تمر اليوم الذكرى الخامسة والثلاثون لنصر اكتوبر1973، وهي فترة كافية لإعادة قراءة الحدث والتعرف على صورته بعيون الشباب من جيل المفاوضات المارثونية مع إسرائيل والتسوية السلمية المعطلة منذ أكثر سنوات. «البيان» استطلعت آراء شباب مصريين وسوريين وكشفت آراءهم عن تباين شديد في مصر يرى الشباب أن أكتوبر معجزة عسكرية، لكنهم مختلفون حول إمكانية اندلاع جولة جديدة من الصراع مع إسرائيل، بفعل الترويج الإعلامي لمكاسب وهمية من الصلح المنفرد مع العدو. أما في سوريا فتبدو رؤية الشباب للنصر مبهمة ففي حين يراها البعض انتصاراً مطلقاً خال من التفاصيل، نجد بعضاً آخر لا يكاد يعرف عنها شيئاً.

البداية من القاهرة حيث يرى أمير صلاح (24 عاماً) محاسب أن حرب أكتوبر 1973 كانت أشبه ما تكون بالمعجزة والزلزال التي هزت أركان الغطرسة والكبرياء الإسرائيلي وأعادت للأمة العربية كرامتها.

ويؤكد محمد أحمد حسانين بكالوريوس تربية رياضية (26) عاماً ان من الصعب إمكانية تكرار ذلك الانتصار نظرا لاختلاف الظروف سواء الدولية والإقليمية خاصة مع التزام الولايات المتحدة الدائم بمساندة إسرائيل وضمان أمنها في مقابل تراجع وضعف عربي.

وأضاف:« لم نشاهد تلك الحرب ولم نعاصرها ولكن ما سمعناه وقرأناه عنها يجعلنا جميعا وجميع الأجيال القادمة ننحني إعزازا وتقديرا لهؤلاء الأبطال.

ويعتبر أحمد سنبل (27 عاما) متخصص في الشؤون الإسرائيلية أن نشوب حرب جديدة بين العرب وإسرائيل أمر غير مستبعد. مشيرا إلى استطلاع للرأي أجرته احد المواقع التابعة للجيش الإسرائيلي بمناسبة مرور 30 عاما على اتفاقية كامب ديفيد ( 30 ديسمبر 1978 ) حيث طالب 6,51 في المئة من الإسرائيليين الحكومة والجيش الإسرائيلي بالاستعداد لاحتمال نشوب مواجهة عسكرية مع مصر خلال السنوات العشر القادمة.

أما محمد مازن صحافي شاب ( 28) عاما فيؤكد أن جميع الأطراف من مصلحتها ألا تقوم مثل هذه الحرب، فإسرائيل تحصل من العرب الآن على كل ما تريده بلا عناء ودون الحاجة للجوء للسلاح بل والعرب يهرولون إليها باعتبارها مانحة «صكوك الغفران» للبيت الأبيض.

ويرى مازن:ان الوضع الآن يختلف عن أيام حرب أكتوبر حيث قامت جبهة عربية واحدة، ومن الصعب الآن أن نجد ثلاث دول عربية يكونون متفقين فيما بينهم، حتى الدول الكبرى التي كان يمكن أن يكون بينها مثل هذه الجبهة مثل مصر والسعودية وسوريا والعراق فمصالحها وحساباتها تصطدم ببعضها البعض حاليا وأصبح الجميع يتنازعون علي أمر مفقود وغير موجود وهو الزعامة العربية.

أما أحمد مختار مهندس مدني (24 عاما) فيستبعد تشكيل جبهة الصمود العربية استنادا إلى الموقف العربي المنقسم أثناء اعتداء إسرائيل علي لبنان في 2006 وما تبعه من حدوث شرح قوي في صف المحور المصري- السعودي -السوري.

على الساحة السورية تقول ماريا ( طالبة إعلام في جامعة دمشق) إن حرب أكتوبر درس تلقته في المناهج المدرسية بطريقة جعلتها لا تولي هذا الموضوع أي أهمية. أما طلال وهو موظف في القطاع الخاص (20 عاما) ولم يكمل دراسته، فقد أبدى عدم معرفة بأي شيء عن تلك الحرب ولا بين من ومن وقعت ولا من المشاركين فيها.

أما هاني وهو خريج كلية الآداب قسم اللغة الانجليزية فيرى أن حرب أكتوبر هي الانتصار الأول للعرب على الإسرائيليين وبها تحررت جميع الأراضي العربية المحتلة قبل أن يعاد احتلالها من جديد بسبب التدخل الأميركي والدعم لإسرائيل. وتوقع أن هذه الحرب ليست الأخيرة بين العرب والإسرائيليين بدليل انتصار حزب الله على الإسرائيليين قبل عامين. غير أنه اعتبر أن المفاوضات قد تكون طريقاً أخرى لتحرير الأراضي المحتلة إذا رأت القيادة السياسية ذلك.

وفي الوقت الذي ترى فيه راما طالبة الطب في جامعة دمشق أن حرب أكتوبر وقعت بين الجيش السوري وبين الجيش الإسرائيلي، رأت زميلتها زينة أن هذه الحرب وقعت بين مصر وسوريا معاً ضد إسرائيل. واعتبرت زينة أن الانتصار تحقق بسبب قيام الجيشين السوري والمصري بتنسيق الجهود بينهما وبأنهما حددا ساعة الصفر.

ورأت زينة أن الحرب مع الإسرائيليين لم تتوقف منذ عام 1973 بل هي مستمرة وأن فصولها تختلف بين وقت وآخر وأن العرب حققوا انتصارات كثيرة بعد حرب أكتوبر وخصوصاً في لبنان. أما راما فرأت أن الحروب لن تؤدي إلا إلى الدمار وأن طريق المفاوضات هو الأسلم وهو الكفيل بتحقيق السلام.

ويؤكد محمود وهو طالب في قسم الديكور أن حرب أكتوبر وقعت في ستينات القرن الماضي وان الجيوش العربية انتصرت على عدوها، وعندما قلنا له انها وقعت في عام 1973 أبدى عدم اهتمامه بهذا التفصيل. وعندما قلنا له إن العدو الذي انتصر عليه العرب هو إسرائيل، قال هذا أمر مفروغ منه لأن لا عدو للعرب غير اليهود .

وقال محمود الحرب سيئة والمفاوضات أسوأ لأن الحرب في العراق دمرت البلد والمفاوضات في فلسطين لم تحقق شيئاً. أما رأيه فهو الاعتماد على القنبلة الديمغرافية أي التكاثر في فلسطين حتى يصبح العرب أكثر من اليهود وعند ذلك تنتهي إسرائيل بشكل «اتوماتيكي» ولا حاجة للحروب أو المفاوضات بعد ذلك.

أكتوبر يذكر بالنصر والتضامن في زمن الانكسار والتشرذم

تمر اليوم الذكرى الخامسة والثلاثون لانتصارات أكتوبر (1973) لتذكرنا نحن العرب بأمجاد النصر، الذي تحقق بفضل وحدة الصف وبسالة المقاتل العربي، وتلاحم كل القيادات من المحيط إلى الخليج. فيما نحن نتجرع مرارة الانكسار والتشرذم، لدرجة باتت أقطارنا كل على حدة مهددة بنصل التقسيم إلى دويلات وكانتونات، حيث يتسابق العديد من التيارات السياسية والفاعليات الأهلية إلى الاستعانة بقوى أجنبية ودولية، لتغيير المعادلات الداخلية وحسم الصراعات السياسية الداخلية.

بعد 35 عاما على انتصار أكتوبر وملحمة العبور يغيب معنى ومذاق النصر عن حلوقنا، التي غصت بكثرة الأحاديث المرسلة عن الحل السلمي ووعود للسلام لم يتحقق منها شيء. أول شيء يصدمنا ونحن نحتفل بأكتوبر، سؤال شائك عن الوضع العربي الراهن، ومدى تناقضه مع الوضع الذي قاد إلى معركة الكرامة والتحرير في 6 أكتوبر 1973 ؟.

في البداية، نتعرف على مكونات الوضع العربي عشية السادس من أكتوبر، على الصعيدين العسكري والسياسي. وكان التنسيق في أعلى درجاته بين الجبهتين المصرية والسورية، ليس على مستوى القيادات العليا فقط بل على مستوى العمليات والتدريب، والاستطلاع وتبادل الزيارات المعلومات الاستخبارية عن العدو الإسرائيلي.

في تلك الفترة، كان الجيشان المصري والسوري يتحركان باتجاه معركة المصير على إيقاع ونبض قلب واحد، في ظل وجود قيادة موحدة تقوم بمهمة التنسيق وصنع القرارات التكتيكية والإستراتيجية. والتي توجت بقرار تحديد يوم العبور.

وبفضل تلك القيادة الموحدة نجحت الجيوش العربية في مباغتة إسرائيل وصنع أكبر مفاجأة في تاريخ العسكرية العالمية، وشل قدرة قيادة العدو على الردع أو إجهاض الهجوم الكاسح، أو توجيه ضربة استباقية للعرب. وبدون الخداع الاستراتيجي لم يكن بمقدور الجيشين المصري والسوري بدء المعركة في توقيت واحد يوم العاشر من رمضان، حيث تمكنت من اجتياح قوات العدو في الجولان وعبور قناة السويس وإزالة الساتر الترابي الملغم وتدمير خط بارليف ودك حصونه المنيعة التي كانت تتباهى به إسرائيل.

يضاف إلى ذلك، الحضور العربي من كل الأقطار على الجبهتين المصرية والسورية، حيث اختلطت الدماء العربية دون تفرقة بين قطر وآخر، فهناك قاتل الفدائي الفلسطيني والجندي الجزائري والعراقي والسوداني، فضلا عن اشتراك مقاتلات ليبية في المعركة التي شرفت بتمثيل الأمة العربية في نموذج قابل للتكرار باعتباره سر النصر.

سياسيا، وفرت أجواء التضامن وتبديد سحب وغيوم الخلافات العالقة الطريق أمام المقاتل لتحقيق النصر. وقد بدأت جهود استعادة التضامن ووحدة الصف عقب هزيمة 5 يونيو 1967 مباشرة، وتجسدت وحدة الإرادة العربية والاتفاق على الصمود في قمة الخرطوم التي أصدرت ثلاث لاءات عربية شهيرة: لا تفاوض ولا استسلام ولا صلح قبل تحرير الأرض المحتلة وفى مقدمتها فلسطين المغتصبة عام 1948.

في تلك الفترة أطلق الزعيم الراحل جمال عبد الناصر خطة شاملة لإعادة بناء القوات المسلحة العربية، بموازاة خطة لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة والتنظيم السياسي وتنقيته من المنافقين والفاسدين. وعقدت اجتماعات لغرس بذور التنسيق العربي على جميع المستويات.

ولم تقف جهود استعادة التضامن على المؤتمرات بل اتخذت طريق قرارات نفذت بالفعل لدعم المجهود الحربي العربي في مصر وسوريا والأردن. وتبعها إجراءات للمصالحة منعت تكرار ظاهرة الانقسام بين عرب الثروة وعرب الثروة. واتفق الجميع على ضرورة التوحد لتحقيق هدف إزالة آثار العدوان ورد الكرامة والثأر من هزيمة يونيو.

وكان لافتا، الشعار الذي رفعه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عند اندلاع الحرب «النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي» ومسارعته للاقتراض من احد البنوك الغربية لتوفير السيولة المالية المطلوبة لإمداد الجيوش بالعتاد والسلاح.

شعبيا، اكتظت الساحة العربية في كل الأقطار من الخليج إلى المحيط بمظاهر التضامن الشعبي وفرق التطوع لصالح دعم المقاتلين على الجبهتين المصرية والسورية، مابين تبرع بالدم والدواء والمال، أو طلب التطوع للمشاركة في القتال، وكان كل مواطن عربي يعتبر انها معركته الشخصية وثأره الخاص.

ومن وهج النصر إلى قتامة المشهد الراهن، تعيش امتنا أوضاعا مضطربة ومتوترة في العراق الذي يعانى احتلال وفوضى ويجاهد من اجل استقلاله، ولبنان الذي اكتوى بنيران عدوان إسرائيلي وحرب إبادة، وإذاقته المقاومة ذل الهزيمة، ويكافح حاليا للحفاظ على وحدته الوطنية.

وهناك السودان المنكوب بحروب داخلية بين الأشقاء الالداء في دارفور، التي أصبحت ساحة صراع دولي وثغرة للتدخل في سيادة السودان، بعد أن هدد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية باتهام الرئيس عمر البشير بارتكاب جرائم حرب. وتتصدر الأزمة الفلسطينية الداخلية المشهد، بعد أن فقد الجميع بوصلة العمل الجبهوي والوحدة، وخاضوا في وحل الانقسام والتقاتل، لدرجة عمقت التناقضات الفرعية وهمشت التناقض الرئيسي مع العدو. وتناسى الجميع أهم دروس حرب أكتوبر «النصر رهن بوحدة الصف العربي».

دمشق ـ تيسير أحمد، القاهرة ـ «البيان»

دبي ـ سيد زهران