يذكرنا المؤلف هنا بأن هيمنة أميركا على العالم تعني ضرورة عدم وجود منافس لهاوأن مثل هذه الحالة لم تتحقق مع عودة روسيا بقوة إلى مسرح العلاقات الدولية اعتبارا من عام 1998، وتحديداً منذ تولي يفجيني بريماكوف رئاسة الحكومة ثم وصول فلاديمير بوتين إلى رئاسة روسيا عام 2000. ويقول إنهما عملا على إعادة هيبة الدولة وسلطتها بمواجهة الطبقة التي نمت وترعرعت في ظل السلطة أثناء فترة التحول من الاشتراكية إلى الاقتصاد الليبرالي. وقد حرصا خاصة على فرض رقابة مشددة على القطاع الخاص بالطاقة الذي يقدّم الموارد الأساسية للدولة.

وكانت حقبة رئاسة فلاديمير بوتين قد شهدت تطور العلاقات الروسية-الأميركية من موقع «اليد الممدودة» بشكل محسوب في البداية من قبل بوتين إلى تبنّي موقف بناء السيادة الوطنية والعودة القوية إلى المسرح الدولي. أما الصين فقد شكّلت أيضا «المنافس المحتمل»، هذا مع تأكيد قادتها في المرحلة الراهنة على بناء الاقتصاد القوي وضمان التزود بمصادر الطاقة الضرورية للتنمية. كما أن مسألة إعادة «تايوان» إلى الوطن الأم تبقى إحدى الأولويات الصينية كان ينبغي على الولايات المتحدة الأميركية، في منظور فرض هيمنتها، أن «تسحق» أو «تثبط عزيمة» أي منافس محتمل. وبدا أن نهاية فترة الحرب الباردة قد قدّمت لها الفرصة السانحة من أجل ذلك.

إن تفجّرالاتحاد السوفييتي، بعد انهيار جدار برلين، أنهى المنافس الأكثر مصداقية ووضوحا مما كان قد يسمح للولايات المتحدة بفرض هيمنتها قبل الصعود القوي للصين الذي كان في بداياته. لقد كان من المقبول لدى الجميع أن سنوات التسعينات شكّلت «فرصة استثنائية» أمام السياسة الأميركية لكن اعتبارا من أواخر عام 1998 بدأت روسيا بإعادة بناء نفسها اقتصاديا واجتماعيا بالتوازي مع إعادة تأكيد سيادتها، خاصة في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية، وذلك بعد سنوات «التراخي» التي عرفها عهد بوريس يلتسين.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى الدور المركزي الذي لعبه رئيس الوزراء الروسي يفجيني بريماكوف، الذي جرى تعيينه بعد «السقوط» الكبير الذي شهدته الأسواق المالية الروسية يوم 17 أغسطس 1998. ويرى المؤلف أن بريماكوف «رغم أنه لم يبق في منصبه سوى بضعة أشهر، فإنه مارس تأثيرا حاسما على صعيد إعادة بناء روسيا» بدأت عملية «إعادة الإعمار» على الصعيد السياسي أولا. لقد حرص بريماكوف على تعزيز دور الدولة في مواجهة طبقة «المتسلّقين الجدد الذين وظّفوا فترة التحول من الاشتراكية إلى الليبرالية لحسابهم وبالاعتماد على السلطة. لكنه حرص أيضا على تعزيز دور الدولة في مواجهة صندوق النقد الدولي. مثل تلك الإجراءات ساعدت على النهوض الاقتصادي، وعلى أساسه، النهوض الاجتماعي.

ظهرت الآثار الإيجابية الأولى اعتبارا من خريف عام 1998. لقد أعادت روسيا الصلة مع النمو الاقتصادي. وفي الوقت الذي كان فيه اختصاصيو صندوق النقد الدولي قد توقّعوا في شهر مارس 1999 أن روسيا ستعرف لتلك السنة انحسارا اقتصاديا سلبيا بنسبة 7 بالمئة فإنها حققت نموا اقتصاديا إيجابيا بنسبة 4. 0 بالمئة. كان ذلك الفارق ب12 نقطة بين التوقعات والنتائج المحققة فارقا لا سابق له.

الدلالة الواضحة لذلك هي أن التوقعات التي تصدرها مؤسسات شبيهة بصندوق النقد الدولي فيها الكثير من «التلاعب السياسي». ولا شك أن الارتفاع الكبير في الأسعار بالنسبة للبترول الذي تمتلك منه روسيا كميات هائلة، وأيضا لمختلف المواد الأولية، اعتبارا من عام 2002، ساعد كثيرا في استكمال مسيرة التنمية. ولا شك أيضا، كما يؤكد المؤلف، أن سياسة فلاديمير بوتين كان لها أيضا تأثيرها في ذلك.

وإذا كانت مداخيل العائدات البترولية قد زادت كثيرا منذ خريف 2002 الإمكانيات المالية للدولة فإن الرئيس الروسي بوتين الذي جرى انتخابه عام2000 حرص على تعزيز رقابة الدولة على قطاع الطاقة ذي المردودية العالية. ويشير المؤلف هنا أنه من المشكوك به جدا عدم ذهاب المداخيل البترولية إلى بعض الحسابات السرية لولا وجود رئيس مثل بوتين.

وبعد شروح مستفيضة حول الآليات الاقتصادية التي كانت وراء نهوض الاقتصاد الروسي خلال سنوات قليلة، يؤكد مؤلف هذا الكتاب أنه «مهما كانت المحصلة لسنوات 1999-2005 إيجابية ، فإن كل سياسة اقتصادية كان محكوما عليها بعدم ظهور آثارها لو استمرّت المصالح الخاصة للطبقة المحيطة بالسلطة التي قامت بعد عمليات الخصخصة التي شهدتها سنوات 1995-1997 بالسطو على الدولة». هنا تتم الإشارة إلى أن هرب «بوريس بيرزوفسكي» و«ميخائيل خدوروفسكي» كان بمثابة دليل واضح على أن «الزمن قد تغير».

ورغم المظاهر الإيجابية العديدة التي يؤكد عليها المؤلف في المسيرة الروسية التنموية منذ عام 1998، فإنه يشير أيضا إلى وجود العديد من مواطن الضعف. ويحدد أولا «ضعف الإطار المؤسسي» مما يؤدي إلى استمرار درجة مهمة من الفساد واختلاس جزء من الأموال المقررة للتنمية الاقتصادية.

إنها مشكلة حقيقية تمكن مواجهتها في أغلبية البلدان التي تمر في حالة انتقالية. هذا مع الإشارة إلى أن درجة الفساد في روسيا لم تعد تثقل فعليا على الإستراتيجية الوطنية، الأمر الذي يشكل فرقا مهما بالمقارنة مع فترة بوريس يلتسين.

تميّزت سياسة فلاديمير بوتين حيال الولايات المتحدة خلال فترته الرئاسية الأولى (2000-2004) باتخاذ بعض المخاطر المحسوبة. إن خيار الرئيس الروسي لم يكن بسيطا حيث أن بلاده كانت تعاني من العزلة بعد معارضتها للتدخل العسكري الذي قامت به قوات الحلف الأطلسي في كوسوفو.

كانت الولايات المتحدة قد أبطلت اعتبارا من عام 2001 عددا من الاتفاقيات التي ضمنت الاستقرار طيلة فترة الحرب الباردة، وخاصة الاتفاقية المتعلقة بالصواريخ بعيدة المدى ذات الأهمية الكبيرة بالنسبة لروسيا.

ومن جهة أخرى كانت أميركا تتبنى سياسة محابية على الأقل حيال نظام طالبان في أفغانستان رغم المعلومات المتوفرة آنذاك عن وجود حركات متطرفة لديه وأنه كان مصدرا لهزّ استقرار منطقة آسيا الوسطى. يرى المؤلف أن تلك السياسة الأميركية كانت تصب، إجمالا، في إرادة الولايات المتحدة تعزيز مواقعها أكثر في المناطق البترولية بآسيا الوسطى.

فهم فلاديمير بوتين مباشرة بعد تفجيرات 11 سبتمبر- 2001 في نيويورك وواشنطن أن الولايات المتحدة قد تعيد النظر في سياستها. وكان دعمه المباشر أيضا لرد الفعل الأميركي يرمي إلى إقناع الولايات المتحدة بالانخراط في عملية دولية لمكافحة الإرهاب وجذوره ومما يسمح لروسيا بالخروج من عزلتها.

وكان بوتين أيضا، بتشجيعه وجود قوات عسكرية أميركية في آسيا الوسطى، معارضا بذلك رأي قادته العسكريين، إنما كان يريد توفير الشروط المطلوبة لضمان استقرار تلك المنطقة في العالم، ومما كان يتفق مع مصالح قوى كثيرة بما في ذلك الصين وأوروبا.

لكن الإجابة الأميركية لتلك «اليد الروسية الممدودة» كانت مخيبة للآمال، كما يرى مؤلف هذا الكتاب قبل أن يشير إلى أن الرئيس الأميركي، وبدلا من فهم أهمية القيام بعمل متعدد الأطراف يندرج في إطار الشرعية التي تتمتع بها قرارات الأمم المتحدة، انخرط في طريق مثير للقلق من وجهة النظر الروسية، أي طريق المغامرة العسكرية.

في الوقت نفسه تعددت المواقف الأميركية المعادية لروسيا بوضوح في اوكرانيا أو القوقاز أو غيرهما. هذا ما يتم تلخيصه بالقول أن «الولايات المتحدة قد أجابت على اليد الممدودة لفلاديمير بوتين بممارسات تشبه، منذ عام 2003، تلك التي كانت سائدة خلال فترة الحرب الباردة». لقد عزز ذلك، بالطبع، المخاوف الروسية.

يتم التأكيد هنا على أن تولي يفجيني بريماكوف رئاسة الحكومة الروسية عام 1998 ثم وصول فلاديمير بوتين إلى الرئاسة عام 2000، فتحا النقاش في الولايات المتحدة حيال مسألة «خسارة روسيا». وهناك من يقول إن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تخسر روسيا، ذلك أنها لم تمتلكها أصلا في أي يوم من الأيام.

لكن ينبغي أن لا ننسى، كما يقول المؤلف، أن السياسة الروسية قد لعبت دورا مهما في المشروع الأميركي للهيمنة خلال سنوات التسعينات. كان المطلوب هو إضعاف روسيا ودمجها في المشروع الأميركي. لكن الفشل كان كبيرا على الصعيدين.

السؤال المطروح اليوم هو معرفة عما إذا كانت الصين قد أصبحت «قوة منافسة شاملة» وعما إذا كانت ترى نفسها منافسا للولايات المتحدة في السباق على الهيمنة العالمية؟ ما يؤكده المؤلف هو أن موقف الصين أكثر تمحورا حول الذات مما هو سائد في الاعتقاد العام أو مما يمكن للإستراتيجية الاقتصادية المتبنّاة عام 1999 استشفافه.

القادة الصينيون يسعون اليوم إلى تحقيق هدفين أساسيين على الصعيدين الاقتصادي والجيوستراتيجي. ويتم تحديد هذين الهدفين أولا بتجنّب النزاعات المباشرة طالما أنهم يرون اقتصادهم ليس متطورا بالدرجة التي يريدونها ولا يمكنه أن يساهم بالقدر المطلوب من الجهد الدفاعي. والهدف الثاني هو ضمان وصول موارد الطاقة إلى الصين، ذلك أن اقتصادها بحاجة لذلك. وهم يرون في هذا السياق أن السياسة الأميركية حيالهم ترمي في واقع الأمر إلى «إعاقة» إمكانيات وصولهم إلى مصادر الطاقة.

هذان الهدفان يخلقان بعض التوتر في السياسة الصينية العامة. ويزداد التوتر في هذه السياسة بفعل اعتبار القادة الصينيين أن إعادة بناء الأمة الصينية لم تكتمل بعد، بل وأنها لن تكتمل طالما أن تايوان لم تعد إلى الوطن الأم.

وكانت السياسة الأميركية في ميدان الطاقة قد أصبحت مثيرة للقلق من وجهة النظر الصينية انطلاقا من اللحظة التي حاولت فيها الشركات البترولية الأميركية تعزيز مواقعها في آسيا الوسطى، وليس في قطاع الإنتاج فحسب، وإنما أيضا فيما يتعلق بالسيطرة على طرق البترول والغاز. هكذا كانت السياسة الأميركية حيال طالبان في أفغانستان قبل 2001 مرهونة بمفاوضات الشركات الأميركية حول خطوط أنابيب للغاز تتجنب الصين وروسيا.

كذلك رأت السلطات الصينية في الغزو الأميركي للعراق عام 2003 مؤشرا على إرادة السيطرة على الاحتياطيات البترولية الهائلة التي تمتلك عليها هذه البلاد. والأمر الذي يشكل في نهاية المطاف نوعا من المساومة الضمنية ضد الصين.

وتتم الإشارة هنا إلى التزامن بين مناورات الشركات البترولية الأميركية حول حوض محيط بحر قزوين أو في آسيا الوسطى وبين تدمير السفارة الصينية في بلغراد أثناء عمليات القصف الجوي لبلغراد من قبل قوات الحلف الأطلسي عام 1999.

إن القادة الصينيين يولون في مثل هذا السياق أهمية كبيرة لضمان تزودهم بمواد الطاقة. ويرى المؤلف أن الدعم الذي قدمته بكين لبعض الأنظمة مثل النظام العسكري في بورما، ليس بعيدا عن مسألة التزود بالطاقة.

كذلك يرى القادة الصينيون أن الحكومات الغربية التي تعترض على غياب حقوق الإنسان في الصين كانت قد دعمت أنظمة أكثر دكتاتورية، وهذا يشكل البرهان على أنها تريد ممارسة «المساومة» ضد الصين في مجال الطاقة. وضمن مثل هذه الاجواء يغدو «الحوار» مستحيلا تقريبا فكل معسكر يرى المسألة من زوايا مغايرة تماما.

وفي المحصلة يرى المؤلف أن التبدلات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة في علاقات أميركا مع روسيا والصين قد تدفع للتفكير في أن العالم اليوم أمام «قرن 21 جديد».

المؤلف في سطور

* يحمل جاك سابير، مؤلف هذا الكتاب، شهادة الدكتوراه في الاقتصاد. عمل أستاذا لهذه المادة في جامعة باريس الثامنة عدة سنوات. أصبح بعد ذلك مديرا للدراسات في المدرسة العليا للدراسات الاجتماعية وأستاذا للاقتصاد في «الكوليج دو فرانس»، أعلى مؤسسة علمية في فرنسا. يعمل جاك سابير كمستشار لدى وزارة الدفاع الفرنسية.

* قدّم حوالي 15 مؤلّفا من بينها: «التأرجحات الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي 1941ـ 1985» و«الاقتصاديون ضد الديمقراطية» و«نهاية النزعة اللبرالية الأوروبية». وعرف بشكل خاص بتعمقه في دراسة الاقتصاديين السوفييتي و الروسي

الصفحات: 255 (وسط)

الكتاب: القرن الحادي والعشرون الجديد

تأليف: جاك سابير ـ عرض ومناقشة: د.محمد مخلوف

الناشر: سويل ـ باريس ـ 2008