المؤلف عن الفرق بين ما كان عليه الوضع عام 1991 وما أصبح عليه في عام 2007 بالقول انه في عشية تفكك الاتحاد السوفييتي، لم يكن هناك أي بلد في العالم يستطيع، أو يتمنّى، الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ذلك أنها كانت قادرة على عزل كل من يريد الاحتجاج على هيمنتها. أما في عام 2007، إذا لم يكن هناك دائما أي بلد قادر على أن يواجه وحده الولايات المتحدة، فإن هذه لم تعد تمتلك اليوم قدرة عزل معارضيها. بل إن هؤلاء المعارضين أخذوا ينظّمون معارضتهم.

انطلاقا من هذا الوضع الجديد، أصبحت فكرة إقامة تحالف يرمي إلى معارضة السياسة الأميركية، متى وحيث تكون خطيرة، قابلة للتفكير بها، وهذا ما شدد عليه يفجيني بريماكوف مرار وتكرارا. بهذا المعنى وجدت مختلف البلدان بديلا ممكنا للقبول بالأطر المؤسسية التي يقترحها الأميركيون أو يوحون بها، وفي الوقت نفسه عاد إلى الساحة بقوّة النقاش حول أهمية السيادة الوطنية بالنسبة لمختلف البلدان.

في هذا السياق يتوقف مؤلف الكتاب طويلا عند الخطاب الذي ألقاه الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين في شهر فبراير 2007 بميونيخ. بل ويعتبر أن هذا الخطاب مثّل انقلابا في الرؤية للعلاقات الدولية. وبهذا المعنى يشكل مساهمة أساسية في النقاش الخاص بما يمكن أن يكون عليه وضع العالم خلال السنوات اللاحقة.

لقد ألقى الرئيس بوتين خطابه بمناسبة انعقاد مؤتمر دولي حول مسألة الأمن. ووصف البعض ذلك الخطاب أنه يشكّل عودة لدى القادة الروس ل«عقلية الحرب الباردة». لكن مؤلف هذا الكتاب يؤكد أن مضمون الخطاب المعني هو شيء آخر تماما غير الإعلان عن مجابهة روسية-أميركية.

لقد شكّل بالأحرى، برنامجا، يمكن أن يتبنّاه العديد من المشاركين في ذلك المؤتمر حول الأمن، فضلا عن أنه يحدد المفهوم الروسي الجديد للعلاقات الدولية. تتم الإشارة هنا إلى وجود نقطتين أساسيتين في خطاب بوتين. النقطة الأولى تتمثل في التدليل على فشل العالم ذي القطب الواحد، أي الذي يقوده القطب الأميركي. والنقطة الثانية هي إدانة محاولة إخضاع القانون الدولي للقانون الانجليزي-الأميركي.

وينقل المؤلف عن بوتين قوله في هذا الصدد: «أرى أن النموذج - الموديل - أحادي القطب ليس مرفوضا بالنسبة للعالم المعاصر فحسب، ولكنه مستحيل تماما. وهذا لا يعود إلى أنه في إطار وجود زعيم واحد سوف يحتاج العالم المعاصر إلى موارد عسكرية-سياسية واقتصادية غير متوفرة فقط. لكن الأكثر أهمية هو أن هذا النموذج يفتقد للفعالية، إذ لا يمكنه بأي حال الاعتماد على قاعدة أخلاقية للحضارة المعاصرة».

دلالة هذا المقطع يجدها المؤلف في قول القادة الروس إن الولايات المتحدة الأميركية لا تمتلك الإمكانيات التي تسمح لها بالهيمنة وحدها على العالم. هذا إلى جانب التأكيد ضمنا أن روسيا لا تريد، ولا تستطيع، أن تلعب مثل هذا الدور. وليس هناك أية دولة أخرى تستطيع ذلك. بالتالي يبدو لهم أن «المشروع الأميركي للهيمنة يتجاوز الإمكانيات الأميركية».

بدت العولمة كسبيل إلى نهاية الدول وزوال مفهوم السيادة في العالم «المعولم» وجرى غالبا ذكر أطروحة «العولمة» الاقتصادية من أجل تبرير تقليص سلطة الدول والتخلّي التدريجي عن السيادة. لكن مؤلف الكتاب يرى في مثل هذا المنطق «خلطا» كبيرا.

إن الدول لا تزعم أنها تسيطر على كل شيء في بلدانها. والمعاهدات والاتفاقيات الدولية يتم تصميمها كي تكون ملزمة للدول المعنية بها. بهذا المعنى يبدو القانون الدولي بمثابة «قانون للتنسيق» من هنا لا تتعارض فكرة «سيادة المظهر القانوني للاتفاقيات الدولية» مع «سيادة الدول» على الصعيد الوطني.

وبالاعتماد على ما جاء في خطاب بوتين لشهر فبراير 2007، يرى المؤلف أن روسيا تشهد اليوم «نمط تفكير منسجم ومتفرّد إلى حد كبير» بحيث إنه يجمع بين البعد الديمقراطي والسيادة السياسية والسيادة الاقتصادية. هكذا بدت التصريحات التي أطلقها مسؤولون روس مؤخرا حول مبدأ فرض رقابة الدولة على الثروات الطبيعية تعبيرا منسجما مع مبدأ «الديمقراطية السيادية».

هنا يفتح المؤلف قوسين كي يشير إلى أنه من المؤسف تقليص هامش عمل بعض المنظمات غير الحكومية العاملة في الميدان الإنساني، حيث جرى التقليص تحديدا باسم الديمقراطية السيادية. هذا إلى جانب الإشارة إلى أن بعض المنظمات غير الحكومية جرى استخدامها بطريقة واضحة كأدوات للتدخل السياسي في إطار ظروف لا يمكن لأية دولة أن تقبلها. ولا يمكن مثلا القيام بعملية تمويل مباشر، أو غير مباشر، لأحزاب أو حركات سياسية من قبل قوة أجنبية بحجة أنها تمويلات «ثقافية».

ويتم التأكيد في هذا السياق على الأهمية القصوى لمفهوم السيادة في الفكر السياسي الروسي المعاصر. وهذا يسمح بإلقاء بعض الضوء على الملابسات التي أحاطت في أوروبا، بعملية إدانة العمل الأميركي العسكري ضد العراق. ذلك أنه لو كان هناك تهديد مباشر وفوري من قبل العراق للولايات المتحدة، فإن الروس كانوا سيرون عندها أنه من حقها المشروع القيام بعمل من جانب واحد.

إن ما أفقد العمل الأميركي شرعيته ليس أنه صدر عن طرف واحد، كما يزعم البعض أحيانا، ولكن بالأحرى الأكاذيب التي تأسس عليها وخاصة فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، وهي أكاذيب يمكن تبريرها بمصالح خاصة في الميدان البترولي وبأفق العلاقة مع الصين.

وتتأتى اللاشرعية أيضا من أن العمل العسكري الأميركي لم يؤد إلى تعزيز الاستقرار بل سأهم، على العكس، في تعاظم الفوضى وجعل المنطقة كلها أكثر خطورة. وبدلا من أن يؤدي إلى إضعاف عدو مشترك، أدى إلى تقويته وفتح مجالات جديدة لحركته عبر الحرب الأهلية التي تعبث بالعراق.

تتمثل إحدى السمات التي يتم التأكيد عليها في هذا «القرن الحادي والعشرين الجديد» في التدهور السريع لدور المؤسسات الدولية التي كان مطلوبا منها، كما بدا، القيام بعملية «تنظيم العالم» في إطار «القرن الأميركي».

إذا كانت روسيا قد جعلت خلال فترة 1999-2000، من بين أولوياتها المطلقة، الانتساب إلى المنظمة العالمية للتجارة فإنها ربطته بعدئذ بالهدف الاستراتيجي المتعلق بإعادة بناء صناعة قوية وقادرة على المنافسة في قطاع التكنولوجيات المتقدمة.

وهذا ما عبّر عنه نائب رئيس الوزراء الروسي في مارس 2007 بالقول: «الأمر الأساسي هو نوعية شروط الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة، وليس تحديد تواريخ وآجال. إننا سوف نفاوض طيلة الزمن المطلوب». كذلك يعاني صندوق النقد الدولي من أزمة، وهو الذي كان قد لعب دورا كبيرا في الاستراتيجية الأميركية لسنوات التسعينات.

لكن بدا منذ عام 2000 أن هذه المؤسسة قد فقدت مبررات وجودها، وعليها كي تستعيد دورها التخلي عن وظيفة «الوصي» على البلدان المدينة بمبالغ كبيرة ولعب دور «المنظّم» للمنظومة النقدية والمالية العالمية.

ويتم التأكيد في هذا السياق أن الانخفاض الكبير في سعر الدولار الأميركي يمثل سلاحا لتدمير القدرات الصناعية لدى البلدان الأوروبية في ميدان التكنولوجيات المتقدمة. وقد بدأت شركات الصناعة الفضائية وقطاع الصناعات المتقدمة عامة في فرنسا وإيطاليا تعرف بعض التراجع في قدرتها على المنافسة بسبب السعر المنخفض جدا للدولار الأميركي.

وفي مثل هذا النهج من التحليل يصل مؤلف الكتاب إلى القول ان صندوق النقد الدولي. ومن حيث إنه «ضحية لماضيه» وغير قادر على التأقلم مع السياق الدولي الجديد. قد لا يستمر في الوجود سوى «شكليا»، مع خسارته سريعا لنفوذه ولوظائفه الأساسية. هذا يصب في المحصلة في إطار تعزيز السيادات «الوطنية» وإقامة تحالفات على أساسها.

من بين المقولات التي جرى رفعها في إطار العولمة هناك تلك الخاصة ب«حق التدخل» و«الحق الإنساني»، باعتبارها تنتمي بالخط العريض إلى حقوق الإنسان. لكن مثل هذه المقولات قد تعني مباشرة الحد من مفهوم «السيادة». الخطر الأول الذي تتم الإشارة إليه فيما يتعلق ب«حق التدخل الإنساني» هو أن يتحوّل إلى نوع من «الاستعمار الإنساني».

ومثل هذا الخطر بدت ملامح تحققه، في الواقع، بالصومال عام 1992 وبكوسوفو عام 1999 وبطريقة ما في العراق منذ عام 2003. ويرى المؤلف في هذه الأمثلة الدليل على وجود خطر حقيقي يكمن وراء إرادة تحويل «مبدأ أخلاقي» أو «رد فعل متعاطف» حيال قضية ما، أو شعب ما، إلى «معيار قانوني».

ثم إن أي «معيار قانوني» ينبغي تطبيقه، بالتعريف، على جميع الأطراف الداخلة في إطاره. وهذا يعني بالضرورة المساس بمفهوم السيادة للبلد الذي يتعرّض له وحيث يكون من المطلوب أولا إخضاعه أو إنهاء قدرته على المقاومة. بهذا المعنى يكون «التدخل الإنساني» دائما من قبل «قوي» ضد «ضعيف». هذا في الوقت الذي يُفترض فيه تطبيق القانون مبدئيا على الجميع، «القوي» و«الضعيف».

ويرى المؤلف في محصلة تحليله حول مفهوم «حق التدخل الإنساني» الذي قد يتحول إلى «استعمار إنساني» أنه نتاج مباشر للإيديولوجية الأميركية المتعلقة بالأمن الدولي. لكنه بكل الحالات عاجز، كما دلّت تجارب العراق وغيرها، عن إنتاج «مؤسسات». هذا فضلا عن أن «حق التدخل الإنساني» قد يؤدي إلى «حرب إنسانية» حقيقية.

المؤلف في سطور

* يحمل جاك سابير، مؤلف هذا الكتاب، شهادة الدكتوراه في الاقتصاد. عمل أستاذا لهذه المادة في جامعة باريس الثامنة عدة سنوات. أصبح بعد ذلك مديرا للدراسات في المدرسة العليا للدراسات الاجتماعية وأستاذا للاقتصاد في «الكوليج دو فرانس»، أعلى مؤسسة علمية في فرنسا. يعمل جاك سابير كمستشار لدى وزارة الدفاع الفرنسية.

* قدّم حوالي 15 مؤلّفا من بينها: «التأرجحات الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي 1941ـ 1985» و«الاقتصاديون ضد الديمقراطية» و«نهاية النزعة اللبرالية الأوروبية». وعرف بشكل خاص بتعمقه في دراسة الاقتصاديين السوفييتي و الروسي.

الصفحات: 255 (وسط)

الكتاب: القرن الحادي والعشرون الجديد

تأليف: جاك سابير ـ عرض ومناقشة: د.محمد مخلوف

الناشر: سويل ـ باريس ـ 2008