متى انتهى القرن العشرون؟ومتى بدأ القرن الحادي والعشرون؟ مؤلف هذا الكتاب يحدد التاريخين في عام 1991 الذي شهد تفكك الاتحاد السوفييتي والقطيعة الكاملة مع العالم الذي ولّدته الحرب العالمية الأولى. وهو أيضا العام الذي قامت في بدايته حرب الخليج الأولى المعروفة باسم عملية «عاصفة الصحراء».
وفي الحالتين كانت النتيجة هي أن الولايات المتحدة غدت القوة العظمى الوحيدة في العالم. وكانت السرعة والسهولة اللتين استطاعت أميركا بهما حسم الحرب دعت الرئيس آنذاك جورج بوش الأب إلى القول إن بلاده قد «تخلّصت مرة واحدة وإلى الأبد من العقدة الفيتنامية». وزاد من ملامح الهيمنة الأميركية سيطرة واشنطن على المؤسسات المالية الدولية المتمثلة خاصة في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. باختصار بدت الولايات المتحدة خلال العقد الأخير من القرن العشرين وكأنها تتمتع بالتفوق العسكري والاقتصادي، وكذلك السياسي والثقافي.لكن مع بداية القرن الحادي والعشرين بدت معالم الصورة مختلفة جدا والمسار الذي كان يبدو واضحا عرف منعطفا كبيرا. وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن ذلك المنعطف لا يعود.
كما ردد الكثير، إلى تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، رغم المأساوية الهائلة التي اتسمت بها تلك التفجيرات. كما يؤكد أن الحركات المتطرفة التي تشكل، بطريقة ما، نتاجا للحرب الباردة وتمثّل جيدا القرن العشرين سياسيا، لن تحدد ما سيكون عليه القرن الحادي والعشرون.
القطيعة الحقيقية في المسار الصاعد للولايات المتحدة يجدها المؤلف في الأزمة المالية الدولية التي عرفها عام 1997 و1998، وفي الأحداث التي تلتها. لقد أثبتت تلك الأزمة، حسب تحليلات المؤلف، أن الولايات المتحدة كانت عاجزة عن السيطرة على النزعة الليبرالية المالية الدولية التي كانت هي نفسها قد أثارتها وفرضتها على العديد من البلدان. بالمقابل كانت الصين هي التي أمّنت عبر سياسة مسؤولة الاستقرار في الشرق الأقصى، بينما فشلت أميركا في فعل الشيء نفسه في اندونيسيا، وقوبلت إجراءاتها بالرفض الصريح في ماليزيا.
بالمقابل قامت العديد من البلدان الموصوفة أنها صاعدة بالرد على تلك الأزمة وعلى السياسة الأميركية بتحديد مدى انخراطها في الليبرالية المالية وبتقليص ديونها أو بتبني إجراءات لتنظيم أوضاعها المالية، كما فعلت ماليزيا. ويعيد المؤلف الأزمة الحالية لصندوق النقد الدولي إلى أنه لم تعد له وظيفة في الواقع منذ الأزمة المالية 19971998.
أما روسيا التي بدت منظومتها البنكية على وشك الانهيار، فإن تلك الأزمة لم تأذن بنهايتها، بل على العكس كانت إيذانا بنهوض جديد للبلاد. لقد ابتعدت تدريجيا عن الأطروحات الليبرالية الجديدة التي سادت خلال سنوات التسعينات وأعادت بناء نفسها حول مشروع وطني وتصنيعي. وكانت آثار النمو الاقتصادي قد ظهرت منذ الأشهر الأولى لعام 1999 بعد فترة من التقهقر عرفها العقد السابق. وتحوّلت روسيا «الذليلة» و«البائسة» إلى قوة يُحسب حسابها. هكذا يمكن أن يعاد إلى شهر سبتمبر 1998 وللإجراءات الأولى التي اتخذتها حكومة يفغيني بريماكوف البدء بمسيرة «عودة روسيا» التي ظهرت بقوة منذ 20052006.
ويرى مؤلف هذا الكتاب أن الإستراتيجية الأميركية قد أُصيبت في الصميم بسبب النتائج الاقتصادية والمالية والسياسية والإيديولوجية للأزمة المالية 19971998. لقد بانت بوضوح حدود قوة الولايات المتحدة، وبرزت قوى منافسة في مقدمتها الصين وروسيا. كما دفعت الأزمة العديد من البلدان إلى إعادة النظر في إستراتيجياتها الاقتصادية مما قادها إلى تبني سياسات تجارية أدت إلى «هشاشة عامة» في الاقتصاد العالمي.
لكن «الجزء غير المنظور» قد يكون الأكثر أهمية، ذلك أن الخطاب الليبرالي الجديد فقد فجأة مصداقيته. وتتم الإشارة هنا إلى أنه إذا كانت مفاهيم مثل السياسة الاقتصادية الوطنية وسياسة التصنيع وتنظيم التدفقات المالية الدولية قد اكتسبت الشرعية من جديد، فإن هذا يعود بدرجة كبيرة إلى تلك الأزمة وإلى النقاشات التي أثارتها.
ويضاف إلى هذا كله واقع أن النمو الاقتصادي الذي عرفته الولايات المتحدة طيلة عقد التسعينات الماضي وبدايات القرن الحالي إنما كان نموا «خادعا». لقد زاد من حدة اللامساواة وتهميش لا مثيل له سابقا لشرائح واسعة من السكان، مع تضاؤل كبير في القدرة الشرائية للطبقة الوسطى. يتم التأكيد هنا أن الاقتصاد الأميركي يعاني من أزمة «بنيوية»، وعلى قاعدة هذه الأزمة اتجهت السياسة الأميركية نحو تعزيز القوة العسكرية، وكانت فيما بعد عملية غزو العراق.
وفيما بعد الأزمة المالية الدولية 19971998 كانت التجارب النووية التي قامت بها الهند وباكستان قد دفعت الأميركيين إلى إدراك أن هذين البلدين، رغم قربهما النسبي من الولايات المتحدة، ينحوان باتجاه تبنّي إستراتيجيات خاصة بهما. ترافق ذلك مع الإحساس الأميركي أن العالم قد غدا «أكثر تهديدا». هذا ما أشار له بوضوح تقرير وجهته عام 1998 مجموعة يرأسها دونالد رامسفيلد للكونغرس. عندئذ انخرطت إدارة كلنتون في إستراتيجية «إعادة عسكرة السياسة الأميركية». هذا يعني أن مثل ذلك التوجه كان سابقا لوصول جورج دبليو بوش إلى البيت الأبيض.
لقد ساهم ذلك التوجه أيضا في وصول «المحافظين الجدد» من «الصقور» إلى السلطة وتعيين رامسفيلد وزيرا للدفاع. ويصف مؤلف هذا الكتاب السياسة التي انتهجها هؤلاء المحافظون الجدد بأنها كانت في غير اتجاه ما تنبغي أن تكون عليه سياسة القوة العظمى. ولقد انتهت إلى كوارث سياسية ودبلوماسية وعسكرية أيضا مثلما تدل اليوم الحرب في العراق وفي أفغانستان. في المحصلة يبدو واضحا اليوم أن «القوة المسيطرة» في بداية هذا القرن هي الآن موضع احتجاج بعد أن فقدت الكثير من مصداقيتها. ولم تكن هزيمة «خطابها» أقل أهمية من الهزيمة التي عرفتها أسلحتها. هكذا يبدو المستقبل «مفتوحاسلكل الاحتمالات.
يمكن للحرب اليابانية ـ الروسية خلال 19041905 أن تبدو بمثابة دخول قوى غير أوروبية على المسرح العالمي. فللمرّة الأولى انهزمت قوة أوروبية أمام قوة غير أوروبية (آسيوية تماما).
ورغم كل ما يقال عن اليابان وتقليدها للنموذج الأوروبي، فإنه ليس بمقدور أحد أن يتجاهل واقع أن صورة «الرجل الأبيض»، الذي لا يُغلب منذ موجة التوسع الإمبريالي الأوروبي في القرن التاسع عشر، قد تغيّرت. بالتالي كان لا بد من التعامل مع أقطاب جدد يمتلكون القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
وفي هذا السياق الجديد استطاعت الولايات المتحدة الأميركية أن تفرض نفسها على المسرح الدولي. لقد كانت بداية دخولها عبر السيطرة على قناة بنما التي كانت آنذاك، إلى جانب قناة السويس، أحد أهم الممرات المائية للملاحة التجارية والعسكرية أيضا. وجرى أيضا إبعاد بريطانيا من السيطرة على تلك القناة، مما دلّ بوضوح على أنها لم تكن قادرة منذئذ على فرض قواعد اللعبة في المحيط الأطلسي وذلك لمصلحة قوى صاعدة آنذاك، تمثّلت خاصة في الولايات المتحدة واليابان. باختصار كان قد انتهى دور بريطانيا كقوة مسيطرة على جميع المحيطات.
وكان ذلك قد ترافق مع تبدلات كبيرة على صعيد فن الحرب. لقد سمح الجمع بين البنادق ذات السرعة الكبيرة في الرمي وبين الرشاشات الأولى بتشكيل مواقع دفاعية قوية جدا. وإذا كانت الخنادق اختراعاً قديماً جدا فإن استخدامها لستمترس» الأسلحة الجديدة جعل أي هجوم مضاد عالي الكلفة. باختصار غدت النيران وكثافتها هي السلاح الحاسم وليس الحراب. وكانت الحرب العالمية الأولى وما شهدته من رعب قد أعلنت واقعيا بداية القرن العشرين ونهاية السيطرة البريطانية على شؤون العالم ولكن دون بروز بديل.
الفرضية التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب تقول إن العالم شهد ما بين 1991، أي عام نهاية القرن العشرين وعام 2003، عام الغزو الأميركي للعراق، وضعا يوحي أن القرن الجديد سيكون قرن «الإمبراطورية الأميركية»، مثلما كانت هناك مؤشرات كثيرة تدل على أن القرن العشرين كان ينبئ بهيمنة بريطانية على العالم. لكن يبدو أن «الانطلاق» في الحالتين كان خاطئا.
ويؤكد المؤلف أن الحدثين المتمثلين في حرب الخليج الأولى لعام 1991 وانهيار الاتحاد السوفييتي في نفس السنة قد أعلنا نهاية القرن العشرين فعلا، ولكنهما لم يؤديا بالمقابل إلى رسم توجه واضح للمستقبل، على عكس ما كان قد توقع الكثيرون، وعلى رأسهم فرنسيس فوكوياما صاحب نظرية «نهاية التاريخ».
بالمقابل يتم التأكيد على أن الحدث الكاشف لملامح المستقبل كان بالأحرى هو الأزمة المالية الدولية خلال 19971998 ورد الولايات المتحدة على موجة الاحتجاجات ضد هيمنتها. هنا بالتحديد يتم التعرّف على ملامح الدينامية التي ستؤسس لما سيكون عليه القرن الحادي والعشرون.
هذه الديناميكية التي انطلقت أدّت إلى مسار جعل واشنطن تهدّم أكثر الأسس الحقيقية لهيمنتها في كل مرة تحاول فيها إعادة تأكيدها. والديناميكية نفسها سمحت ببروز مراكز قوّة جديدة، خاصة الهند والصين، وبعودة روسيا إلى المسرح الدولي بعد أن كانت قد انكفأت خلال سنوات 19922001. وكان من الطبيعي أن يؤدي بروز، أو عودة، قوى قادرة على التصدي لأي مشروع إمبريالي عالمي إلى زحزحة مواقع القوة المسيطرة. وفي الوقت نفسه تبلور في قلب السياسة الأميركية توجّه يشجع «أشكال التعبير عن القوة»، ولكن تكشف أنه مسيئ بالأحرى للقوة الأميركية ذاتها.
ويرى المؤلف أن جدل الاحتجاج ورد فعل القوة الأميركية المسيطرة عليه أدّى إلى «راديكالية» الديناميكية الجديدة، وكان انتخاب جورج دبليو بوش أحد أعراض تلك الراديكالية أكثر مما هو سبب لها. لقد كان كاشفا أكثر مما كان صاعق تفجير. بكل الحالات كانت النتيجة هي إضعاف موقع أميركا ومنح فرص جديدة أمام القوى الصاعدة أو المستعيدة لمواقعها السابقة.
تتم الإشارة هنا إلى أن الفكرة القائلة بوجود منعطف، بل وربما قطيعة نتيجة للأزمة المالية الدولية 19971998 قد ظهرت بأشكال عديدة قال أصحابها بالتداخل بين الديناميات المالية والسياسية والإستراتيجية. ذلك على قاعدة أن الأزمات تلعب دائما دورا كبيرا في ولادة سياقات جديدة. إنها ذات دور أساسي في الكشف عن حقيقة موازين القوى القائمة.
النتيجة التي يتم الوصول إليها في هذا الإطار هي أن الضعف الأميركي يشمل اليوم كل المناحي. لكن هذا لا يعني أنها لم تعد قوة كبرى على الصعيد الدولي. إنها فقدت «سلطتها الإمبريالية» التي لم تمارسها لأكثر من عشر سنوات واقعيا.
متى انتهى القرن العشرون؟متى بدأ القرن الحادي والعشرون؟ الفكرة الأساسية التي يتم الانطلاق منها في التحليلات المقدّمة هي أن القرن العشرين قد انتهى فعليا عام 1991 مع اندلاع حرب الخليج الأولى وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق.لكن على عكس ما قاله محللون كثر من أن القرن الحادي والعشرين هو «قرن أميركي»، يؤكد مؤلف هذا الكتاب أن الهيمنة الأميركية بدأت تهتز منذ الأزمة المالية الشهيرة خلال 19971998.
لقد كانت تلك الأزمة، برأيه، منعطفا بل قطيعة حقيقية، في الصعود الأميركي وفي بروز قوى صاعدة جديدة، على رأسها الصين والهند وعودة قوى سابقة إلى المسرح الدولي، وخاصة روسيا.
وما يتم تأكيده هو أن تلك الأزمة أوجدت ديناميكية جديدة تشكل الخلفية الحقيقية لما سيكون عليه القرن الحادي والعشرون. إن الولايات المتحدة حاولت «عبر استخدام القوة» استعادة هيمنتها، ولكنها خسرت في كل مرة مواقع جديدة مما أضعف مكانتها في جميع الميادين الاقتصادية والسياسية والعسكرية. لكن إذا كانت هناك موازين قوى جديدة تقوم فإن الولايات المتحدة لا تزال إحدى قوى العالم الكبرى الأساسية.
الصفحات: 255 (وسط)
الكتاب: القرن الحادي والعشرون الجديد
تأليف: جاك سابير ـ عرض ومناقشة: د.محمد مخلوف
الناشر: سويل ـ باريس ـ 2008

